بحث هذه المدونة الإلكترونية

الجمعة، 16 يوليو 2010

مصر والإصرار على هزيمة حماس!![03/02/2009][09:40 مكة المكرمة]

بقلم: محمد السروجي
لم تقنع النخبة الحاكمة في مصر أو الطامحة إلى الحكم بكمِّ المواقف والتصريحات الداعمة للكيان الصهيوني؛ حدوديًّا.. بالإصرار على غلق معبر رفح، وأمنيًّا.. بقمع التظاهرات الشعبية واعتقال قيادات العمل الوطني واستجواب الجرحى عن سلاح وقيادات المقاومة، وإعلاميًّا.. بتشويه حماس وتحميلها مسئولية العدوان، ولوجستيًّا.. بالغاز والطعام؛ فقامت تكمل رسالة الخذلان لإخوة الجوار والعروبة والدين ونصرة بني صهيون.

تصريحات وشواهد
** استمرار غلق معبر رفح وإحكام الحصار "رغم الشو الإعلامي المضلّل" وعدم إدخال آلاف الأطنان من المساعدات الغذائية والكسائية لشعب يفترش الأرض ويلتحف السماء؛ مما يعدُّ إهدارًا للأموال المصرية، وخنقًا لشعب أعزل لصالح الصهاينة، وحرمانًا لنواب الشعوب العربية والإسلامية من العبور لمساندة إخوانهم في غزة؛ بل يقال وبقوة إن عناصر أمن تابعة لدحلان تشارك الأمن المصري في السيطرة على المعبر لالتقاط عناصر حماس التي تمر للعلاج إن مرت!.

** ترك الحدود المصرية مستباحةً للقصف الصهيوني لتدمير الأنفاق؛ الرئة الوحيدة لشعب غزة المحاصر، فضلاً عن مراقبة الحدود بالكاميرات والاتفاقات الأمنية التي حوَّلت مصر إلى شرطي يبذل كل الجهد ويعطي كل العهود لحماية الكيان الصهيوني كأوراق اعتماد للبقاء في الحكم أو الوصول إليه.

** تشويه صمود وثبات المقاومة والشعب واستدعاء المسكين محمود عباس؛ الذي ألغى زيارةً للتشيك، وجاء لمصر مهرولاً لمقابلة المسئولين المصريين، ثم عقد مؤتمرًا صحفيًّا "لم تتمكن مصر من الإعداد الجيد له؛ فجاء هزيلاً خاليًا من الحضور الإعلامي" للثناء على مصر وقيادتها السياسية؛ حتى غلب على ظني أنه سيهتف "بالروح بالدم نفديك يا مبارك".

كما راح يحمِّل حماس مسئوليةَ ما حدث في غزة، وعاد مرةً أخرى لنشيده الفارغ حول الصواريخ العبثية وخياره الوحيد الإستراتيجي، ولم يفُتْه أن يقرِّر ما أعلنه المتحدث الإعلامي لجيش الاحتلال الصهيوني فيما يخص قيادات حماس بالخارج، ثم أعلن أنه لا حوار لمن لا يعترف بمنظمة التحرير، وقد نسي أنه الذي دعا إليه أخيرًا، بل أنه دعا لتشكيل حكومة وحدة وطنية، لكن من الواضح أن الضغط المصري لم يعطِه فرصةً أن يتذكر ما قاله سلفًا.

** فرض عباس المنتهية ولايته في كافة الاجتماعات، أهمها التهدئة بين المقاومة والكيان الصهيوني؛ إلا إذا كان حضوره ضمن الوفد المصري كوسيط، أو الصهيوني نظرًا للتنسيق الأمني القائم بين السلطة والصهاينة، لكنه في جميع الأحوال لا صلة له بالوفد المقاوم من الناحية القانونية أو الميدانية أو السياسية.

** ترويج الشبهات والأكاذيب في الإعلام الحكومي المكتوب والمسموع والمرئي؛ حيث مواصلة منهج الردح السياسي الذي لا يُجيد غيره؛ في محاولة يائسة لقلب الحقائق واستدعاء إيران كعدوٍّ بديل للأمة مكان العدو الأوحد "الكيان الصهيوني".

** الضغط بورقة الإعمار والاستباق بالدعوة لمؤتمر دولي يُنتظر فشله لاعتبارات كثيرة؛ في مقدمتها سوء سمعة النخبة الحاكمة في مصر والسلطة الفلسطينية وسابقة أعمالهما السوداء في مجال الشفافية والفساد المالي والإداري والسياسي (راجع تقارير المنظمة الدولية للشفافية لعام 2008م وتقرير منظمة برلمانيون ضد الفساد).

عمومًا رغم صعوبة الطريق وكثرة العقبات والتحديات؛ إلا أن حماس تمتلك ما يفتقده الآخرون.. شرعية قانونية وشعبية، وإيمانٌ بالقضية، وإرادة قوية، وتاريخ نظيف ومشرِّف، وشهداء بالآلاف روت دماؤهم الطاهرة الأرض المباركة لتنبت أجيالاً مقاومةً وغير مفرِّطة.
----------
* مدير مركز الفجر للدراسات والتنمية.

مفارقات بين عزة الأتراك وذلة العرب[05/02/2009][09:04 مكة المكرمة]


بقلم: د. صلاح سلطان
الفرق بين العزة والذلة هو الفرق نفسه بين الحياة والموت، بين النور والظلمة، بين الشجاعة والجبن، بين المروءة والنذالة، بين العفة والدناءة.

لقد مضى السلطان عبد الحميد آخر خلفاء بني عثمان وترك خلفه عزة الخلافة الإسلامية عندما رفض وعد بلفور، ولم يخضع للمساومات الرخيصة، وقال: "إن فلسطين أرض وقف، لا يجوز لأحد مهما كان أن يتنازل عن شبر منها".

أما أذناب العرب اليوم فقد تنازلوا عن 90% من أرض فلسطين، وأسلموا المنطقة العربية لأوامر الأمريكان والصهاينة، لقد مضى السلطان عبد الحميد ولسان حاله يقول:
لا تسقني ماء الحياة بذلة بل فاسقني بالعزِّ كأس الحنظل
ولا حرج على العرب أن يمضوا في نعوش أمريكية صهيونية ولسان حالهم يقول:
ألا اسقني ذلاًّ وقل هو الذل ولا تسقني سرًّا إذا أمكن الجهر
أما حفيد الامبراطورية الإسلامية العثمانية "رجب الطيب أردوغان" في سويسرا فقد تكلَّم بلغة المعتز بربه، الممثِّل لشعبه، يهاجم مجرم بني صهيون "بيريز" قائلاً: "أنا أخاطبكم بصفتي حفيدًا من أحفاد الدولة العثمانية التي آوتكم حين لم يكن لكم مأوى"، وترك القاعة راجلاً فاستقبله شعبُه الأبيُّ استقبال الفخر والعزة والكرامة.

أما "أبو مازن" الفارسي الأصل، البهائي ديانةً، المنتهية رئاسته، فقد هدَّد من "مصر!" حماس في عنفٍ يشبه صوت "بيريز"، وقال: "لا حوار لمن يتعرَّض لمنظمة التحرير الفلسطينية"، وبالطبع لم يوقف الحوار مع من هدم وقتل وسفك وتجاوز وظلم أهل فلسطين والأمة كلها، وعاد إلى رام الله المنتهبة ليستقبله الحرس الخاص الذي سبق تدريبه في الكيان الصهيوني وبعض الأنظمة العربية، ولم يستقبله أحد من شعب فلسطين؛ لأنهم يدركون أصله الفارسي لا العربي.

لقد جلس "أردوغان" واثقًا من نفسه واضعًا رجله اليمنى على اليسرى وجلس "بيريز" بجواره كذليل بين يدي أسياده، وهي عكس الصورة التي تغضبنا دائمًا عندما يأتي صعاليك أوروبا وأمريكا والكيان الصهيوني، ويجلسون أمام زعمائنا الأشاوس في صلف وكبر و"رجل على رجل".

لقد خرجت تركيا في مظاهرات مليونية قوية فتيَّة غاضبة على بني صهيون، مساندة لمقاومة رجال غزة، بينما اعتقل نظام عربي كبير 1500 لأنهم دعوا للتظاهر، وفي دولة عربية أخرى وجدنا ساسةً جرَّمت وشيوخًا حرَّمت المظاهرات لأنها تصد عن ذكر الله!!.

يا قومي وأبناء جلدتي وعروبتي.. لا تجعلوني أردِّد مقالة "نزار قباني": "أنا يا صديقة متعب بعروبتي"، بعد أن رأيت قومي أذلةً على الكافرين أعزةً على المؤمنين، بينما يسطع نور العزة والكرامة من إخواننا الأتراك، "فلنِعْم الأمير أميرهم" ولنِعْم الشعب شعبهم: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (المائدة: 54).

وإذا عُرِف السبب بَطَل العجب.. إنه فقط الإيمان الذي حوَّل سحرة فرعون إلى رجال يقولون: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا* إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ (طه: 72، 73).
-----------
* أستاذ الشريعة الإسلامية بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة.

مفارقات بين المعية والتبعية


بقلم: د. صلاح سلطان
المعية أن تأتي بعقلك وقلبك لتساند رسالةً أو هدفًا أو قضيةً، والتبعية أن تلغي عقلك وقلبك وأن تتبع شخصًا أو مذهبًا أو جماعةً فتكون دميةً كحجر في اليم أو ريشة في الهواء، المعية منهج الإسلام: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (الفتح: من الآية ٢٩)، أو كما قال تعالى: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (النمل: من الآية ٤٤)، فلم تسلم ملكة سبأ لسليمان، وإنما مع سليمان النبي الملك الغني، وكذا أصحاب النبي لم يسلموا له وإنما أسلموا معه؛ فصنعوا حضارةً عالميةً.

أما التبعية فهي منهج الفراعنة في كل زمان ومكان، منهاجهم: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ (غافر: من الآية ٢٩)، كلماتهم "أنا الشعب"، فصنعوا ذيولاً بشريةً، ومخلفات حضارية، المعية تفكير وإبداع واختراع وابتكار، والتبعية تقليد وانصياع، وذل وضياع، ﴿كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ (البقرة: من الآية ١٧١)، أو كما قالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ (الزخرف: من الآية ٢٣).

المعية تقدير واحترام متبادل للغير لأن معيار التفاضل التقوى، وهي مدفونة في أعماق القلب لا يعلمها إلا رب هذه القلوب، الذي يدوم ولا يزول، أما التبعية فعبودية لمعايير التفاضل في المال والحسب والنسب والمنصب، مما يزول ولا يدوم، المعية مع القادة تعني التشاور والتناصح: ﴿مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ (النمل: من الآية ٣٢ )، أو (أهذا منزل أنزلكه الله أم هو الرأي والحرب والمكيدة...)، ليصل القائد ومن معه إلى أرقى المنازل وأفضل الآراء وأقوى الأدلة.

أما التبعية فهي انحصار للعقول في عقل واحد، وتقديس لآراء الزعماء، وتخليد وتقليد لآراء الكبراء، وانتقاص من مبادرة النصحاء، وارتجاف أمام المدراء "صباح المدير يا سعادة الخير" و"شبيك لبيك، محسوبك بين إيديك"، و"من إيدك دي لإيدك دي".

المعية تكريم الإنسان لنفسه وتقدير لرأيه واعتزاز بشخصيته واحترام لغيره، والتبعية إهانة الإنسان لنفسه، وذلة لغير ربه، واستجداء في غير موضعه.

رحم الله الشافعي كان يخرج رجالاً معه فكان مؤذن مسجده الربيع بن سليمان المرادي عالم الأصول معه وبعده، وأخبر تلميذه المزني أن يخبر من خلفه حرمة تقليده أو تقليد غيره من الأئمة، لكن التبعية أنتجت هذا السؤال الردئ: هل يجوز أن يتزوج الشافعي حنفية؟! فأجاب المقلد الأعمى: لا يجوز، ثم استدرك قائلاً: يجوز قياسًا على نكاح الذمية، ولو بعث الإمامان أبو حنيفة والشافعي لتبرآ من السائل والمجيب معًا.

فهل آن الأوان أن نكون أصحاب معية وهوية ورسالة تسمو إلى العلياء، وليس أتباعًا أنذالاً ملتصقين بالتراب، نلهث وراء السراب؟!.
---------

يا علماء أمتي.. افعلوا شيئًا


بقلم: د. صلاح سلطان
إن علماء الأمة الإسلامية هم عقلها الواعي، وقلبها الحي اليقظ، ولسانها المعبِّر عن تطلعاتها وآلامها، فقد احتلوا موقع الرأس من جسمها، وتربَّعوا على عروش قلوبها في كل مراحل العافية فيها، كما تدلُّ على ذلك النصوص الشرعية والحقائق التاريخية.

لقد أُنِيْطَ بهم وحدهم حفظ الرسالة بيضاءَ نقيةً وقيادة الأمة فكريًّا، كما أُنيط بهم أن يكونوا الرقيب والناصح لأصحاب الولايات العامة، وأن يتحمَّلوا قيادة الأمة عمليًّا عند فساد الأجواء، لذلك كانت حملة الظالمين عليهم أشدَّ، والاستهداف لشراء ذممهم أعظم وأخطر، ولكن الخبر المعصوم من الكتاب والسنة دلَّ على أن بقية الخير فيهم قائمةٌ إلى يوم الدين، لتبقى الحجة بهم قائمةً على الخلق ما بقيت على الأرض حياة، كما أورد البخاري ومسلم بسنديهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم والله يعطي، ولن تزال هذه الأمة قائمةً على أمر الله، لا يضرهم من خالفهم، حتى يأتي أمر الله" (اللفظ للبخاري).

فإلى هؤلاء البقية نوجِّه نداءنا، ونرفع صوت استغاثتنا، آملين أن يتحمَّلوا المسئولية باقتدار، وأن يوجهوا الأمة إلى حمل الواجب الذي يوجبه الشرع وتقتضيه المروءة نحو إخواننا في غزة خاصةً وأرض الأقصى والقدس عامةً.

يا بقية الخير في الأمة.. أدعوكم بكل قوة أن تأخذوا زمام المبادرة إلى ما يلي:
1- من الضروري التذكير بالنصوص القرآنية والأحاديث والسيرة النبوية عن بني إسرائيل ومواقفهم المخزية من الله تعالى والرسل والكتب المقدَّسة والمسلمين والبشر أجمعين، وبيان حجم إفسادهم عبر التاريخ؛ لغرس اليقين بأنهم أراذل الخلق أجمعين، وأبشعهم في التعامل مع الآخرين.

2- استعادة الفتاوى الصحيحة التي اتفق عليها خيار علماء الأمة لوجوب قتالهم ليس فقط انتصارًا لما يفعلونه بأهل غزة من حصار وقتل ودمار، وإنما حتى ينتهي الاحتلال البغيض تمامًا.

3- الإلحاح الدائم على موجبات القتال ديانةً وسياسةً؛ لوجود الاحتلال وتتابع القتل وتزايد الطرد من الديار، وهو يساوي في الإسلام القتل تمامًا، وإهانة القرآن، ورسول الإسلام وسيدنا عيسى عليه السلام، والتدمير والتخريب، ونقض المواثيق والعهود وتكرار الخيانة وحفر الأنفاق تحت المسجد الأقصى، وسلب الفلسطينيين حرياتهم، وأسر رجالهم ونسائهم وأطفالهم؛ مما لا يخفى على منصف دينيًّا أو سياسيًّا.

3- بعث الأمل في قوة الملك التي لا تُقهَر، وقد وعد بنصر المسلمين وقهر الظالمين، وقوة المنهج الذي لا يتغير قرآنًا وسنةً؛ الذي يجمع الله به قلوب المؤمنين على نصرة هذا الدين، وتاريخنا الحافل كما حدث في غزو المغول والصليبيين، فردَّهم الله تعالى خزايا منهزمين في موقعتي عين جالوت وحطين، بعد اجتماع كلمة العلماء والأمراء على تجييش عموم المسلمين.

4- أن يكون علماؤنا مثل مهرة الأطباء، يشخِّصون الداء، ويصفون الدواء بعد تحليل العلل والأسباب، فليكن كل منا طبيب قومه في الوصف الدقيق لأمراضهم والتحليل العميق لأسباب عللهم والحلول المناسبة لإمكاناتهم وقدراتهم، كما قال تعالى: ﴿اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ﴾ (هود: من الآية 121)، وكان هذا توجيهًا ربانيًّا في نهاية سورة هود؛ التي زخرت بصور الصراع بين الحق والباطل، وكيف انتهى الأمر في كلٍّ إلى هزيمة الباطل وحزبه ونصرة الحق وأهله.

5- اختاروا لأنفسكم أحد هذه المقامات من الدركات أو الدرجات، إما أن تكونوا من أصحاب الشمال، وأول حطب لجهنم بمزيد من الصمت على هذا الظلم البيِّن لإخواننا في غزة خاصةً وفلسطين عامةً، أو بمزيد من التلبيس (بالتعالم دون فهم)، والتدليس (بتغيير الأحكام الشرعية)، وتلك لعمري خسارة الدارين واجتلاب اللعنات، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ﴾ (البقرة: 159)، أو أن نختار أن نكون من أصحاب اليمين ببيان الحق لا نخشى فيه لومة لائم، كما قال تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (البقرة: 160).

6- أو أن تكون معًا من القادة المتقين، والأخيار المصطفين، والأبرار المقرَّبين، وهم ثلةٌ من الأولين، وقليلٌ من الآخرين، منازلهم في الجنة بجوار رب العالمين ﴿بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ {169} فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (آل عمران: 169-170)، وذلك مرهونٌ بألا يوجد سقف من التضحية، نصرةً لهذا الدين، ودفاعًا عن مقدساته ورجاله ونسائه وأطفاله من المستضعفين المستغيثين: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (البقرة: من الآية 250)، فنكون طلائع النصر المبين، والعز والتمكين، والفوز برضا الرحمن الرحيم، وأعلى جنات النعيم.

7- الاهتمام الخاص بجيل المستقبل من البنين والبنات، والشباب والفتيات؛ فهم أسرع الناس استجابةً، ومقصد الأعداء فتنةً، وهم في كل أمة خير عدة لصناعة الحاضر والمستقبل، وهم يستحقون منكم تجديد الخطاب، وتغيير الأنماط التي يملُّ منها هذا الشباب لنجذبهم إلى رحبة الإيمان، ومكارم الأخلاق وتحمُّل المسئوليات ليكونوا روَّادًا وعلماء ومبتكرين في كل المجالات النافعة لأوطانهم أولاً، ولأمتهم ثانيًا، ولعالمهم كله أخيرًا..
والله ولي التوفيق

علماء الأمة والدور المطلوب

بقلم: د. جمال نصار

د. جمال نصار
كان لي شرفُ المشاركة في الجمعية العمومية للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في إسطنبول في الفترة من 29/6: 1/7/2010م، وسعدت سعادةً بالغةً بهذا الجمع المتميز من أنحاء العالم من العلماء الأفذاذ الأطهار؛ الذين يحملون في قلوبهم وعقولهم رسالةَ ربهم.

وبصرف النظر عن بعض الهنَّات الإدارية في التنظيم، إلا أن هيبة العلماء كانت تَجبر كل كسر، وتنسي كل خلل، وكان لفضيلة العلاَّمة الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي أكبر الأثر في هذا الاجتماع؛ بكلماته المؤثِّرة، وتوجيهاته الناصعة، وعباراته القوية الجامعة، ورؤيته الثاقبة في تحليل واقع الأمة، ولمِّ شملِها في مواجهة التحديات التي تترا عليها من كل جانب، ولذلك كان عنوان المؤتمر: "الأمة الإسلامية في مواجهة التحديات".

وأشار فضيلة الدكتور القرضاوي- في كلمته الافتتاحية- إلى المبادئ التي يدعو إليها الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ومنها أن هذا الاتحاد للأمة كلها لتوحيد كلمتها وتحقيق أهدافها، وأنه قويٌّ برسالته والحق الذي يدعو إليه، وأنه لا يصلح هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، وأن منهج الإسلام في الإصلاح تغيير ما بالأنفس؛ الذي يتسم بالوسطية المتوازنة والانفتاح على الآخر والتحاور مع المخالف، وهذه القوة لا يستطيع العلماء إثبات وجودهم وتحقيق أهدافهم إلا بعدة أمور، منها:

1- أداء واجبهم علمًا وعملاً وتعليمًا؛ بحيث يكونون أسوةً للناس.

2- أن يقولوا الحق ولا يخافوا في الله لومة لائم.

3- أن يجعلوا دينهم فوق دنياهم، وأمتهم فوق حكامهم، وألا يبالوا بما أصابهم في سبيل الله.

4- أن يعتصموا بحبل الله جميعًا ولا يتفرقوا، وألا يكونوا كالذين تفرَّقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات.

5- ألا تختلف قلوبهم، وإن اختلفت آراؤهم... وكما قال الشاعر:
يا معشر العلماء يا ملح البلد من يصلح الملح إذا الملح فسد؟!
هذا هو الأمل المنشود في علماء الأمة؛ أن يقوموا بدوهم تجاه دينهم وأمتهم.

ولعل الأهداف الإستراتيجية التي قدَّمها الأستاذ الدكتور علي القرة داغي، الأمين العام للاتحاد في المؤتمر، تكون دافعًا لهذا الدور، وهي:

1- المساهمة الريادية في حلِّ مشاكل الأمة، والقيام بإعداد مشروع الأمة وجمعها على مصالحها العامة، وإجهاض المشاريع المعادية للوصول إلى الأمة الوسط، وخير الأمة رحمة، وصلاحًا وإصلاحًا، وعدلاً.

2- العمل على أن يتحوَّل الاتحاد إلى مرجعية شعبية حقيقية لجماهير الأمة في مختلف القضايا؛ وذلك بتكوين لجان للحكماء، والتي من خلالها يتمُّ معالجة القضايا والأزمات التي تعيشها بعض المجتمعات المسلمة (قضية فلسطين- باكستان- أفغانستان- الصومال).

3- توعية وتفقيه الأمة؛ من خلال تكوين مجالس لكبار علماء الاتحاد، ومكتب للفتوى، والاستفادة من الكوادر الشبابية الموهوبة؛ لتوطين علماء المستقبل.

4- الاهتمام بالبحث العلمي والدراسات الإسلامية والندوات والمؤتمرات، وإنشاء مراكز علمية أكاديمية، وتكوين كوادر من النخب الإسلامية ذات ثقافة متميزة ووعي متميز.

5- العمل على أن يصبح الاتحاد مرجعيةً أساسيةً للحوار مع جميع الأطراف الدولية الرسمية والشعبية والديانات المختلفة؛ بما فيها الديانات الشرقية.

6- تطوير الاتحاد إداريًّا وفنيًّا؛ بحيث يتحوَّل جميع أعماله إلى المؤسسية؛ بما فيها الرئاسة والأمانة العامة وجميع المكاتب التي يعمل من خلالها الاتحاد.

7- تدعيم صورة الاتحاد في المؤسسات العربية والإسلامية والدولية.

8- العمل على إعداد خبراء وقيادات واعية من العلماء، قادرة على القيادة والريادة للأمة الإسلامية.

9- العمل على الارتقاء بالأقليات الإسلامية، والدفاع عن حقوقهم بالحكمة.

10- العمل على تحقيق إستراتيجية إعلامية شاملة لزيادة الحضور الإعلامي للاتحاد على مستوى العالم.

11- العمل على تحقيق الاكتفاء الذاتي ماليًّا.

هذا هو الدور المطلوب على الاتحاد بكل مؤسساته، وبطبيعة الحال نرجو أن تؤتي هذه الأهداف ثمارها؛ من خلال العمل المؤسسي المشترك بين جميع العلماء في أنحاء العالم والعاملين في مجال الدعوة إلى الله بكل طوائفهم وأشكالهم.

وكما قال الشاعر:
ما الفضل إلا لأهل العلم إنهم على الهدى لمن استهدى أدلاءُ

علماء الأمة والأمل المنشود[15/07/2010][09:10 مكة المكرمة]


رسالة من: أ. د. محمد بديع- المرشد العام للإخوان المسلمين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد..
فإن للعلماء مكانة عالية، ومنزلة سامية، ودرجة رفيعة؛ فهم الذين اصطفى الله من العباد وأورثهم كتابه العزيز المستفاد: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ (فاطر: من الآية 32)، وقد رفع الله درجاتهم: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (المجادلة: من الآية 11) ولا يستوي العالم مع غيره: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر: من الآية 9) ومدحهم الله بقوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (آل عمران: 18).

وقد اختارهم الله ليرسموا للناس طريقهم للمعاش والمعاد، وجعلهم قادة المتقين، وأئمة المسلمين، وهم حفاظ الشريعة والدين؛ فهم ورثة الأنبياء، قَالَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، وإِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلاَ دِرْهَمًا، إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَ بِهِ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ".

أيها العلماء..
أنتم عماد الإسلام، ووجودكم زيادةٌ في الإيمان، وسعادةٌ في البلدان، وعمارةٌ للأوطان، وصلاحٌ للرعية والسلطان، وإرغامٌ لأنف الشيطان، وأنتم الفارقون بين الحلال والحرام، والمرشدون إلى دار المقام، وتفصلون بين الناس عند التنازع والخصام.. جمع الله لكم الخير حين فقَّهكم في الدين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَاللَّهُ يُعْطِى، وَلَنْ تَزَالَ هَذِهِ الأُمَّةُ قَائِمَةً عَلَى أَمْرِ اللَّهِ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ".

العلماء هم الطريق لوحدة الأمة
إذا كان المسلمون قد انقسموا دولاً وممالك شتَّى، وكل دولة تفرَّقت أحزابًا وشيعًا متناحرةً، وبدا بينهم بأسهم شديدًا، فإن واجب العلماء عظيمٌ حين نتَّحد فيما بيننا، ونحرص أبدًا على أن نبني ولا نهدم، وأن نجمِّع ولا نفرِّق، وأن نقرِّب ولا نباعد، مستمسكين بقول الله تعالى:
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران: من الآية 103)، وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء: 92).

ولا غرو أن نؤمن بالقاعدة الذهبية التي تنادى بها المصلحون، ودعا إليها المجدِّدون، وعلى رأسهم الإمام حسن البنا: نتعاون فيما نتفق عليه، ونتسامح فيما نختلف فيه، ونتحاور أيضًا فيما نختلف فيه.. شعارنا التسامح والأخوَّة.. ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: من الآية 10).. يقول رحمه الله: "والخلاف الفقهي في الفروع لا يكون سببًا للتفرُّق في الدين، ولا يؤدي إلى خصومة ولا بغضاء، ولكل مجتهد أجره، ولا مانع من التحقيق العلمي النزيه في مسائل الخلاف في ظل الحب في الله والتعاون على الوصول إلى الحقيقة، من غير أن يجرَّ ذلك إلى المراء المذموم والتعصب".

ونهيب بالعلماء في كلِّ أنحاء الأرض الانضواءَ تحت راية اتحاد العلماء؛ الذي يضمُّ صفوفهم، ولا يمثل طائفةً ولا مذهبًا ولا دولةً ولا جماعة، بل لا يمثِّل إلا الإسلام وحده، الإسلام الداعي إلى الإصلاح والتجديد والتجميع، وألا تختلف قلوبهم، وإن اختلفت آراؤهم، فقد قالوا: اختلاف العلماء رحمة واسعة، واتفاقهم حجة قاطعة.

العلماء ودورهم في مقاومة المفسدين
‌ إن الإسلام نظامٌ عالميٌّ للحياة، وعقيدةٌ خالدةٌ للبشر؛ لإسعادهم إلى قيام الساعة؛ ومن ثَمَّ جعل فيه سلطانًا ليقوم بتطبيق نظامه، ونشر عقيدته في العالم، ورعاية شؤون الناس على أساسه، وأبقى للأمة بمجموعها حقَّ محاسبة هذا السلطان، والذي أولته أمرها إن قصَّر في رعاية شؤونها، أو حادَ عن أحكام الإسلام في تطبيقه ونشره، ولم يكتفِ الإسلام بجعل هذه المحاسبة حقًّا للأمة تكون مخيَّرةً في القيام به أو تركه؛ بل جعله فرضًا عليها، بل أوجب عليها ذلك.

وجعل ذلك على علماء الأمة فرضَ عينٍ؛ لأنهم قادة الأمة الحقيقيون، والثلة الواعية فيها، والقائمة على أمر الدين والمبلغة لأحكامه والداعية إليه: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: 104).

وبشَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين يواجهون الطغيان وينكرون على الطغاة؛ بأنهم من سادات الشهداء، فقال صلى الله عليه وسلم: "سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام ظالم فأمره ونهاه فقتله".

وهذا الدور يقتضي من العلماء- على امتداد ساحتنا الإسلامية وعلى مستوى العالم- أن يؤدُّوا واجبهم علمًا وعملاً وتعليمًا، وأن يقولوا الحق دون خوف أو وجل: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ (الأحزاب: من الآية 39)، يبلغ العالم رسالة الإسلام وهو موقنٌ بقول الإمام الشافعي:
أنا إن عشت لست أعدم قوتًا وإذا متُّ لست أعدم قبرًا
همتي همَّة الملوك ونفسي نفس حر ترى المذلَّة كفرًا
وعلى العلماء أن يجعلوا دينهم فوق دنياهم، وأمتهم فوق حكامهم، وألا يبالوا بما أصابهم في سبيل الله، وقد كان علماء الأزهر زعماء الشعب، وألسنة دفاعه، يردُّون الظلم، وتجبُّر الولاة، فيتقدمون الجموع، ويرسلون كلمة الحق في الإصلاح والعدل، ولا تهدأ نفوسهم حتى يسقط البغْي، وينتصر ما طالبوا به من إنصاف، وإذ ذاك تستريح ضمائرهم المؤمنة، كما فعل الشيخ الإنبابي، شيخ الجامع الأزهر، دخل عليه اللورد كرومر محييًا، فصافحه الأستاذ من جلوس، فاستعظم اللورد ما صنع، وسأله ألست تقوم للخديوي؟ فقال: "نعم؛ لأن الخديوي وليُّ الأمر، وهو منا، ولست مثله لدينا في شيء"، ولم يقل الشيخ ذلك تزلُّفًا للخديوي؛ فهو العالم الجريء الذي جابه الخديوي توفيق، وأفتى بعزله ومروقه دون تحفُّظ أو اكتراث.

وليس ببعيد عنكم ما قدمته جماعة الإخوان المسلمين من نصحٍ للحكام، وكلمة الحق أمام الحكام الجائرين، فاستُشهد منهم على أعواد المشانق من استُشهد، وفي طليعتهم: عبد القادر عودة ومحمد فرغلي وسيد قطب، واستُشهد العشرات في السجن الحربي وعذِّب الآلاف سنين طويلة، وما انحنت لهم هامَة، ولا لانت لهم قناة، بل خرجوا بعد عشرات السنين في السجن لمواصلة مسيرة الدعوة إلى الله، وما ضعفوا وما استكانوا لما أصابهم في سبيل الله، وصدق فيهم قول الله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ (الأحزاب: 23).

العلماء ودورهم في الجهاد في سبيل الله
إن من واجب العلماء الجهاد في سبيل الله، وتحريض الأمة على الجهاد في سبيل الله؛ فهم ورثة النبي، وإن من واجبهم أن يكونوا قدوةً للمؤمنين في الوفاء بعقد البيعة مع الله، المتمثل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (التوبة: 111).

أيها العلماء الأفاضل..
دوركم عظيم في تقدُّم صفوف المجاهدين للكيان الصهيوني، والمشروع الصهيوأمريكي، وأن تجعلوا من قضية فلسطين والقدس القضية الأساس في حياتكم، فالعلماء مكانهم في صدارة المقاومة والجهاد، وما دور الأزهر في مقاومة الفرنسيين عنا ببعيد، وكذلك كان دورهم عظيمًا في جهاد الاحتلال الإنجليزي والفرنسي والإيطالي، بل كانوا في قيادة صفوف المجاهدين المتطوِّعين الذين خرجوا لمقاومة الصهاينة في عام 48 عند قيام دولتهم، وكان الإخوان المسلمون في طليعتهم، وفي صدارتهم الشيخ الشهيد محمد فرغلي، والدكتور مصطفى السباعي، والشيخ محمد محمود الصواف، وغيرهم كثير..

هل من خلف لعلماء قضوا نحبهم؟!
أيها العلماء الأجلاَّء..
لقد فارقنا أحبة من العلماء العاملين، والمجاهدين الصادقين، والدعاة المخلصين، كان لهم أثرٌ بارزٌ في تربية الأجيال، ودور ظاهر في الجهاد في سبيل الله، وعملٌ طيبٌ مباركٌ في الدعوة إلى الله، وفي انتزاعهم من بيننا انتزاع للعلم، فعن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من صدور الناس، ولكن يقبضه بقبض العلماء، فإذا لم يبق عالمٌ اتخذ الناس رؤوسًا جُهَّالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا".

وكما جاء في الأثر: "موت العالم مصيبة لا تجبر، وثلمة لا تسدُّ، وهو نجم طُمِسَ، وموت قبيلة أيسر من موت عالم".

إن واجبكم أيها العلماء سد هذه الثغرة بالسهر في التفقُّه في الدين، والمثابرة في تحصيل العلم النافع، والصبر على الجهر بكلمة الحق.

رحم الله مَنْ مات مِن علمائنا الأجلاء، ووفق لسدِّ ثغرتهم مَنْ بقي مِن الأحياء، ووفَّقهم للعلم النافع، والعمل الصالح، ووفق الله فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر، للعودة بالأزهر الشريف إلى سابق مجده، والارتقاء بعلماء الأزهر ليكونوا القدوة في العلم والعمل وقيادة الأمة لكل خير، والارتفاع بها في سلَّم الارتقاء والرفعة، وما ذلك على الله بعزيز، وليس عنا ببعيد، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
والله أكبر ولله الحمد.

الجمعة، 9 يوليو 2010

في الإسراء.. دروسٌ وعبرٌ

عن الحول.. المفهوم والدلالات
تهل ذكرى الإسراء والمعراج، فنشنف آذاننا، ونملأ عيوننا، وقلوبنا من إشراقات قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (سورة الإسراء: 1).

ويؤكد الوحي تحقق الحدث، ووقوع الإراءة؛ أي تمكين النبي صلى الله عليه وسلم من رؤية ما عرضه عليه الله سبحانه وتعالى من آياته، وجاء هذا التأكيد بالحكم على شخصية الرائي بالصدق المطلق بنفي الضلال والغي والهوى عنه؛ فالوحي هو معينه الذي منه يستقي وعليه تعتمد رسالته ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ (النجم: 4) بلا زيغ، ولا توهم ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (17) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (18)﴾ (النجم).

فهناك إذن "رحلة" أكرم الله بها نبيه تتمثَّل في الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، والمعراج من المسجد الأقصى إلى السماوات العلا.

وهذه الرحلة التي خصَّ بها الله سبحانه وتعالى نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم جاءت لتحقيق "غاية" شاءها الله تعالى تتمثَّل في أن "يرى" من آيات ربه ما شاءه "لعبده"، فكانت تسلية لنبيه بعد أن فقد أعظم نصيرين له: خديجة رضي الله عنها، وعمه أبي طالب، وكانت رحلة تشريعية؛ فرضت فيها الصلاة خمسًا في اليوم والليلة، بثواب خمسين صلاة.

وكانت رحلة عرفانية؛ رأى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ما زاده يقينًا ومعرفةً وعلمًا بقدرة الله وآيات عظمته، وكانت رحلة "كاشفة"؛ نقَّت الصف المسلم، ونفت عنه ضعاف الإيمان الذين كذبوا حادث الإسراء وعادوا إلى الكفر.

***
لقد أفاضت كتب التفسير، والحديث، والسيرة، في ذكر تفصيلات الإسراء والمعراج، وأغلب القرَّاء والقارئات على علمٍ بكثير منها، ولكني أجدني مشدودًا إلى وصف المسجد الأقصى بقوله تعالى: ﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ (الإسراء: من الآية 1)؛ فما معنى "البركة"؟.. يقول الراغب الأصفهاني في كتابه القيم "المفردات في غريب القرآن": "البركة ثبوت الخير الإلهي في الشيء، كثبوت الماء في البِرْكة. ولما كان الخير الإلهي يصدر من حيث لا يحس، وعلى وجهٍ لا يُحصى، ولا يحصر، قيل لكل ما يشاهد منه زيادةٌ غير محسوسة: هو مبارك، وفيه بركة" (ص 54).

وفُسِّر المسجد الأقصى بأنه بيت المقدس، ويقول الآلوسي في "روح المعاني": "وبركته بما خص به من كونه متعبد الأنبياء عليهم السلام وقبلة لهم، وكثرة الأنهار والأشجار حوله. وهو أحد المساجد الثلاث التي تشد إليها الرحال" (15/ 16)، وجاء في الأثر أن "البركة" تمتد فتشمل ما بين العريش إلى الفرات.

***
فهناك إجماع إذن على تفسير "حوله" بالمفهوم المكاني: أي ما أحاط بالمسجد الأقصى- أو بيت المقدس- من أماكن وأرضٍ "باركها" الله؛ أي منحها من الخير ما يزيد على المعهود المتعارف عليه في تقدير البشر وحساباتهم.

ولكن النظر في الآية والسياق القرآني يتسع كذلك إلى تفسير "حوله" بالمفهوم "القيمي"، والحول في اللغة معناه: القوة والقدرة والبراعة، والدهاء. واستصحاب الواقع التاريخي، واستقراء مراحله وأحداثه المختلفة يقطع بأن "منطقة المسْرى"- بيت المقدس وامتداداتها- بارك الله في "حَوْل" من عاش لها، وارتبط بها، ودافع عنها وعمل على تخليصها من الأذى والبغي والعدوان.

ومن الأماكن ما يبعث في نفوس أصحابها ومن يرتبطون بها- فكريًّا وعقديًّا- طاقات روحية ونفسية تنعكس وتتجسد في أعمال هائلة يعجز عنها الوصف.

كلمة التاريخ..
وصور "الحول" الذي باركه الله في منطقة المسرى أكثر من أن تحصى؛ نكتفي منها في مقامنا هذا بصورتين: الأولى في القديم، والثانية في الحديث.

وأظهر الصور قديمًا نراها في معركة حطين (583 هـ- 1187م)، وهي المعركة التي أنزلت بالصليبيين هزيمة ساحقة، فتحت أمام المسلمين أبواب فلسطين كلها، وكانت بدايةً قويةً لانهيار حكم الصليبيين في المشرق العربي، وقبلها وحّد صلاح الدين- تحت راية الإسلام- مصر، والشام، والعراق، والجزيرة.

كانت قوات الصليبيين لا تقل عن خمسين ألفًا، وجيش صلاح الدين لا يزيد على نصف هذا العدد، وتمخَّضت المعركة عن انتصار ساحق مبين للمسلمين، وقُتل من الأعداء قرابة ثلاثين ألفًا، وأُسر غيرهم آلاف؛ منهم ملوك وأمراء، مثل "الملك غي"، والأمير "ينودي شاتيون"، قال ابن الأثير: "وكثر القتل والأسر فيهم، كان من يرى القتلى منهم لا يظن أنهم أسر منهم أحد، ومن يرى الأسرى منهم لا يظن أنه قتل منهم أحد"، وكان انتصار حطين نقطة انطلاق لجيش صلاح الدين إلى التحرير الشامل، "فتم تحرير قلعة طبرية، وعكا، ومجد بابا، والناصرة، وقيسارية، وحيفا، وصفورية، ودبورية، والفولة، وجنين، وزرعين، والطور، وإسكندرية، والبيرة، وجبل الجليل، وتل الصافية، وتل الأحمر، والسلع، ويافا، وصيدا، ونابلس، وقلعة نابلس، وسبطية، وتبنين، وبيروت، والرملة، وعسقلان، وغزة، وبيت لحم، وبيت جبريل، والنطرون، والخليل.. وغيرها من عشرات المواقع، والمدن والقرى.

إنه العدد الأقل الذي "بارك الله حَوْلَه" فغلب- بل سحق- العدد الأكثر ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ﴾ (البقرة: من الآية 249).

***
وفي أواخر القرن الماضي رأينا كيف بارك الله حَوْل انتفاضة الأطفال وجعل حجارتهم أشد لذعًا ولسعًا على اليهود من الرصاص، وقد رأينا على شاشة التلفاز كيف يهرول أعداء من الجنود الصهاينة أمام "قذائف الحجارة" من أيدي أطفال الأقصى، محاولين التماس "سواتر" تحميهم من زخَّات هذه الحجارة، ورأينا ما لا يقل عن عشرة جنود يولون الأدبار في هلع أمام امرأة فلسطينية أرادوا اقتحام بيتها، فرفعت في وجوههم "مذراة" القمح، وهي قطعة خشبية لها أصابع كأصابع الكف، يذرى بها القمح في الهواء لفصل الحب عن التبن، وعلَّل بعضهم هربه بأن ما رآه في يد المرأة كان مدفعًا شاشًا غريبًا له "مواسير" متعددة، وصدق تعالى إذ قال: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ (البقرة: من الآية 96)، وإذ قال: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ (الأنفال: من الآية 17).

ومن صور "الحول" الذي باركه الله ما رأيناه من بطل حماس "محمود أبو هنود" الذي استطاع أن يهزم خمسمائة من الجيش الصهيوني، ويقتل ثلاثة من ضباطهم، ويجرح آخرين، ثم يفلت بعد ذلك من أيديهم.

إنها البركة الإلهية الممتدة التي وسم الله بها "حول" المؤمنين وجهادهم على مدى العصور ما ثبتوا على إيمانهم ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الروم: من الآية 47) وهذا التفسير- ولا شك- يدفع المؤمنين إلى مزيد من اليقين والثقة في نصر الله، ويفتح أمامهم أبواب الأمل الصادق في تحقيق النصر المؤزر المبين.

***
ووقعة الإسراء والمعراج لم تكن في حاجةٍ لإثباتها إلى ذلك المجهود الذي بذله بعض العلماء، مستخدمين بعض الحقائق العلمية المتعلقة بسرعة الضوء وغيرها لمجابهة من يعترض أو يعجب متسائلاً: أمن المعقول أن يتم للنبي صلى الله عليه وسلم ذلك: إسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ومعراج منه إلى السماوات العلا، ثم يعود من هذه الرحلة إلى فراشه، وهو ما زال دافئًا؛ أي أنها رحلة لم تستغرق من عمره البشري إلا دقائق؟!أقول: لا مجال للتعجب، ولا الاعتراض، ولا حاجة لتجنيد المعارف العلمية التجريبية لإثباتها؛ وذلك لسببٍ واضحٍ خلاصته أن الأفعال كلها" مسندة" إلى الله سبحانه وتعالى؛ فمحمد لم يَسْرِ، ولكن الله هو الذي "أسرى" به، والإراءة- أي التمكين من الرؤية- جاء من الله ﴿لِنُرِيَهُ﴾ وليس "ليرى"، وقدرة الله كاملة مطلقة؛ لا تحتاج إلى تعليل أو تبرير ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (يس: 82)، وما على المؤمن إلا التسليم المطلق في مثل هذه الحال.

***
ويبقى عطاء الإسراء والمعراج فيضًا من الدروس والتوجيهات التربوية، والخلقية والدعوية، نستقطر بعضها، ونقدمه بإيجاز في السطور الآتية:

1- على الداعية أن يجهر بالحق ومعطيات دعوته في صراحة وشجاعة حتى لو كانت الثمرة مُرَّة، والنتيجة غير مجدية، أو ضارة في ظاهرها؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم قصَّ على قريش قصة الإسراء حال عودته، ولم يكتمها، فقوبل بالسخرية، وارتد بعض المسلمين عن الإسلام.

2- التسليم المطلق بالغيبيات من لوازم الإيمان الحق انطلاقًا من الإيمان بمصداقية المصدر، كما رأينا من أبي بكر الصديق رضي الله عنه؛ فقد قال للمشركين الذين سعَوا إليه لتشكيكه في مصداقية الرسول صلى الله عليه وسلم: "إن كان قال ذلك فقد صدق؛ فإني أصدقه على أبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء غدوة أو روحة".

3- على الداعية أن يؤديَ دعوته بكل ما يستطيع من أدلة نظرية وعملية؛ تحقيقًا لإقناع الناس، واستمالتهم؛ فقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم لقريش المسجد الأقصى، وعيرًا لهم بالطريق وعددها، وعدتها، وأحمالها، وبعيرًا لهم نفر؛ وذلك إجابةً على أسئلة لقريش أرادت بها تعجيزه وتكذيبه.

4- على المسلم اختيار الوقت المناسب لأداء العمل على وجهه السليم المتقن السديد؛ فليست كل الأوقات سواءً في هذا المجال، وقد نستأنس لذلك بجعل الليل- لا النهار- للإسراء.

يقول العلامة الآلوسي في روح المعاني: "وإنما أسري به صلى الله عليه وسلم ليلاً لمزيد الاحتفال به عليه الصلاة والسلام؛ فإن الليل وقت الخلوة والاختصاص، ومجالسة الملوك، ولا يكاد يدعو الملك لحضرته ليلاً إلا من هو خاص عنده" (9/16)، ومن لطائف ابن الجوزي في ذلك إن النبي صلى الله عليه وسلم سراج، والسراج لا يُقاد إلا ليلاً.

5- على المسلم أن يأخذ بالأسباب، ويتخذ- بَعد التحري- ما يراه أجدى الوسائل وأنفعها لتحقيق أهدافه، دون تواكل، أو اعتماد على الصدفة والحظ؛ فإن الله القادر سبحانه وتعالى، وهو الذي ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (آل عمران: من الآية 47) لم يكن ليعجزه أن يُسرِيَ ويعرج بعبده في أقل من لمح البصر دون أن يوجه جبريل إلى رسوله لتبليغه بأمر الله، واتخاذ البراق وسيلةً للقيام بهذه الرحلة الربانية.

6- التدرج يجب أن يكون قاعدةً يأخذ الناس أنفسهم بها في كل مجالات الحياة: المادي منها والمعنوي، كأمور الإصلاح، والتقنين وتوجيه الرعية، والتربية والتعليم، وتحصيل المعارف؛ فبالتدريج تكتسب النفوس مرانة ودربة، وتتهيأ بالسهل لتقبل ما هو أصعب، واستساغة ما هو أقوى وأشد.

وليس هناك أخطر على النفوس والمجتمعات، والأنظمة من الطفرة، والغلو، والإسراف، وقد قيل "إن المُنبتَّ لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى".

وقد نبَّه المفسرون القدامى على أن من حكم هذا الترتيب؛ إذ أسري به أولاً إلى بيت المقدس، وعُرج به ثانيًا منه ليكون وصوله إلى الأماكن الشريفة على التدريج، فإن شرف بيت المقدس دون شرف الحضرة التي عرج إليها، وقيل توطينًا له عليه الصلاة والسلام لما في المعراج من الغرابة العظيمة التي ليست في الإسراء، وإن كان غريبًا أيضًا.

فكأنما كان الإسراء- وهو رحلة أرضية- تهيئة نفسية وروحية للمعراج.. للرحلة السماوية الكبرى وما فيها من مشاهدَ يستحيل على النفس البشرية مواجهتها، واستيعابها، والإحاطة بمدلولاتها إلا بمنحةٍ من قدرة الله ومشيئته.

7- من مشاهد الإسراء والمعراج ما يذكرنا بما نسميه- تعليميًّا وتربويًّا- "وسائل الإيضاح"، وهي تمثل كما هو معروف في اللوحات والمجسمات، والمشاهد الحوارية وغيرها، والهدف منها تسهيل العملية التعليمية، وتقريب المفاهيم عمليًّا وميدانيًّا من التلاميذ وطلاب العلم.

ففي هذه الرحلة الربانية رأى النبي صلى الله عليه وسلم فئات متعددة مختلفة من الناس، ولكل فئة "حالة غريبة"؛ مما دفع النبي صلى الله عليه وسلم إلى سؤال جبريل عن واقع كل فئة، فيشرح له جبريل حال كل فئة، وحظها من الثواب والعقاب، ومن هذه الصور:

أ- صورة آكلي أموال اليتامى ظلمًا، وقد تمثلوا في هيئة قوم لهم مشافر كمشافر الإبل، وقد وكل الله بهم من يأخذ بمشافرهم، ويجعل في أفواههم صخرًا من نار يخرج من أسافلهم.

ب- صورة الهمَّازين المشَّائين الذين يغتابون الناس، وقد تمثلوا في هيئة قوم يعذَّبون بقطْع جلودهم، وترد في أفواههم، ثم يقال لهم: "كلوا كما أكلتم".

ج- صورة الزناة الذين يتركون ما أحل الله إلى ما حرم، وقد رآهم النبي صلى الله عليه وسلم قومًا على مائدة عليها لحم مشوي كأحسن اللحم، وإذا حولهم جيف يهرعون إليها، ويأكلون منها، ويدعون ذلك اللحم الطيب.

د- صورة الذين تتثاقل رءوسهم عن الصلاة المكتوبة، وقد رآهم النبي صلى الله عليه وسلم في هيئة قوم تُرضخ (تحطم) رءوسهم بالصخر، كلما رضخت عادت كما كانت، فتُرضخ من جديد.

هـ- صورة خطباء الفتنة، وقد رآهم النبي صلى الله عليه وسلم في هيئة قوم تُقرَض ألسنتهم، وشفاههم بمقاريضَ من الحديد، كلما قُرضت عادت كما كانت، فتقرض من جديد.

و- صورة الرجل يتكلم بالكلمة العظيمة الخطيرة ثم يندم عليها فلا يستطيع أن يردها، وقد تمثل للنبي صلى الله عليه وسلم في هيئة ثور عظيم يخرج من جحر صغير، ويحاول أن يرجع من حيث خرج فلا يستطيع.

ز- صورة المجاهدين في سبيل الله: رآهم النبي صلى الله عليه وسلم في هيئة قوم يزرعون في يوم، ويحصدون في يوم، كلما حصدوا عاد كما كان.

إن هذه الصور الغيبية التي رآها النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الرحلة الربانية المباركة، لَتُذكرنا كما قلت بالآليات التربوية التعليمية التي يطلق عليها وسائل الإيضاح، وهي تعكس إيحاءً قويًا للمؤمنين الدعاة في كل زمان ومكان أن يؤثروا في دعوتهم ما كان عمليًّا يعتمد على التجسيم والتشخيص، والحركة وضرب الأمثال بالمحسوس المشهود.

ومن جهة أخرى نستشعر فيما قُدِّم توجيهًا للمسلم بضرورة السعي إلى المعرفة، والإحاطة العلمية بما يشاهد، وما يعرض عليه لإدراك حقيقته وأبعاده ودلالته، وأن يقصد بالسؤال من كان خبيرًا عليمًا بهذه الأمور؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يترك مشهدًا من المشاهد إلا وسأل عنه جبريل عليه السلام: "ما هذا يا جبريل؟"، "من هؤلاء يا جبريل؟"، وكل مشهد من هذه المشاهد- وأغلبها يعتمد على الترهيب- يجسِّد فداحة العذاب الذي ينزل بالعصاة والمارقين، والمخالفين لشرع الله.

ومن فوائد المعروض أيضًا أن على "الخبير العالم" ألا يكتم علمه، وألا يقصِّر في البيان، وأن يستفرغ كل جهده ليوضح للناس ما استغلق عليهم من أمور دينهم ودنياهم.

***
إنها بعض نفحات الإسراء، وعلينا أن نتعلم ونعتبر ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (ق: 37).

دروس من رحلة الإسراء والمعراج

عرض النبي صلى الله عليه وسلم نفسه على ما يزيد على عشرين قبيلةً، يدعوهم إلى الإسلام، فما آمن به إلا غلام نصراني واحد، يسمى عدَّاس، وأعرضت جميع القبائل عنه، وأغرت به سفهاءهم، فقذفوه بالحجارة، حتى دميت قدماه، وعاد مطرودًا إلى مكة؛ حيث دخلها في جوار رجل مشرك هو المطعم بن عدي، وحزن النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الإعراض، ورفض أن يدعو عليهم بالهلاك، بل دعا لهم بالهداية؛ فكان صلى الله عليه وسلم رحمةً للعالمين. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ (107)﴾ (الأنبياء).

2- سرى الله عن نبيه صلى الله عليه وسلم هذا الحزن الذي أصابه من إعراض القبائل عنه، فأرسل له طائفةً من الجن، استمعت للقرآن، فآمنت به، وأيَّدت دعوته صلى الله عليه وسلم، وحملوا هذه الرسالة إلى قومهم لينذروهم بها، فكانوا أحسن قبولاً وإجابةً من الإنس.. قال تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (1)يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (2)﴾ (الجن)، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ (29) قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ (30) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (31) وَمَن لاَّ يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ (32)﴾ (الأحقاف). فكأنها رسالة من الله لنبيه تقول: إذا كان الإنس كذبوك؛ فإن الجن قد صدقوك، وإذا كان أهل الأرض طردوك فإن أهل السماء استقبلوك، وإذا كان بعض البشر أذوك، فإن الله تعالى كرمك باستقبال الملائكة والأنبياء في السماء.

فهل نحن حملنا الرسالة وبلغناها مثل الجن؟ والنبي صلى الله عليه وسلم مدحهم، فقال: "إنهم كانوا أحسن منكم جوابًا"، حينما سمعوا قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (13)﴾ (الرحمن). قالوا: "ولا بشيء من آلائك نكذب يا ربنا".

3- بدأت الرحلة من المسجد الحرام بمكة؛ لبيان أهمية هذا المسجد في الإسلام، فهو أول بيتٍ وُضِعَ للناس، بنته الملائكة، ورفع قواعده إبراهيم وإسماعيل، يطوف حوله البشر بالليل والنهار، فإذا توقف البشر طافت الملائكة، فبيت الله الحرام- وهو الكعبة- يعلِّم المسلمين التوحيد الخالص لله عز وجل، والوحدة والترابط فيما بينهم؛ لأنه يربطهم بالله الواحد الأحد، ويتجهون إليه جميعًا من أي مكان في العالم للصلاة، فهو نقطة الدائرة بالنسبة إلى أي مسلم في العالم.

4- كانت الرحلة إلى المسجد الأقصى بفلسطين، إشارةً إلى انتقال القيادة والريادة من أمة اليهود، الذين عاثوا في الأرض فسادًا، فلم يعودوا يصلحون لقيادة البشرية إلى أمة جديدة، صاحبة رسالة وهداية؛ هي أمة خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران: من الآية 110).

5- أرض فلسطين وما حولها أرض مباركة، بركة حسية ومعنوية، فيها بيت المقدس؛ أولى القبلتين، وثالث الحرمين، ومسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم عاش هناك أغلب الأنبياء، ودفن هناك إبراهيم ولوط ويعقوب ويحيى وزكريا عليهم السلام.

لقد مدحها الله في القرآن الكريم في خمسة مواضع؛ وهي أرض إسلامية صرفة، ليست ملكًا لحاكم ولا لشعب، وإنما هي ملك للإسلام والمسلمين في كل مكان، وهذا يبيِّن واجبنا نحوها ونحو أهلها والمقدسات التي على أرضها، وفي الحديث: "لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم؛ حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك" (الحديث أخرجه الإمام البخاري (7460)، عن معاوية بن أبي سفيان، رضي الله عنهما).

وفي رواية: (قيل: أين هم يا رسول الله؟ قال: "في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس".

وكل البلاد الإسلامية التي تحيط بها من أكناف بيت المقدس.

6- شرب النبي صلى الله عليه وسلم اللبن بدلاً من الماء والخمر، إشارةً إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم اختار الفطرة، وهي التي يولد الناس عليها، وقال جبريل عليه السلام (هديت إلى الفطرة)، قال تعالى: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّه﴾ (الروم: من الآية 30).

ونتعلم أن سريرة المسلم- وقلبه- يجب أن تكون بيضاء نقية مثل اللبن، فلا يضمر شرًّا، ولا يعرف حقدًا، ولا يظهر خلاف ما يبطن، وإنما باطنه أفضل من ظاهره.

7- إمامة النبي صلى الله عليه وسلم للأنبياء والمرسلين السابقين في بيت المقدس، إشارةً إلى مكانة النبي عند ربه؛ حيث جعله إمامًا لجميع الأنبياء والمرسلين، وإشارة إلى وحدة الرسالات السابقة في المصدر والهدف والغاية، فمصدرها جميعًا من الله، وهدفها تعبيد الناس إلى الله، وغايتها مرضاة الله تعالى، فالأنبياء جميعًا إخوة فيما بينهم، كل واحد يؤدي دوره، ويأتي من بعده ليكمل الرسالة، وفي الحديث: "مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى دارًا فأتمها إلا موضع لبنة؛ فكان الناس يقولون: لولا هذه اللبنة، فأنا هذه اللبنة.." (الحديث أخرجه الإمام البخاري (3641) عن معاوية بن أبي سفيان، رضي الله عنهما).

8- المشاهد التي رآها النبي صلى الله عليه وسلم في رحلة المعراج؛ إشارات إلى تحذير الأمة من هذه الانحرافات؛ حيث كانت العقوبات الشديدة المنفرة، فيحذِّر النبي الأمة من هذه الآفات مثل الربا، والزنا، وأكل مال اليتيم؛ لأنها أمراض اجتماعية تدمِّر الأفراد والمجتمع.

فالربا: يجعل الغني يمص دم الفقير، ويزداد بمال الفقير غنًى، ويزداد الفقير فقرًا وضعفًا، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ المَسِّ﴾ (البقرة: من الآية 275).

والزنا: يخلط الأنساب، ويفتح أبواب الشر والفساد، وينشر الأمراض والأوباء، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً (32)﴾ (الإسراء).

وأكل مال اليتيم جريمة ظالمة، تجعل من الحارس لصًّا، ومن الراعي ذئبًا، فمن أجل ذلك صوره القرآن بأنه يأكل نارًا في بطنه، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (10)﴾ (النساء).

9- فرضت الصلاة في السماء في رحلة المعراج، إشارة إلى أهمية الصلاة في الإسلام؛ حيث هي أحد الأركان الخمسة، قال صلى الله عليه وسلم فيها: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر" (الحديث أخرجه الإمام الترمذي (2621)، وقال: صحيح غريب حسن. عن بريدة بن الحصيب الأسلمي).

فالصلاة معراج للأرواح والنفوس، خمس مرات كل يوم في الأداء، وخمسون في الأجر والثواب عند الله تعالى، وإشارة إلى أن المسلم يسمو بنفسه وروحه فوق الشهوات والشبهات، ودائمًا يتطلع إلى المعالي، ويتعلَّق بالمثل الأعلى في كل شيء من قيم الحياة، فلا يرضى بالدون أو المؤخرة.

10- أيضًا أهمية العبودية في الإسلام؛ حيث مدحها الله، ووصف بها نبيه في مطلع سورة الإسراء، قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِير (1)﴾ (الإسراء). وفي آخر سورة النحل، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ (128)﴾ (النحل).

فبالتقوى والإحسان يصل الإنسان إلى مرتبة العبودية، التي هي من أعظم الصفات، وهي نهاية الخضوع، وقمة الشعور بعظمة الخالق سبحانه وتعالى.

نسأل الله أن يردَّ المسجد الأقصى إلى حظيرة الإسلام والمسلمين.

بين يدي الإسراء

ونحن نعيش في هذه الأيام مع ذكرى الإسراء والمعراج؛ يحتاج المسلم أن يقف أمامها وقفةَ اتعاظٍ وعبرة؛ لأن تذكر قضية الإسراء، أو قضية قصص القرآن، أو قصص السنة، أو قصص السيرة ليس المقصود منه مجرد سرد قصص وحكايات وروايات قد يكون معظمنا يحفظها عن ظهر قلب، لكن هذا القصص جاء لغاية ولهدف قال عنه الحق جلَّ وعلا: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111)﴾ (يوسف).

عبرة، والذي لا يعتبر من ماضيه يعيش تائهًا في مستقبل حياته، وكان الإمام أبو حنيفة النعمان- رضي الله عنه- يقول: "الحكايات عن السابقين أحبُّ إليَّ من كثير فقه؛ لأنها آداب القوم وآثارهم"، وشاهد ذلك قول الحق جل وعلا: ﴿وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءكَ فِي هَـذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (120)﴾ (هود).

وقفتنا مع ذكرى الإسراء كجزءٍ من تاريخنا إنما نقصد من ورائها جملة أمور هي:
1- تثبيت قلوب المؤمنين: قال تعالى: ﴿وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءكَ فِي هَـذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (120)﴾ (هود)، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ (34)﴾ (الأنعام)، وقال الجنيد- رحمه الله-: "الحكايات جندٌ من جند الله عزَّ وجلَّ يقوي بها إيمان المريدين".
2- أنها سبيل إلى معرفة سِيَر أهل الصلاح والاقتداء بهم: قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (90)﴾ (الأنعام).
3- أنها سبيل إلى أخذ العبر والدروس من السابقين: قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111)﴾ (يوسف)، وما أصدق الشاعر حين يقول:
اقرؤوا التاريخ إذْ فيه العبر ضل قوم ليس يدرون الخبر
4- معرفة السنن الكونية من سنن التمكين والنصر ونهاية الظالم ونصر المؤمنين الصادقين ولو بعد حين: كما قال تعالى: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ (43)﴾ (القمر)، وقال سبحانه: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)﴾ (الأنبياء)، وقال جل وعلا: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلاَّ الْكَفُورَ (17)﴾ (سبأ)، قال الحافظ ابن كثير- رحمه الله-: "وقد قصَّ الله على نبيه- صلى الله عليه وسلم- خبر ما مضى من خلق المخلوقات، وذكر الأمم الماضين، وكيف فعل بأوليائه، وماذا حلَّ بأعدائه، وبَيَّنَ ذلك رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بيانًا شافيًا".

ولما في القصص التاريخي من فوائد وعبر فإن الله سبحانه قصَّ في كتابه كثيرًا من القصص للأنبياء وغيرهم، قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْرًا (99)﴾ (طه)، وقال تعالى: ﴿وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءكَ فِي هَـذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (120)﴾ (هود)، والقصص القرآني أحسن القصص كما قال جل وعلا: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَـذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (3)﴾ (يوسف)، أما سبب كونه أحسن القصص فلأسباب ثلاثة أشار إليها القرآن؛ وهي:
1- أنها حق وصدق، وليست من نسج الخيال، قال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ (الكهف: من الآية 13)، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللهُ وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (62)﴾ (آل عمران).
2- لأن المخبر بهذه القصص عالم بتفاصيلها ودقائقها؛ لكمال علمه وإحاطته سبحانه، قال تعالى: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (7)﴾ (الأعراف).
3- أنه لا يذكر في هذا القصص شيء إلا لفائدة، وما أُهمل شيءٌ إلا لعدم الانتفاع بذكره؛ ولذا لما ذكر سبحانه اختلاف أهل التاريخ من أهل الكتاب في عدد أهل الكهف قال سبحانه: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَاءً ظَاهِرًا وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ (الكهف: من الآية 22)؛ ولذا يجد المتأمل في الطريقة القرآنية في تزكية النفوس باستخدام القصص التاريخي السبيل الناجح المحبب إلى النفوس لإصلاحهم، وقد أمر سبحانه نبيه باستخدام هذه الطريقة فقال جل وعلا: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الأعراف: من الآية 176).

من أجل ذلك كان حديثنا عن الإسراء، وبناءً على ما تقدَّم فإن المسلم يحتاج إلى هذه الوقفات مع التاريخ؛ ليستطيع مواجهة ومعايشة الواقع المعاصر فعندما تأتي ذكرى الإسراء يقف المسلم ليتعلم كيف ضحَّى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأصحابه الكرام في سبيل هذا الدين بكل غالٍ وثمين؛ ضحوا بأنفسهم وأموالهم وأولادهم وأهليهم وأوطانهم؛ ليصل إلينا هذا الدين كما وصل، ثم ينبغي على كل منا أن يسأل نفسه بعد ذلك ماذا قدمت أنا للإسلام؟ ماذا قدمنا لهذا الدين المظلوم الذي ظلمناه بتقصيرنا في حقه قبل أن يجرؤ أعداء الإسلام على ظلمه، بل إنهم ما تجرءوا على انتهاك أعراضنا، وتدنيس مقدساتنا وسفك دمائنا وتشريد أهلينا وحصار إخواننا إلا يوم أن هان الإسلام على أنفسنا عندما تأتي ذكرى الإسراء نقف لنتعلم كيف أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأصحابه الكرام- رضوان الله عليهم- عقدوا صفقة مع خالقهم، باعوا فيها واشتروا وفوا مع ربهم؛ فوفَّى الله لهم وهذه الصفقة معروضة الآن على كل واحد منا كان قوام هذه الصفقة: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (التوبة: 24).

هذه قضية الإسراء؛ ولذلك فإن حادث الإسراء جدير بأن نقف أمامه وقفة اتعاظ وعبرة نتفهم مغزاه ونتأمل مرماه ونسترشد به فيما نتعرض له من محن الحياة، وحياة الرسول- صلى الله عليه وسلم- سجل حافل يزخر بالأحداث الكريمة، والذكريات التي تبعث في النفوس الأمل إذا حاق بها اليأس وترشد إلى منهج الخلاص إذا اشتدَّ بها الخوف والقلق.. ذكريات عظيمة لسنا بصدد إحصائها فهي تفوق الحصر، ولكن لعل من أعظم ومضاتها ذكرى الإسراء التي نقف معها اليوم نحاول أن نتلمس من خلالها درسًا بليغًا يقود الأمة وسط المدلهمات إلى شاطئ الأمان كما فعل رسول الله- صلى الله عليه وسلم-؛ لنعد إلى التاريخ نستقصي أخباره ونتنسم أسراره ونتعرف آثاره، ونستبين الأجواء التي سبقت هذه النفحة الإلهية والمنحة الربانية، ولنعلم من خلال هذا الاستقراء أن التاريخ يعيد نفسه، والسعيد من اتعظ بهذا الماضي وذلك التاريخ.

عاش الرسول- صلى الله عليه وسلم- أيام الدعوة الأولى وهو ينعم بأنيسين أم المؤمنين خديجة- رضي الله عنها- التي كانت بمثابة الحماية الداخلية لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- تؤنسه في المنزل وعمه أبو طالب الذي كان بمثابة الحماية الخارجية لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- يؤنسه خارج المنزل، نعم كانت أم المؤمنين خديجة نموذج الزوجة الصالحة التي بادرت أول عهد النبوة بتصديقه وسارعت فورًا ودون إبطاء إلى الإيمان به ووضعت مالها تحت تصرفه تواسيه بنفسها ومالها وتخفف عنه.

وعلى الجانب الآخر كان أبو طالب يمنعه من أذى أعدائه ويدفع عنه كيد خصومه ويقف إلى جانبه إذا دهمه خطب أو ألمَّت به نازلة أو حزبه أمر.

هكذا كان كل منهما عونًا له في نائبات الأمور وسندًا له في الشدائد من الحوادث، فإذا ما تلبَّد الجو أمامه وأظلمت الدنيا في عينيه وساءت معاملة قومه له ولاقى ما لاقى من عنتِ قومه عاد إلى منزله فتتلقاه زوجته البارة تقابله بابتسامة حانية فينشرح صدره ويرتاح قلبه ويهدئ فؤاده وتسكن جوارحه ولا يكاد يبادلها الحديث ويفضي إليها بأحزانه وآلامه حتى تُبدد عنه كل ألم وتُسرِّي عنه كل هم وتفتح في وجهه كل أبواب الأمل "كلا، والله ما يخزيك الله أبدًا؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الدهر"، فيخفف الله بها عن نبيه تصدقه وتهون عليه أمر الناس فيخرج نشطًا فتيًّا يدعو إلى الله من جديد صابرًا محتسبًا.

فإذا أعرض عنه قومه، وكادوا له وأرادوا النيل منه ودبروا عليه وقف أمامهم أبو طالب يذبُّ عن ابن أخيه ويحوطه ويحميه ويشد أزره ويقويه "يا ابن أخي، اذهب فقل ما شئت فوالله لا أسلمك لشيءٍ أبدًا" تساوم قريش أبا طالب ويقايضوه على محمد في مقابل عمارة بن حمزة فيقول لهم: "بئس ما تعرضون عليَّ؛ تعطونني ابنكم أغذيه لكم وأعطيكم ابني لتقتلوه".

هكذا كانت تواسيه خديجة، وهكذا كان يعينه أبو طالب، وفي عام واحد وقُبيل الإسراء ماتت أم المؤمنين خديجة ومات عقبها أبو طالب، فاتسع نطاق الإيذاء أمام الأعداء، فَقَدَ الرسول صلى الله عليه وسلم الزوجةَ الصالحةَ والشريكةَ الوفيةَ التي كانت تغمره بحنانها وتعينه بمالها، ثم فَقَدَ الرجل الذي كان يحيطه بعنايته ويدافع عنه فتراكمت المتاعب على نفسه وتكاثرت الأحزان على فؤاده وقلبه حتى سَمَّى هذا العام بعام الحزن، ولا غرابةَ فقد يخرج من بيته ليستقبل أذى قومه في عنف وبدون رحمة أو شفقة أو إنسانية ثم يعود إلى بيته ليجد الكآبة والوحشة ولم تغبْ عن قريش تلك المعاناة، وهذه المأساة، فضاعفوا من كيدهم وبالغوا في أذاهم له عساهم يدركون منه مآربهم، وعسى أن يستبدَّ به الهم- كما كانوا يتصورون- فيكفيهم أمره ويموت من فرطِ الألم والحسرة.

وهنا أدرك النبي- صلى الله عليه وسلم- أن مكة أصبحت لا تصلح أن تكون نواةً لبناء دولة الإسلام، وأن بقاءه فيها بينهم غير مأمون ولا ميسور فخرج إلى الطائف يدعو الناس إلى الإسلام ما طلب منهم جاهً ولا سلطانًا ولا مقابلاً لدعوته، بل عله يجد فيهم ومن بينهم مصدقًا وناصرًا ومؤازرًا ومعينًا أو حتى موقرًا، ولكن القوم في الطائف كانوا أشدُّ كفرًا وعنادًا، فقال لهم النبي- صلى الله عليه وسلم-: "إن أبيتم إلا ما أنتم عليه فاكتموا عني خبركم"، لكن القوم كانوا قد تجردوا من أدنى مشاعر الرحمة والشفقة والإنسانية فما كاد النبي- صلى الله عليه وسلم- يعرض عليهم دعوته حتى قابلوه بالسخرية والتهكم والازدراء بل وسلطوا وأغروا به سفهاءهم يرمونه بالحجارة فأدموا قدميه الشريفتين، وهنا يعلمنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قيمة اللجوء إلى الله في وقت الشدة فالتجأ إلى حائط حديقة لعتبة وشيبة ابني ربيعة، يرفع يده إلى السماء بعد أن تخلَّى أهل الأرض عن دعوته بدعاءٍ يفيض إيمانًا ويقينًا، بل ورضًا بما ناله في سبيل الله "اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى مَن تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني؟ أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك عليَّ غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك أوسع لي. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن تُنزل بي غضبك، أو يحل عليَّ سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بالله".

واضطر النبي صلى الله عليه وسلم أن يعود إلى مكة مكروبًا كاسف البال حزين النفس مغموم الفؤاد، فما استطاع أن يدخلها إلا في جوار رجل مشرك (المطعم بن عدي)، كانت هذه الظروف القاسية والجو القاتم والأحوال الكئيبة والأوقات الرهيبة اللحظات العصيبة هي ملابسات الإسراء والمعراج نلمح من خلالها أهم وأبرز سمات المرحلة التي سبقت الإسراء، وهي قضية الابتلاء الذي جعله الحق جل وعلا أحد أهم وأبرز سمات الإيمان والدعوة فطبيعة الإيمان تستلزم الابتلاء ﴿الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3)﴾ (العنكبوت)، فهي سنة من سنن الله في خلقه جعلها الحق جلَّ وعلا قرين الإيمان، ودليل الصدق، وتمييزًا للصف المسلم ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (179)﴾ (آل عمران).

فالأمر كما يصوره الشهيد سيد قطب- رحمه الله- في ظلاله: إنه الطريق الذي لا طريقَ سواه ليثبت على هذه الدعوة أصلب الناس عودًا الذين يتحملون أعباءها بالصبر عليها.. هؤلاء هم الذين يصلحون لحملها فهم عليها مؤتمنون، ثم إنَّ الله يعلم حقيقةَ هذه القلوب قبل الابتلاء، ولكن الابتلاء يكشف في الواقع ما هو معلوم ومكشوف لعلم الله فيكون الحساب على ما وقع من العمل، لا على مجرد علم الله بأمرهم، ثم إنه الإعداد لتحمُّل الأمانة، فهي في حاجة إلى إعداد خاص، لا يتم إلا بالمعاناة العملية للمشاق، وإلا بالاستعلاء الحقيقي على الشهوات والنفس تصهرها الشدائد، وكذلك يفعل الابتلاء فلا يصمد إلا الأصلب عودًا والأقوى طبيعة، والأشدُّ اتصالاً بالله وأصحاب الثقة فيما عند الله من النصر أو الأجر، انتهى كلامه بتصرف.

ثم إن الابتلاء له فوائد أخرى؛ أبرزها أنه يعلم النفس طبيعة ضعفها وضرورة إنابتها إلى الله والإقبال عليه تضرعًا ودعاءً وترويض النفس بالصبر على الابتلاء.

كما قلنا كانت هذه هي الظروف التي سبقت الإسراء والمعراج، وبعد أن ضاقت الأرض على نبينا صلى الله عليه وسلم جاءته الدعوة من ربِّه ليرحل إلى المسجد الأقصى ثم إلى السماوات العلى فما فوقها ليحظى بحضرةِ الذات الإلهية في جوٍّ يُثبت الله به فؤاده ويشرح به صدره ويرفع به ذكره.

هيَّأ الله له هذه الرحلة ليطرد عنه ما تراكم على قلبه من هموم وما تكدس في فؤاده من متاعب وعناء وإرهاق، وليشعر ببرد الراحة والطمأنينة والسكينة في معية الله، فهو يشعر برعاية الله له فهو في كنفه وحمايته وحفظه ثم ليعلم أنه إن هان على الناس فهو عزيزٌ عند رب الناس، وإذا أساء أهل الأرض استقباله وتجهموا وتنكروا له فقد لاقاه أهل السماء بالحفاوة التي تليق به، وأخيرًا وهو الأهم ليطمئن على مستقبل دعوته فيستيقن بأن ساعةَ الانطلاق والتمكين والتحرر والعزة والرفعة والكرامة والعلو والسيادة قد وافت وأطلت بشائرها واقتربت ساعتها وبدأت طلائعها وحانت سيادتها ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6)﴾ (القصص).

وبعد.. فإن ذكرى الإسراء والمعراج التي تأتي لتذكِّرنا بأمانة هذا الدين الذي ارتضاه الله لهذه الأمة واستأمنها عليه؛ تأتي في ظروفٍ قريبةِ الشبه من الظروف التي واكبت حدوثها، تأتي لتهتف بالمسلمين وتصرخ في وجوههم أنْ هبُّوا فقد طال رقادكم، وانتبهوا من نومكم، واستيقظوا من سباتكم فإن الدنيا بأسرها تنتظر عودتكم وتحنُّ للقياكم، واستعدوا لهذا بالفهم والإخلاص والإيمان والعمل الصالح الدءوب والجهاد لتحقيق التمكين والصبر والتضحية والطاعة والثبات والتجرد والأخوَّة التي تكفل ترابط الأمة ثم الثقة التي لا تهتز ولا تتأثر بالمعوقات ولا العقبات ولا الابتلاءات.

لا تركنوا إلى الأرض، بل تعلموا من معراج نبيكم أن تحلقوا بأعمالكم وأمالكم ودينكم ودنياكم كما حلَّق نبيكم من وسط المحنة والابتلاء في الآفاق العليا، واجتاز السبع الطباق.

لا يثنِكم ما ترون من أحداث الزمان والوقت الراهن وما تشاهدون من مكائد البشرية والمخذولين من بعض أبناء الأمة، فقد علَّمكم الرسول صلى الله عليه وسلم كيف تستهينون بالآلام وتنهضون منها بالآمال، مستعينين في ذلك كله بالله، راجين منه أن يمدكم بالعزم الأكيد، وأن يوفقكم بالعمل السديد.

لا تدعوا المسجد الأقصى يهدِّده أبناء القردة والخنازير ممن لعنهم الله، وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت، اتَّحِدوا ووفِّروا جهودكم ودماءكم وأموالكم لملاقاة أعدائكم أعداء الدين، مستعينين بما أمركم الله به ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (60)﴾ (الأنفال)، كافحوهم بكل سلاح حتى تستردوا أوطانكم المسلوبة، وكرامتكم المهدرة، وتستعيدوا حقكم المغصوب، وتؤمِّنوا البيت الذي أسري إليه برسول الله صلى الله عليه وسلم، وفتحه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وحرَّره صلاح الدين الأيوبي رحمه الله، مستشعرين في هذا كله معية الله وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (38) أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39)﴾ (الحج).

وحِّدوا صفوفكم فعسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون، والله معكم ولن يتركم أعمالكم، وما أعظمها من مهام، وما أثقلها من تبعاتٍ يراها الناس خيالاً ويراها المسلم حقيقةً، ولن نيأس أبدًا ولنا في الله أعظم الأمل ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: من الآية 21)، ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ (الإسراء: من الآية 51).

آية الإسراء في مواجهة المُنكِرين والأدْعياء[06/07/2010][17:32 مكة المكرمة]

كتب الشهيد سيد قطب- رحمه الله- عن الآية الأولى من الإسراء: تبدأ السورة بتسبيح الله، أليق حركة نفسية تتسق مع جو الإسراء اللطيف، وأليق صلة بين العبد والرب في ذلك الأفق الوضيء.

وتذكر صفة العبودية ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ (الإسراء: من الآية 1) لتقريرها، وتوكيدها في مقام الإسراء والعروج إلى الدرجات التي لم يبلغها بشر، وذلك كيلا تنسى هذه الصفة، ولا يلتبس مقام العبودية بمقام الألوهية.

*****
وفصل القول في كلمة "سبحان" على النحو الآتي:
سبحان الله: معناه تنزيهًا لله من الصاحبة والولد، وقيل: تنزيه الله تعالى عن كل ما لا ينبغي له أَن يُوصف، قال: ونَصْبُه أَنه في موضع فعل على معنى تسبيحًا له، تقول: سَبَّحْتُ الله تسبيحًا له: أَي نزَّهته تنزيهًا، قال الزجاج في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً﴾ (الإسراء: من الآية 1)؛ قال: منصوب على المصدر؛ المعنى أُسبِّح الله تسبيحًا. قال: وسبحان في اللغة تنزيه الله عز وجل عن السوء.

قال سيبويه: قال أَبو الخطاب: إن سبحان الله كقولك براءَةَ الله أَي أُبَرِّئُ اللهَ من السوء براءةً؛ وقيل: قوله سبحانك أَي أُنزهك يا رب من كل سوء وأُبرؤك.

وروى الأَزهري بإِسناده أَن ابن الكَوَّا سأَل عليًّا، رضوان الله تعالى عليه، عنه، فقال: كلمة رضيها الله لنفسه فأَوصى بها.

*****
ولكن أدعياء تجديد النص الديني، ومواجهته بالعقلانية سقطوا في بؤرة سافلة لا تتفق لا مع واقع، ولا مع عقل، ولا مع حق، ونعرض بعض أكاذيبهم وسقوطهم فيما يأتي:

1- الإسراء لم يكن من مكة إلى بيت المقدس ولكنه كان من مكة إلى أرض الحجاز.. إلى المدينة المنورة، فكان تدريبًا مناميًّا للرسول على الهجرة التي جاءت فيما بعد، والبركة كانت حول المسجد النبوي والمدينة المنورة إذ أنه لم يكن في بيت المقدس مسجد.

2- احتلت فلسطين من قبل المسلمين في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، وبدأ الناس في فلسطين في ذلك الوقت اعتناقهم الإسلام.

تُرى كيف نتصور وجود مسجد في فلسطين في زمن النبي محمد (أي قبل احتلال فلسطين من قبل المسلمين)، سواء سمي ذلك بالمسجد الأقصى, أو خلافه؟.

3- "إن تغيير القبلة من القدس إلى المسجد الحرام في مكة جاء دليلاً على أن القدس لم تعد مركز العبادة لأتباع النبي صلي اللّه عليه وسلم؛ ومن ثم لم تعد تستحق الاحترام من جانب المسلمين، وإذا لم يُفهم الأمر على هذا الأساس فإن تغيير القبلة لا يحمل في طياته أي معنى".

4- ويمضي الأدعياء في هذا الهراء فيرون أن الذي بني المسجد الأقصى هو عبد الملك بن مروان؛ ليجذب المسلمين إليه بعد أن استقل عدوه عبد اللّه بن الزبير بالسيطرة على مكة, ومنع عبد الملك الحج (أي أنه قام بعمل يماثل ما قام به أبرهة الأشرم- صاحب الفيل- من بناء كنيسة ليحج إليها العرب بدلاً من الكعبة)؛ لذا شرع عبد الملك بتشييد جامع كبير في القدس, الذي كان بمثابة القبلة الأولى، ومنذ ذلك الحين بدأت تظهر تقاليد لإعلاء شأن الأهمية الدينية لهذا الجامع, وتحويله إلى ثالث الحرمين".

*****
تُرى لو أن وايزمان, أو بن جوريون, أو شارون تناول هذا الموضوع.. أكان يكتب أشنع وأخس من هذا الكلام الذي أفرزه هؤلاء المغامير الحفاة العراة الذين يحملون أسماء إسلامية؟!!.

وكل هذه الأكاذيب ساقطة بما يأتي:
1- أن الإسراء منسوب إلى الله سبحانه وتعالى، وهو لا يعجزه شيء، فهو الذي أًُسرى بمحمد ولم يقل سرى محمد.

2- مسألة المسجد وعدم وجوده أيام الإسراء (المسجد الأقصى) لا يعني بالضرورة أن يكون مبنى ذا جدران، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "جُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا".

وما زلت أذكر كلمة للمستشرق: "ر. ف. بودلي" في كتابه عن الرسول صلى الله عليه وسلم: "وقد عرفت عظمة هذا الدين في صحراء الهرم، إذ رأيت ذلك البدوي ينيخ جمله، ويصلي صلاته في ظل الجمل، فقلت له: هكذا تصلي بلا طقوس وفي غير كنيسة.. هل تقبل صلاتك؟ فقال على الفور: نعم، وذكر قول الرسول محمد: "جُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا".

3- الهجرة من مكة إلى المدينة ليست في حاجة إلى "بروفة " في اليقظة أو في المنام، فالمسألة ترجع كلها إلى قدرة الله، ولا ننسى أن عشرات من المسلمين هاجروا من قبل بأمر النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى الحبشة، ووفقهم الله في رحلتهم الميمونة.

*****
والإيحاء اللغوي والنفسي للآية يعكس معنى التنزيه والعظمة والقدرة: فسبحان تنزيه وقدرة، ونسبة الإسراء إليه لا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قدرة لا تحدٍّ، وتعظيم لشخصية المُسْري والساري، والعبودية لله تعني العزة والشموخ؛ لأنها التصاق بمنبع العظمة والقوة فهي تذكِّرنا بقوله تعالى: ﴿وَللهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (المنافقون: من الآية 8)، والليل يعكس جو المناجاة والتسبيح، والبركة إنما هي زيادة الخير في الشيء على غير ما عهد الناس، وهناك هادفية سامية منسوبة إلى الله سبحانه وتعالى وهي إراءة النبي.

*****
يقول الراغب الأصفهاني في كتابه القيم "المفردات في غريب القرآن": "البركة": ثبوت الخير الإلهي في الشيء, كثبوت الماء في البِرْكة, ولما كان الخير الإلهي يصدر من حيث لا يُحس, وعلي وجه لا يُحصى, ولا يحصر, قيل لكل ما يُشاهد منه زيادة غير محسوسة: هو مبارك, وفيه بركة".

*****
وهناك إجماع إذن على تفسير "حوله" بالمفهوم المكاني: أي ما أحاط بالمسجد الأقصى- أو بيت المقدس- من أماكن وأراضٍ "باركها" الله, أي منحها من الخير ما يزيد على المعهود المتعارف عليه في تقدير البشر وحساباتهم.

ولكن النظر في الآية والسياق القرآني يتسع كذلك إلى تفسير "حوله" بالمفهوم "القيمي", والحول- في اللغة- معناه: القوة والقدرة والبراعة والدهاء.

واستصحاب الواقع التاريخي, واستقراء مراحله وأحداثه المختلفة يقطع بأن "منطقة المسرى"- بيت المقدس وامتدادها- بارك الله في "حَول" من عاش لها, وارتبط بها, ودافع عنها وعمل على تخليصها من الأذى والبغي والعدوان.

ومن الأماكن ما يبعث في نفوس أصحابها, ومن يرتبطون بها- فكريًّا وعقديًّا- طاقات روحية ونفسية تنعكس وتتجسد في أعمال هائلة يعجز عنها الوصف.

*****
وصور "الحول" الذي باركه الله في منطقة المسرى وامتداداتها أكثر من أن تُحصى, نكتفي منها- في مقامنا هذا- بصور منها في القديم, وفي الحديث.

وأظهر الصور قديمًا نراها في معركة حطين (583هـ- 1187م), وهي المعركة التي أنزلت بالصليبيين هزيمة ساحقة, فتحت أمام المسلمين أبواب فلسطين كلها, وكانت بداية قوية لانهيار حكم الصليبيين في المشرق العربي, وقبلها وحّد صلاح الدين- تحت راية الإسلام- مصر والشام والعراق والجزيرة.

كانت قوات الصليبيين لا تقل عن 50 ألفًا, وجيش صلاح الدين لا يزيد على نصف هذا العدد, وتمخضت المعركة عن انتصار ساحق مبين للمسلمين, وقُتل من الأعداء قرابة 30 ألفًا, وأُسر غيرهم آلاف, منهم ملوك وأمراء مثل "الملك غي", والأمير "رينو دي شاتيون".

قال ابن الأثير: "وكثر القتل والأسر فيهم, فكان من يرى القتلى منهم لا يظن أنهم أسر منهم أحد, ومن يرى الأسرى منهم لا يظن أنه قُتل منهم أحد", وكان انتصار حطين نقطة انطلاق لجيش صلاح الدين إلى التحرير الشامل, فتم تحرير قلعة طبرية وعكا, ومجد بابا, والناصرة, وقيسارية, وصفا, وإسكندرونة, والبيرة, وجبل الجليل, وتل الصافية, وتل الأحمر, والسلع, ويافا, وصيدا, ونابلس, وقلعة نابلس, وسبطية, وتبنين, وبيروت, والرملة, وعسقلان, وغزة, وبيت لحم, وبيت جبريل, والنطرون، والخليل, وغيرها من عشرات المواقع والمدن والقرى.

إنه العدد الأقل الذي "بارك الله حوله" فغلب- بل سحق- العدد الأكبر ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ﴾ (البقرة: من الآية 249).

*****
وفي وقتنا الحاضر الذي نعيشه نرى كيف بارك الله حول (أي قوة) انتفاضة الأطفال, وجعل حجارتهم أشد لذعًا ولسعًا على اليهود من الرصاص, وقد رأينا على شاشة التلفاز كيف هرول أعداد من الجنود الصهاينة أمام "قذائف الحجارة" من أيدي أطفال الأقصى, محاولين التماس "سواتر" تحميهم من زخات هذه الحجارة, ورأينا ما لا يقل عن 10 جنود يولون الأدبار في هلع أمام امرأة فلسطينية أرادوا اقتحام بيتها, فرفعت في وجوههم "مذراة" القمح, وهي قطعة خشبية لها أصابع كأصابع الكف يذري بها القمح في الهواء لفصل الحب عن التبن, وعلل بعضهم هربه بأن ما رأه في يد المرأة كان مدفعًا رشاشًا غريبًا له "مواسير" متعددة, وصدق تعالى إذ قال: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاة﴾ (البقرة: من الآية 96)، وإذ قال: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى﴾ (الأنفال: من الآية 17).

ومن صور "الحول" الذي باركه الله ما رأيناه من بطل حماس "محمود هنود" الذي استطاع أن يهزم خمسمائة من الجيش الصهيوني, ويقتل ثلاثة من ضباطهم ويجرح آخرين, ثم يفلت بعد ذلك من أيديهم.

ورأينا "حماس", وقد ازدادت قوة وحولاً في الجانبين العسكري والسياسي حتى آل إليها قيادة الشعب الفلسطيني بإرادة هذا الشعب.

ورأينا ما سجَّله ويسجله حزب الله من انتصارات باهرة على الجيش الصهيوني, وتحطيمه أسطورة "الجيش الذي لا يقهر", وكيف استطاع هؤلاء المجاهدون أن يزرعوا الرعب في قلوب الصهاينة, ويدخلوهم الجحور والمخابئ لأول مرة في التاريخ، والأمثلة في هذا المقام أكثر من أن تُحصى، وما زالت المقاومة الإسلامية- وقد بارك الله فيها- صامدة تذيق العدو الأمرين ليل نهار، ولم تنهزم المقاومة الإسلامية في غزة أمام همجية اليهود ووحشيتهم، وما زال رجالها يقدمون مزيدًا من الشهداء، ويحققون مزيدًا من الانتصارات.

إنها البَرَكة الإلهية الممتدة التي وسم الله بها "حول" المؤمنين وجهادهم على مدى العصور ما ثبتوا على إيمانهم ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (47)﴾ (الروم)، وهذا التفسير- ولا شك- يدفع المؤمنين إلى مزيد من اليقين والثقة في نصر الله, ويفتح أمامهم أبواب الأمل الصادق إلى تحقيق النصر المؤزر المبين.

وأخيرًا.. نؤكد للقارئ الحقائق الثلاث الآتية:
1- أن الأقصى في التفسير الثاني يقصد به سكان منطقة الأقصى والمقيمين في فلسطين وما حولها من المؤمنين, وهذا ما يسمى في البلاغة "المجاز المرسل", كما ترى في قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ (يوسف: من الآية 82) والمقصود أهل القرية.

2- أن الفعل الماضي قد يُستعمل في القرآن وفي لغة العرب فيفيد المستقبل والديمومة والامتداد, فالبركة متجذرة في الماضي, وممتدة إلى الحاضر والمستقبل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

3- أن التفسير الثاني الذي عرضناه، أي التفسير القيمي، لا يلغي التفسير المكاني للحول فهو الأصل، وهو الذي أجمع عليه كل المفسرين على وجه التقريب.

حاجة البشرية إلى المعراج[08/07/2010][15:24 مكة المكرمة]


رسالة من أ. د. محمد بديع- المرشد العام للإخوان المسلمين
بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن والاه، وبعد..قال الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الإسراء: 1).

وعن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه أَن رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "أُتِيتُ بِدَابةٍ فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ خَطْوُهَا عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهَا، فَرَكِبْتُ وَمَعِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السّلاَمُ، فَسِرْتُ فَقَالَ: انْزِلْ فَصَلّ، فَفَعَلْتُ، فَقَالَ: أَتَدْرِي أَيْنَ صَلّيْتَ؟ صَلّيْتَ بِطَيْبَةَ وَإلَيْهَا الْمُهَاجَرُ، ثُمّ قَالَ: انْزِلْ فَصَلّ، فَصَلّيْتُ، فَقَالَ: أَتَدْرِي أَيْنَ صَلّيْتَ؟ صَلّيْتَ بِطُورِ سَيْنَاءَ حَيْثُ كَلّمَ اللّهُ عزَّ وجلَّ مُوسَى عَلَيْهِ السّلاَمُ، ثُمّ قَالَ: انْزِلْ فَصَلّ، فَنَزَلْتُ فَصَلّيْتُ، فَقَالَ: أَتَدْرِي أَيْنَ صَلّيْتَ؟ صَلّيْتَ بِبَـيْتِ لَحْمٍ؛ حَيْثُ وُلِدَ عِيسَى عَلَيْهِ السّلاَمُ، ثُمّ دَخَلْتُ بَـيْتَ الْمَقْدِسِ فَجُمِعَ لِيَ الأَنْبِـيَاءُ عَلَيْهِمُ السّلاَمُ فَقَدّمَنِي جِبْرِيلُ حَتّى أَمَمْتُهُمْ.." (سنن النسائي).

الغاية من الإسراء والهدف من هذه الرحلة جاء ملخصًا في جزء من الآية الأولى في قول الله تعالى: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ فبعد أن يرى رأيَ العين القدرةَ الإلهيةَ التي تتحرك به في أجواز الفضاء؛ لتنقله إلى المسجد الأقصى في الشام، ثم تعرج به إلى السماوات العلى؛ ليرى من آيات ربه الكبرى.. هذه الرحلة العظيمة تمنحه اليقين التام، والقدرة الهائلة على مدافعة الباطل القائم في الأرض والفساد المستشري في جنباتها، فبعد استناد علوم الأنبياء إلى رؤية الآيات العظيمة، يحصل لهم من عين اليقين، ما لا يقادر قدره، وليس الخبر كالمعاينة، فيتحملون في سبيل الله ما لا يتحمله غيرهم، وتصير جميع قوات الدنيا عندهم كجناح بعوضة لا يعبؤون بها إذا ما تدول عليهم بالمحن والعذاب.

وهذا ما يؤكده القرآن الكريم، ففي حق إبراهيم عليه السلام يقول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ (الأنعام: 75)، وفي حق موسى يقول الله تعالى: ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آَيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾ (طه: 23).

وفي الحديث دلالة على أن الأنبياء السابقين أقروا للنبي صلى الله عليه وسلم بالرسالة، وصلُّوا من خلفه، وهذا يفرض على أتباع هؤلاء الرسل أن يكونوا أنصارًا للرسول صلى الله عليه وسلم، وإذا كانت رسلهم يسلِّمون على الرسول ويشهدون له بالرسالة والنبوة، فما على أتباعهم إلا أن يصلُّوا ويسلِّموا على رسولنا صلى الله عليه وسلم، ويسيروا على نهجه، ويتبعوا شريعته التي تنبع من أصل شريعتهم، مع الفارق أنها خاليةٌ من التحريف وتحمل لهم التخفيف، وصدق الله حيث يقول: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الأعراف: 157).

كما أن الحديث يؤكد أن طيبة، وطور سيناء، وبيت لحم، وبيت المقدس؛ صارت من مقدسات المسلمين، وأنهم أولى بها ممن سبقهم؛ لأن رسولهم صلى الله عليه وسلم قد وطِئها بقدمه الشريفة، وآخر الأنبياء والمرسلين عهدًا بها، وبها صلى وأصبحت مسجدًا للمسلمين.

وإذا كان اليهود يبحثون تحت الأرض عن هيكل موهوم، حتى يتخذوا منه ذريعةً لأحقيتهم بتلك الأرض، فإن للمسلمين فوق الأرض مسجدًا شامخًا، وشاهدًا ظاهرًا للعيان، يعلن خمس مرات في اليوم أن تلك البقاع وما حولها أرض للمسلمين.

لقد اشتملت هذه الرحلة النبوية الغيبية على معانٍ دقيقة، وشارات حكيمة بعيدة المدى، تؤكد أن محمدًا صلى الله عليه وسلم هو نبي القبلتين، وإمام المشرقين والمغربين، ووارث الأنبياء قبله، وإمام الأجيال بعده، فقد التقت- في شخصه وفي إسرائه- مكةُ بالقدس، والبيتُ الحرام بالمسجد الأقصى، وصلى بالأنبياء خلفه، فكان هذا إيذانًا بعموم رسالته، وخلود إمامته، وإنسانية تعاليمه، وصلاحيتها لاختلاف المكان والزمان.

أما رحلة المعراج ففيها العبر الكثيرة:
أولها وأهمها: فرضية الصلاة
أيها المسلمون..
إن في فرضية الصلاة في ليلة الإسراء والمعراج، حين كان قاب قوسين أو أدنى، وتكليفه بتكليم الله إياه، وهو في السماوات العلى؛ دلالةً على أهمية الصلاة، وعظم منزلتها، وعلى أنها معراجٌ يوميٌّ للمسلم مع كل مناجاة؛ حيث التذكير بيوم الدين، يوم يقوم الناس لرب العالمين، والتذكير برسالة المسلم التي من أجلها خُلق والمتلخِّصة في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ كما أنها دعوةٌ إلى التوكُّل التامِّ على الله والاستعانة به ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، كما أنها دعوةٌ للتميز التامِّ والاستقلالية الكاملة في المنهج والطريق، فطريقهم مستقيمة ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، وهي طريق الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.. ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، وذلك يكون باتباع القرآن الكريم.. ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (الأنعام: 153)، واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (الشورى: من الآية 52)، وليحذر كل مسلم أن ينحرف عن هذا الصراط، بأن يسلك سبيل المغضوب عليهم أو الذين أضلهم الله.. من يهود أو نصارى..

إن الصلاة ترسم للمسلم طريقه وسط الظلمة التي تحيط به، وتأخذ بيده من بين الدعوات المتتالية التي تعمل على أن تحرفه عن طريقه، وقد رأى ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء؛ حيث دعاه داع عن يمينه وآخر عن يساره فلم يجبهما، فلما سأل جبريل قال: ذاك داعي اليهود، أما لو أنك لو أجبته لتهوَّدت أمتك، قلت: وبينا أنا أسير إذ دعاني داع عن يساري: يا محمد، انظرني أسألك، فلم أجبه، قال: ذاك داعي النصارى، أما أنك لو أجبته لتنصَّرت أمتك".

وفي هذا المشهد تأكيدٌ أنَّ اليهود لن يتوقفوا عن العمل المستمر لتهويد المسلمين، كما أن النصارى يمكرون بالليل والنهار من أجل تنصير المسلمين، وأنهم لن يتحقق لهم الرضا عن المسلمين إلا إذا رجعوا عن دينهم واتبعوا اليهود، أو سلكوا سبيل النصارى، ولقد أكد القرآن الكريم هذا المعنى، وكرَّر الحديث عنه لتوعية المسلمين وتحذيرهم مما يحيكه لهم أعداؤهم.. قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ (البقرة: 120).

والمسلم في صلاته ينتقل من دنياه إلى أخراه؛ حيث يسبح في الجنة مع المنعَّمين، وينظر عن بُعد إلى المعذَّبين كما جاء عَنِ الْحَارِثِ بن مَالِكٍ الأَنْصَارِيِّ، أَنَّهُ مَرَّ بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ لَهُ: "كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَا حَارِثة؟" قَالَ: أَصْبَحْتُ مُؤْمِنًا حَقًّا، فَقَالَ: "انْظُرْ مَا تَقُولُ؟ فَإِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةً، فَمَا حَقِيقَةُ إِيمَانِكَ؟" فَقَالَ: قَدْ عَزَفَتْ نَفْسِي عَنِ الدُّنْيَا، وَأَسْهَرْتُ لِذَلِكَ لِيَلِي، وَأظمَأَتُ نَهَارِي، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى عَرْشِ رَبِّي بَارِزًا، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ يَتَزَاوَرُونَ فِيهَا، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ النَّارِ يَتَضَاغَوْنَ فِيهَا، فَقَالَ: "يَا حَارِثة عَرَفْتَ فَالْزَمْ".

وثانيها: مخاطر الذنوب والمعاصي وعاقبتها
لقد تحدث الرسول صلى الله عليه وسلم عن مخاطر الأمراض الاجتماعية وبيَّن عقوبتها، كما شاهد ذلك في ليلة الإسراء والمعراج، ومن هذه الأمراض وعقوبتها:
* أكلة الربا، فقد أتى النبي صلى الله عليه وسلم على قوم بطونهم كالبيوت، فيها الحيات تُرى من خارج بطونهم، فأخبره جبريل: "هؤلاء أكلة الربا".
* عقوبة أكلة أموال اليتامى، فقد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجالاً لهم مشافر (شفاه كبيرة) كشفاه البعير، في أيديهم قطع من نار كالأفهار (أي الحجارة) يقذفونها في أفواههم فتخرج من أدبارهم فأخبره جبريل: "هؤلاء أكلة أموال اليتامى ظلمًا".
* عقوبة جريمة الغيبة والمغتابين، فقد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أناسًا يأكلون الجيف فأخبره جبريل: "هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس".

وذكرت الروايات عقوبة الزناة، ومانعي الزكاة، وخطباء الفتنة، والخطباء الذين يقولون ما لا يفعلون، والتهاون في الأمانة، ومن يتكلم بالكلمة العظيمة ثم يندم عليها فلا يستطيع أن يردَّها.

إن المعاصي والذنوب مهلكة ومدمرة للأمم قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ (الإسراء: 16) وكذلك رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مشاهد الجزاء الأوفى للأعمال الصالحة؛ ليستبشر من يفعلونها في الدنيا بحسن العاقبة، كالمجاهدين الذين يزرعون ويحصدون فورًا، وسمعه وقع أقدام بلال رضي الله عنه خلفه في الجنة؛ بسبب ركعات النوافل التي يصليها.

أيها المسلمون في العالم أجمع..
إن سورة "الإسراء" تسمَّى سورة "بني إسرائيل"، والمسجد الحرام جاء مقرونًا بالمسجد الأقصى، والحديث عن الإسراء جاء مقرونًا بالحديث عن فساد بني إسرائيل.. وفي ذلك دلالات وآيات، من أهمها:
* لقد أدرك الصحابة رضي الله عنهم أهمية المسجد الأقصى ومسئوليتهم نحو المسجد الأقصى، وهو يقع أسيرًا تحت حكم الرومان، فحرَّروه في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وظل ينعم بالأمن والأمان حتى وقع في أسر الصليبيين بعد خمسة قرون من هجرة المصطفى، ومكثوا ما يعادل قرنًا يعيثون فسادًا، حتى قيَّض الله له صلاح الدين الأيوبي فحرَّره، وها هو ذا يقع تحت الاحتلال اليهودي، وسبيلنا إلى تخليصه الجهاد في سبيل الله، على المنهج الذي سار عليه الصحابة الكرام رضي الله عنهم.
* أن التهديد للمسجد الأقصى هو تهديدٌ للمسجد الحرام وأهله، وأن النَّيل من المسجد الأقصى توطئةٌ للنيل من المسجد الحرام، فالمسجد الأقصى بوابة الطريق إلى المسجد الحرام، وزوال المسجد الأقصى من أيدي المسلمين ووقوعه في أيدي اليهود؛ يعني أن المسجد الحرام والحجاز قد تهدَّد الأمن فيهما، واتجهت أنظار الأعداء إليهما لاحتلالهما.

والتاريخ قديمًا وحديثًا يؤكد هذا؛ فإن تاريخ الحروب الصليبية يخبرنا أن "أرناط" الصليبي صاحب مملكة الكرك أرسل بعثةً للحجاز للاعتداء على قبر الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى جثمانه في المسجد النبوي، وحاول البرتغاليون (النصارى الكاثوليك) في بداية العصور الحديثة الوصول إلى الحرمين الشريفين؛ لتنفيذ ما عجز عنه أسلافهم الصليبيون، ولكنَّ المقاومة الشديدة التي أبداها المماليك وكذا العثمانيون، حالت دون إتمام مشروعهم الجهنَّمي، وبعد حرب 1967م التي احتلَّ اليهود فيها بيت المقدس، صرَّح زعماؤهم بأن الهدف بعد ذلك احتلال الحجاز، وفي مقدمة ذلك مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخيبر.

لقد وقف دافيد بن غوريون زعيم اليهود بعد دخول الجيش اليهودي القدس يستعرض جنودًا وشبانًا من اليهود بالقرب من المسجد الأقصى ويُلقي فيهم خطابًا ناريًّا يختتمه بقوله: "لقد استولينا على القدس ونحن في طريقنا إلى يثرب".

ووقفت غولدا مائير، رئيسة وزراء اليهود، بعد احتلال بيت المقدس، وعلى خليج إيلات العقبة، تقول: "إنني أشم رائحة أجدادي في المدينة والحجاز، وهي بلادنا التي سوف نسترجعها".
* أن الصهاينة هم الذين سوف يدنِّسون مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينشرون الفساد فيما حوله، وأن تخليص الأرض من شرورهم وفسادهم لا يكون إلا على يد عباد لله مخلصين، يجمعون بين قوة العبودية لله وقوة البأس المتمثل في القوة البدنية وقوة السلاح.. ﴿عِبَادًا لَنَا﴾.
* أن الصهاينة لو أحسنوا واستقاموا فذلك يرجع على أنفسهم، وأن إساءتهم مردودةٌ عليهم:
﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ (الإسراء: من الآية 6)، وأن كل قطرة دم يريقونها سوف تراق منهم، وأن كل شخص يقتل فإنما يقتلون أنفسهم.
* أن تطهير المسجد الأقصى من فسادهم آتٍ لا محالة، وأن تطهير أرض فلسطين من شرورهم قاب قوسين أو أدنى.
* أن الله توعَّدهم بالتأديب، كلما عادوا إلى الفساد.. ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ (الإسراء: 8)، ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ (الأعراف: من الآية 167).
* أن القرآن الكريم يرسم لنا الطريق الأقوم للتخلُّص من فساد الصهاينة وتخليص الأرض من شرورهم.. ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾ (الإسراء: من الآية 8) ولم يصل الصهاينة إلى ما وصلوا إليه إلا بعد أن كبَّلوا حمَلة القرآن الكريم، واعتقلوا أصحاب العقيدة من الإخوان المسلمين وغيرهم ممن تطوَّعوا للذَّود عن فلسطين، بتآمر بين الغرب والصهاينة والحكام العملاء، ولو بقي الإخوان المسلمون في الميدان ما قام الكيان الصهيوني، ولا رُفِعَ له علم، وقديمًا سلَّط الله على اليهود بختنصَّر حين قيل له عنهم: "هم قوم فيهم كتاب فلا يقيمونه، وأنبياء فلا يطيعونهم، وهم متفرقون".

ونحن سلط الله علينا اليهود حين عطَّلْنا كتاب الله، وأسقطْنا مكانة العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، وساد فينا شعارهم: "فرق تسد".

طريق النجاة
* أن نُحيي كتاب الله بيننا، فنقيم العدل، وننشر الرحمة، ونحقِّق المساواة بين البشر جميعًا، وإن اختلفت عقائدهم وجنسياتهم وألسنتهم وألوانهم.
* أن نعيد للعلماء المخلصين الصادقين منزلتهم، وأن نستجيب لما يدعوننا إليه من شرع الله، ففيه حياتنا وعزنا.
* أن ننبذ الفرقة والتنازع والاختلاف، وأن نعود أمةً واحدةً كما أراد الله لنا.. ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء: 92).
* أن نجاهد في الله حقَّ جهاده، فأجرُ المجاهدين دائمٌ لا ينقطع، فقد أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء على قوم يزرعون في يوم ويحصدون في يوم، كلما حصدوا عاد كما كان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا جبريل، ما هذا..؟! قال: هؤلاء المجاهدون في سبيل الله يضاعف لهم الحسنة بسبعمائة ضعف، وما أنفقوا من شيء فهو يخلفه.

أيها المسلمون..
لن يصلح الله حال هذه الأمة إلا بما صلح به أولها..
وهل كان صلاحهم إلا في صدق إيمانهم بالله، وترابطهم في أخوَّة صادقة، جمعت العربي والحبشي والرومي والفارسي في صف واحد؟.. وهل كان عزُّهم وفلاحُهم إلا بالجهاد، وعشقهم للشهادة في سبيل الله؟!

واعلموا أيها المسلمون في كل مكان أن الأمة التي تُحسن صناعة الموت، وتعرف كيف تموت الموتة الشريفة، يهبُ لها الله الحياةَ العزيزةَ في الدنيا، والنعيمَ الخالدَ في الآخرة، وما الوهن الذي أذلَّنا إلا حب الدنيا وكراهية الموت، فأعدُّوا أنفسَكم لعملٍ عظيمٍ، واحرصوا على الموت توهب لكم الحياة.

أربكان.. صامد في مواجهة "العلمانية" الغاشمة![08/07/2010][21:41 مكة المكرمة]

هي علمانية تركيا العجيبة التي تصرّ حتى ولو كانت في النَّزْع الأخير على الانتقام، مستخدمة كل ما في أيديها من أدوات قانونية، ولا تتوانى عن استخراج كل ما في جعبتها من حِيَل سياسية للانتقام من "العدو الإسلامي اللدود"، الذي خرج من عرينه بعد سنوات معدودة من إسقاط الخلافة الإسلامية على يد "مصطفى كمال" وأبى- وما زال- يأبى الانكسار رغم كل ما قدِّم من تضحيات.. إنها قصة صراع مرير مخضَّبة بدماء شهداء، ومليئة بآلام السجون والحرمان من أبسط الحقوق السياسية لمجرد المطالبة بالعودة للإسلام.. قصة صراع بدأت منذ عام 1924م، يوم أسقطت العلمانيةُ المتطرفة الخلافةَ الإسلامية، وما زالت فصولها دائرةً حتى اليوم.

في هذا الإطار نستطيع أن نتوقف أمام الحكم الذي أصدرته المحكمة العليا الأسبوع الماضي، ضد البروفيسور "نجم الدين أربكان" بالغرامة بـ12.5 مليون ليرة تركية (9 ملايين دولار)، وذلك بناءً على تهم لـ"أربكان" ورفاقه بتبديد أموال حزب "الرفاه" (1983م- 1998م)، وقد تم سجن 88 شخصًا هم رؤساء حزب "الرفاه" في المحافظات التركية، كما تم الحكم بالسجن على "نجم الدين أربكان" لمدة عامين، قضاهما في الإقامة الجبرية داخل بيته.

حدث ذلك بعد حل الحزب عام 1998م، وإجبار "أربكان" على الاستقالة من رئاسة الحكومة بالقوة العسكرية، وبناءً على ذلك الحكم؛ تم الحجر على كل ممتلكات "نجم الدين أربكان" بما فيها بيته الذي يعيش فيه.. وأصبح مخيرًا بين الدفع أو بيع كل الممتلكات في مزاد علني.

والسبب أن حزب "الرفاه" حقق في انتخابات عام 1994م مفاجأة بفوزه في انتخابات البلدية في عدة مدن، وفي سنة 1995م حدثت مفاجأة أكبر بفوزه بأغلب المقاعد في الانتخابات البرلمانية في تركيا (158 مقعدًا من أصل 550)؛ ليصعد "نجم الدين أربكان" إلى منصب رئيس الوزراء في سنة 1996م، ويصبح أول رئيس وزراء "إسلامي" في تركيا منذ سقوط الخلافة العثمانية سنة 1924م.

كانت المؤسسة العلمانية تتوقع فشله في رئاسة الحكومة، وبالتالي تقديم صورة سلبية عن المشروع الإسلامي وعدم قدرته على الحكم، ولكن "أربكان" حقق نجاحًا منقطع النظير؛ إذ تمكنت حكومته خلال عام واحد من خفض ديون تركيا من 38 مليار دولار إلى 15 مليون دولار، وكاد ينجح في حل المشكلة الكردية العويصة، ونجح في إقامة علاقات دبلوماسية قوية على الساحة العالمية، وتقدم الاقتصاد التركي خطوات واسعةً، وبات واضحًا تمامًا أن السر في هذا النجاح هو المشروع الإسلامي!.

هنا شعر الجيش التركي حامي حمى العلمانية بالخطر؛ فأقدم على انقلاب عسكري ضد حكومة "أربكان"، ودخلت الدبابات التركية إلى شوارع أنقرة وإسطنبول، وأجبر "أربكان" على الاستقالة، وتم حل حزب "الرفاه"، وقُدِّم "أربكان" إلى المحاكمة العسكرية بتهمٍ كثيرة، أهمها انتهاك علمانية الدولة، وصدر القرار بمنعه من مزاولة النشاط السياسي لمدة 5 سنوات.

لم ييأس "أربكان"؛ فأسس حزبًا أسماه حزب "الفضيلة" سنة 2000م، وتولى "رجائي قوطان" رئاسته بسبب وقف "أربكان" من مزاولة العمل السياسي.

وفي سنة 2003م زال الحظر عن "أربكان"؛ فأسس حزبًا جديدًا هو حزب "السعادة".. وما زال الرجل يقدم رسالته حتى اليوم رغم تقدم سنه (84 عامًا).

لست هنا بصدد الدفاع عن نزاهة "أربكان"، فالرجل هو مؤسس الحركة الإسلامية الحديثة في تركيا، وقد لاقى الكثير من العنت والظلم منذ دخل حلبة السياسة عام 1969م، في سبيل أن تشقّ تلك الحركة الإسلامية طريقها وسط أنواء العلمانية العنيفة.. فقد حلَّ له النظام العلماني من قبل- وعلى مدى 40 عامًا- 4 أحزاب؛ هي: "الخلاص الوطني"، و"السلامة"، و"الرفاه"، و"الفضيلة".. لكنه لم يتوقف ولم يستكن.. إذًا، فإن الحكم الأخير يأتي في إطار الصراع المرير بين حركة إسلامية تسعى لتجد مكانًا تحت الشمس بقيادة "أربكان"، والمؤسسة العلمانية التي تسعى لاستئصال شأفة الإسلام من البلاد.

وقد التفتت الأنظار إلى "أربكان" من جانب المؤسسة العلمانية عندما دخل حلبة السياسة لأول مرة بالترشح عام 1969م لعضوية البرلمان في مدينة "قونية"، التي كانت- وما زالت- معقلاً إسلاميًّا عريقًا، والتي منها بدأ "أربكان" أول تجربة سياسية، حين خاض الانتخابات النيابية كمرشح مستقل، وفاز فيها باكتساح.

ثم التفتت إليه أنظار المؤسسة العسكرية العلمانية عندما أسس عام 1970م حزب "النظام الوطني" أو "الخلاص الوطني".

وأعلن "أربكان" عن هوية حزبه بصراحة قائلاً: "إنّ أمتنا هي أمة الإيمان والإسلام، ولقد حاول الماسونيون والشيوعيون أن يُخرِّبوا هذه الأمة ويفسدوها، ولقد نجحوا في ذلك إلى حد بعيد، فالتوجيه والإعلام بأيديهم، والتجارة بأيديهم، والاقتصاد تحت سيطرتهم، وأمام هذا الطوفان فليس أمامنا إلا العمل معًا يدًا واحدةً، وقلبًا واحدًا؛ حتى نستطيع أن نعيد تركيا إلى سيرتها الأولى، ونصل تاريخنا المجيد بحاضرنا الذي نريده مشرقًا..."، وقد أشعلت تلك الكلمات ثورة المؤسسة العلمانية المتطرفة؛ فأصدرت محكمة أمن الدولة العليا قرارًا بحل الحزب ومصادرة أمواله وممتلكاته، بعد أن جرَّمته بتهمة انتهاك الدستور العلماني، والعمل على إلغاء العلمانية، وإقامة حكومة إسلامية في تركيا، والعمل ضد مبادئ "أتاتورك".

كما حكمت المحكمة بالحجر السياسي على أعضاء الحزب لمدة 5 سنوات، غادر البروفيسور "أربكان" تركيا، وكان ذلك في الربع الأخير من عام 1970م، وبعد سنتين، أي في عام 1972م؛ عاد "أربكان" إلى بلاده؛ ليدفع بعض الإسلاميين ممن لا ينطبق عليهم حكم محكمة أمن الدولة العليا إلى تشكيل حزب جديد أطلق عليه اسم "حزب السلامة الوطني" في أكتوبر 1972م، وأصدر بعد ذلك بعدة أشهر صحيفته الرسمية "مللي جازيت"، التي ما زالت تصدر إلى اليوم.

وفي عام 1973م صدر عفو عام عن الجرائم السياسية، فشمل ذلك الحكم "نجم الدين أربكان"، ما أهّله لقيادة حزب "السلامة الوطني" وخوض الانتخابات، ليفوز الحزب بـ48 مقعدًا.

وشارك حزب "السلامة الوطني" في حكومة ائتلافية، وتبوأ "أربكان" منصب نائب رئيس الوزراء؛ بما يمثل أول حضور إسلامي في الحكومة منذ تأسيس الجمهورية العلمانية على يد "مصطفى كمال"، وقد أتيح له خلال غياب رئيس الوزراء بالخارج وقيام "أربكان" بمهامه أن يسجل واحدًا من أهم إنجازاته التاريخية؛ بإصدار قرار عام 1974م للقوات التركية بالتوجه للمثلث الشمالي من جزيرة قبرص، والقيام بحماية المسلمين الأتراك وإنقاذهم من إبادة محققة على يد القوات اليونانية، التي احتلت الجزء اليوناني من الجزيرة، وهو ما رفع شعبيته؛ ودفع العلمانيين إلى التحرك السريع وإجبار الحكومة على الاستقالة بعد 9 أشهر من تشكيلها.

وفي ذكرى "اليوم العالمي للقدس"، نظّم "أربكان" مظاهرة باسم حزب "السلامة الوطني" في مدينة "قونية" في السادس من سبتمبر 1980م، شارك فيها أكثر من نصف مليون تركي، وهتف المتظاهرون خلالها بشعارات إسلامية معادية للاحتلال الصهيوني، وبعد ذلك بيوم واحد فقط؛ فجّر الجيش انقلابًا عسكريًّا جديدًا بزعامة الجنرال "كنعان إيفرين"، الذي برر الانقلاب بـ"وقف المدّ الإسلامي، وروح التعصب الإسلامي الذي ظهر في مظاهرة قونية".

واقتيد "أربكان" وزملاؤه إلى السجن بتُهمٍ متعددة، من بينها العمل على استبدال قوانين الدولة العلمانية بمبادئ تقوم على أساس الإسلام، وهو ما كان كافيًا لأن يُحكم عليه بالسجن لمدة 4 سنوات، وإخراجه من الحلبة السياسية.. وهكذا انقلاب بعد انقلاب، وأحكام متتالية بالسجن ومصادرة للأموال والممتلكات!

إن "أربكان" منذ أن دخل الميدان السياسي عام 1969م وهو يسير على طريق مجاهدين سبقوه؛ من أجل إعادة تركيا إلى حضن دينها، ولاقوا في سبيل ذلك الأهوال؛ فقد أعدم "أتاتورك" الشيخ "سعيد بيران" وعددًا كبيرًا من أتباعه، ونفى أعدادًا أخرى إلى خارج البلاد؛ لمجرد مناداتهم بعودة الخلافة الإسلامية.

لكن حركة الشيخ "سعيد" لم تمت، بل ازدادت قوة بظهور أحد تلامذته وهو العلامة الكبير "بديع الزمان سعيد النورسي"، الذي أعلن بوضوح رفضه لمبادئ العلمانية التي أتى بها "أتاتورك"، فتم نفْيَه إلى مدينة "بوردو" النائية، ثم إلى مدينة "أورفة"، وظل في المنفى 35 عامًا متصلة (من 1925م- 1960م).

وتولى "عدنان مندريس" بعد فوز حزبه بالانتخابات العامة رئاسةَ الحكومة عام 1950م ولمدة 10 سنوات، ولما بدت ميوله الإسلامية واضحة انقلب الجيش عليه انقلابًا دمويًّا؛ حيث تم إعدام "مندريس" عام 1960م و"جلال بايار" مؤسس "الحزب الديمقراطي" الذي ينتمي إليه "عدنان مندريس".

إن زعامة "أربكان" لم تتحقق من فراغ، وإنما تقف وراء ذلك تربية إسلامية رصينة، فقد نشأ منذ ولادته في 29 أكتوبر عام 1926م في مدينة "سينوبهو" وسط جو ديني إسلامي، بين الطريقة النقشبندية طريقة الأساتذة الأوائل "سعيد بيران"، و"سعيد النورسي"، وغني عن البيان هنا، فصوفية هؤلاء القادة صوفية واعية بالواقع والسياسة، وتبنّت مشروع رفض العلمانية وإعادة تركيا للإسلام مرة أخرى.

كما سبق نجاحات "أربكان" في عالم السياسة نجاحٌ باهرٌ في عالم الدراسة والعلم والصناعة، فهو خريج كلية الهندسة الميكانيكية بجامعة إسطنبول عام 1948م، وكان الأول على دفعته، وتم إيفاده في بعثة دراسية إلى ألمانيا عام 1951م؛ حيث نال شهادة الدكتوراه في هندسة المحركات عام 1953م.

وأثناء وجوده في ألمانيا عمل إلى جانب دراسته رئيسًا لمهندسي الأبحاث في مصانع محركات "كلوفز- هومبولدت- دويتز" بمدينة كولونيا، وتوصل أثناء عمله إلى ابتكارات جديدة لتطوير صناعة محركات الدبابات، التي تعمل بكل أنواع الوقود.

وفي نهاية عام 1955م عاد إلى تركيا ليعمل أستاذًا مساعدًا، وفي العام نفسه حصل على درجة الأستاذية في تخصص المحركات.

وفي عام 1956م أنشأ "أربكان" أول أعماله الاستثمارية الخاصة؛ حيث أسس مصنع "المحرِّك الفضي" هو ونحو 300 من زملائه، فتخصصت هذه الشركة في تصنيع محركات الديزل، وبدأت إنتاجها الفعلي عام 1960م، ولا تزال هذه الشركة تعمل حتى الآن، وتنتج نحو 30 ألف محرك ديزل سنويًّا.

إنها مسيرة طويلة ومريرة خاضها أولئك القادة؛ لإعادة تركيا إلى أحضان دينها من جديد، لكن المؤسسة العلمانية أبت ذلك، وظل التدافع هكذا- وما زال- حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولاً..!

احتفال كبير بأربكان في ألمانيا[21/04/2010][21:08 مكة المكرمة]


في إطار احتفالات حركة الفكر الإسلامي التركية بمرور 40 عامًا على تدشينها؛ شارك البروفيسور المجاهد نجم الدين أربكان مؤسس الحركة- في المؤتمر الذي عُقد في مدينة ديسبورج الألمانية- حيث استقبل أربكان استقبالاً باهرًا من قِبَل المواطنين الأتراك المقيمين في ألمانيا.

وفي كلمته أكد أربكان أن حركته تعتبر حدثًا تاريخيًّا في العالم كله، خاصةً أنها عندما ظهرت على مسرح الأحداث، قوبلت بعدم الاهتمام؛ حتى أصبحت الآن تشكِّل حركةً مهمةً ومؤثرةً، مشددًا على أنها ليست حركة كأية حركة؛ بل إنها حركةُ تأسيس عالم عادل يخلص الإنسانية من هذا العالم المتأزِّم الذي يعيش في ظلمات لم يسبق لها مثيل.

وطالب أربكان بتفعيل مفهوم الرحمة في العالم أجمع، ضاربًا المثل بفتح مكة؛ الذي كان دون إراقة أي دماء وعفو الرسول صلى الله عليه وسلم عن من أساء إليه وظلمه، وعودته إلى بيته وهو يقول: "إن الرسول لم يفتح مكة بالدماء، بل فتح القلوب".

من جانبه، قال يافوز چيليك رئيس الحركة في أوروبا: "نحن كنا نعدُّ عدد المساجد في أوروبا بالأصابع، لكن الآن عدد المساجد بالآلاف، وبرامج التربية الإسلامية منتشرةٌ في كل أنحاء أوربا"، موضحًا أن وظيفتهم الآن هي إعداد جيل مربي تعدُّ الخطط والأفكار للأعوام الـ100 القادمة.

وفي كلمته قال أوغوز أوچونجوا السكرتير العام للحركة: "إننا نريد عالمًا يقوم على العدل والحق والجمال، ونحن غرسنا لتحقيق هذا العالم ونحن على إثره ونعمل للوصول إليه وسننقل تلك الإرادة للأجيال القادمة".

وشارك في الاحتفال عددٌ من قيادات الحركة في تركيا مثل شوكت كزان وزير العدل السابق، وأوغوز خان أصل ترك وزير العمال السابق، ويعقوب أداك مدير قناة (5) التركية، وعدد من المؤسسات الإعلامية والقيادات السياسية.

السبت، 3 يوليو 2010

أيها الأحباب.. هذا بناء الإسلام الخالد وهذه أصوله


وقف الإمام البنا- عليه الرضوان- يقول (أستطيع أن أتصور العمل العظيم الذي قام به المصطفى صلى الله عليه وسلم بقلعة شامخة تقوم على أركان أربعة، ولها سوران عظيمان يحميانها ويدفعان عنها)، هذا الحديث العظيم للإمام يجب أن نقرأه بدقة، وأن نفهمه، وأن نتصوره، فهو الباب الواسع الذي ينظر منه الإخوان، والأمل الكبير الذي يحرصون على تحقيقه ثم يقول: (أما الأركان الأربعة التي قامت عليها القلعة الأول منها: العقيدة الشامخة) العقيدة الصحيحة الصافية الصادقة التي تجعل الإنسان يمشي على الأرض وقلبه موصول برب الأرض والسماء، يتعامل مع الناس ولا ينسى رب الناس، إذا ناموا من الليل استيقظ مصليًا ساجدًا قائمًا مستغفرًا قارئًا للقرآن متدبرًا في معانيه، تهطل دموعه، يطرق أبواب الله ويلح في طرقها، يطبِّق قول الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ (15)﴾ (الحجرات).

وينطبق عليهم قول الله عز وجل: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾ (التوبة).

وقوله تعالى: ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ (آل عمران: من الآية 17).

فإذا أصبحوا تذكروا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من يوم ينشق فجره إلا وفيه ملك ينادي: يا ابن آدم أنا خلق جديد وعلى عملك شهيد فتزود مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة".

يعملون للدين والدنيا، وللدنيا والآخرة، يعملون بجد، ويذكرون حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة، فاستطاع أن يغرسها قبل أن تقوم؛ فليغرسها فإن له بذلك أجرًا" في هذا الوقت العصيب الذي تذهل فيه كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها، تأمرنا يا رسول الله ويا حبيب الله أن نغرس؟ ونغرس ثمرة النخل التي لا تعطي إلا بعد كثير! أليس هذا من الحقائق التي تدلنا بعمق على أن الإسلام جاء لعمارة الدنيا ولإقامة الدين معًا وأنه لا يصلح إلا بهما؟ ما هذه العظمة، وما هذا السمو أبعد هذا الوضوح في الإسلام يوجد شيء اسمه الدراويش، وما أدراك ما الدراويش؟ شيء مؤلم، وأمور مخزية ألصقت بهذا الدين العظيم.

هذا التوجيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم للمؤمنين يمثل حيوية الإسلام، وعظمة الإسلام، ونحن نؤمن بأن ذكر الله على اللسان قبل العمل وأثناء العمل وبعد العمل، وكان الصحابة ومن بعدهم رضي الله عنهم إذا نُودي للصلاة أسرعوا لاستجابة النداء، وصلوا، ثم خرجوا، ووقفوا على أبوب المسجد يقولون: اللهم إنا قد أجبنا دعوتك، وأدينا فريضتك، وانتشرنا كما أمرتنا فارزقنا وأنت خير الرازقين، هذه الأمة الغالية الفريدة ضيعها التفريط في السعي للدين وللدنيا معًا، للعلم وللمعرفة.

(ونستطيع أن نؤكد أن الإسلام وحده هو الذي يمكِّن أن يوجه القلوب هذا التوجيه، ونبي الإسلام صلى الله عليه وسلم وحده هو الذي يمكن أن يهتدي هذا الهدى ويهدي به الآخرين).

وهذا تاريخ الأرض كلها ودساتيرها وأفكارها، أتحدى أن يكون فيه لمحة واحدة تعدل هذه اللمحة أو تصل إلى مجرد الإحساس بها، فاشعروا أنتم بها أيها الأحباب، وعلِّموا الناس، وبينوا لهم حقائق هذا الدين وربوهم عليه بعد أن تربوا أنفسكم وتصنعوها على هذا الهدي.

أيها الأحباب.. أدركوا مقامكم، وقدِّروا موقفكم، واشرحوا لإخوانكم ولجميع المسلمين والمسلمات أن ينشئوا على حب العمل المثمر، والإنتاج المفيد، والعطاء الدائم بغير انتظار لشيء من هذا أو من ذاك، إنما الجزاء هناك في جنة عرضها السماوات والأرض أُعدت للمتقين.

أيها الأحباب.. العمل.. العمل في جميع الظروف وفي جميع الأحوال تنجحوا وتثمر حركتكم على ظهر الأرض؛ إنه العمل المثمر إلى آخر لحظة من لحظات العمر.

ماذا نقول اليوم وأولاد المسلمين يسهرون في الشارع إلى قرب صلاة الفجر، يا حسرة كيف تحولوا إلى هذا الوضع؟!

من الذي حوَّلهم وضَّيعهم؟ وأصبح اللقاء التافه والحديث التافه، والمعاني التافهة هي التي تشغلهم، والله عز وجل ينادينا جميعًا ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)﴾ (التوبة).

هذا هو الركن الأول الذي أقام صلى الله عليه وسلم عليه القلعة، أما الركن الثاني فهو (العبادة) وهي خضوع وحب وإقرار بالوحدانية، ولا بد لها من أمرين، الأول: الالتزام الكامل بما شرعه الله عز وجل، والثاني: أن يصدر هذا الالتزام من قلب يحب الله تعالى، فليس في الوجود كله من هو أجدر من الله تعالى بأن يحب، وكان رسول صلى الله عليه وسلم بمعرفته بربه أشد الناس حبًّا لله، يقول ثوبان رضي الله عنه (كنت أخدم النبي صلى الله عليه وسلم أحضر له وضوءه، فإذا أوى إلى حجرته جلست خارج الباب، فأسمعه صلى الله عليه وسلم يقرأ، ويركع فيطيل الركوع ويرفع فيطيل الرفع، ويسجد فيطيل السجود، ويستغفر فيطيل الاستغفار، ويتوب فيطيل التوبة، وأظل أتابعه وأتابعه، وهو يمضي حتى تغلبني عيني وأنام).

إنه صلى الله عليه وسلم في فهمنا القاصر كسفينة أقلعت من مينائها، وانطلقت فوق صفحة اليمّ ركضًا بأسرع ما يكون كما قال الشاعر:
ركضًا إلى الله بغير زاد إلا التقى وعمل المعاد
وكل زاد عرضة النفاد إلا الهدى والبر والرشاد

إنه لقاء المحبين لا ينتهي حتى يأتي بلال رضي الله عنه، فيخبر النبي صلى الله عليه وسلم بدخول وقت الفجر.

جاء في الحديث القدسي "إن ما تذكرون من جلال الله وتقديسه وتسبيحه يتعاطفن حول العرش، لهنَّ دوي كدوي النحل يذكِرّنَّ بصاحبهن عند ربه"، ثم يقول صلى الله عليه وسلم "ألا يحب أحدكم أن يكون له ما يُذكر به عند ربه"، وقال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: أريد مرافقتك في الجنة، قال صلى الله عليه وسلم "أعنِّي على نفسك بكثرة السجود" وهذا هو الركن الثاني باختصار.

أما الركن الثالث، فهو (المنهج) وهو أعظم منهج إلى يوم القيامة؛ لأنه القرآن العظيم نزل به الروح الأمين على قلب سيد المرسلين، بلسان عربي مبين؛ لينذر من كان حيًّا ويحق القول على الكافرين.

والقرآن الذي بنى عليه النبي القلعة، كركن ركين هو المنهج لكل مسلم ومسلمة، ومؤمن ومؤمنة، قال تعالى: ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾ (الأنعام)، وهو دستور هذه الأمة، وهو روحها، وهو محفوظ بحفظ الله عز وجل إلى يوم القيامة ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ (الحجر)، وفرق بين حفظ الذكر الذي تكفَّل الله به، وتطبيقه وفهمه وتحكيمه، كما أمر الله عز وجل، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥)﴾ (النساء)، ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ (النساء).

وقال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١) وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٥٢)﴾ النور).

والقرآن كتاب الله الخالد، وكل المسلمين يقرءونه ويعرفونه، ويعرفون أنهم مطالبون بالحكم به وبتحكيمه، ولست أدري ما سر هذا السكوت، وهذا النوم الذي طال، حتى أصبحنا لا نطالب بتحكيمه بين الناس، ولقد أفلح المهرِّجون في ملء فراغ الناس بالكرة، وأجهزة الإعلام التي اكتفت بترديد آيات من القرآن وشرحها، وهي تضحك على ذقون المسلمين وتزيدهم إليها.

إن القرآن لم ينزل ليُقرأ فقط، ولا ليُتلى هنا وهناك، ولكنه نزل من عند الله؛ ليسود ويهيمن ويسيطر ويُوجه من خلال المسئولين في الأمة العربية والإسلامية جميعًا، فمهمتهم الأولى أن يحافظوا على القرآن، وأن يحكِّموه فيما بينهم، وفيما بينهم وبين غيرهم؛ لكن للأسف هذا الركن طوى أيضًا، وحل محله الملاهي والاحتفال بمولد السيدة زينب ومولد البدوي والحسين، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

الركن الرابع الذي أقام صلى الله عليه وسلم القلعة عليه (الأمة) التي تحمل الرسالة وتطبقها على نفسها أولاً، ثم تبشر بها الشرق والغرب وتبلغها للناس جميعًا، ولقد بلّغ من سبقونا وأقاموا الحجة وجاهدوا في الله حق جهاده، وهم الذين قال الله لهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)﴾ (الحج).

وكما قال الإمام في تصوره لعمل النبي صلى الله عليه وسلم: إنه أقام سورين، سور حول القلعة وهم الجند المجاهدون في سبيل الله، والخليفة الذي يحرس هذه القلعة، وهو السور الثاني لها.

أما عمل الجند فهو فريضة الجهاد، وهو فريضة لدفع الأذى ورد العدوان، وأما عمل الخليفة فهو العدل بين الأمة والحكم فيها بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن يُنفَّذ فيها شرع الله، كان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يخرج متخفيًا، فيلقاه الناس الذين قدموا من الريف، فيسألهم وهم لا يعرفونه: كيف تركتم العباد؟ فيقولون: تركناهم الظالم بها مقهور والمظلوم منصور، والغني موفور، والفقير مجبور؛ فيقول: هذا كلمات ما أحب أن لي بها الدنيا.

والحق أن هذا ميزان شرع الله، فالظالم لا يقف بجواره أحد ولا يشجعه، وهو مكروه ومبغض، والمظلوم كل الناس يشدون أزره ويعينونه، والغني في ظل الشرع الإسلامي يوسع عليه، والفقير بجبر خاطره.

هذا هو الإسلام في تطبيقاته التي ظلت 1000 سنة أو تزيد، والخليفة يسهر ولا ينام فهو الحارس الأول، وهو الراعي الأول، ولقد ظلت هذه القلعة شاهقة قائمة تضيء للعالم، وتنير الطريق، وتهدي الضال، وترشد الحائر 1000 سنة تطبِّق الإسلام وتنفِّذ تعاليمه، وتحكم بما أنزل الله في الشرق والغرب، وما زالت الآن- رغم جراحها- فوق كل الأمم، ومن أطهرها وأزكاها- رغم جراحها ورغم ما نزل بها- لكن أهل القلعة بعد 1000 سنة ناموا قليلاً، وغفلوا عن الأبالسة والشياطين الذين يتربصون بهم، وفي مقدمتهم اليهود، فما إن نام أهل القلعة حتى هجم هؤلاء على القلعة، ففعلوا فيها الأعاجيب، سيول الجيوش من هنا وهناك تقتل وتذبح، وتدمر وتخرِّب بغير سبب.

وبهجومهم وصل الخط البياني إلى الصفر، ثم ارتفع مرة أخرى بمن يدعو إلى الإسلام بكامله، وللعودة إليه على الأساس الذي كانت عليه القلعة، وهو العقيدة والعبادة والمنهج، والأمة التي تحمل هذا وتجاهد في سبيله، ارتفع الخط البياني مرة أخرى؛ ليعلن أن الإسلام لا يموت، وخاب ظن العلمانيين والشيوعيين، والصليبيين، وكل أشرار الأرض، الذين فرحوا بما نزل بالمسلمين، سمعوا الصيحة تنادي بالعودة إلى عهد القلعة الأول، وإصلاح ما خرب منها.

واستجاب من وفَّقه الله وشرح صدره، واستمع لهذه الصيحة، فلحق بالركب الذي يلاحق المستعمرين والمجرمين والدجالين، وأولهم أعداء الإسلام اليهود؛ لطردهم جميعًا من بلاد المسلمين، وردَّ الحكم إلى شريعة الله؛ لتعود الأيام إلى سابق عهدها، وتأخر من تأخر في اللحاق بالركب المجاهد المضحي، الذي يعطي ولا يأخذ، ويسهر ولا ينام، والأمل في كل من تخلَّف أو قعد أن يدرك الركب المجاهد السائر على سنة الأسلاف، وفوق طريق الصالحين وعلى الصراط المستقيم ﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣)﴾ (الشورى).