بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 11 ديسمبر 2010

المحكمة ترفض وصف النيابة للإخوان بـ"المحظورة"


كتبت- هند محسن:
وقعت مشادَّة كلامية بين المستشار محمود سامي كامل رئيس محكمة أمن الدولة العليا طوارئ وممثل النيابة؛ حول ادِّعائه أن جماعة الإخوان المسلمين "محظورة" ورفضت المحكمة إطلاق هذا اللفظ عليها، متسائلةً: "ومن الذي قام بحظرها؟!".
جاء ذلك أثناء نظر قضية التنظيم الدولي في جلسة اليوم، عندما سأل المستشار كامل ممثل نيابة أمن الدولة العليا: لماذا تطلق على جماعة الإخوان المسلمين لفظ "محظورة"؟، فرد: محظورة طبقًا لحكم قضائي، وبذلك هي تخالف القانون، فسأله كامل مجددًا: من الذي حظرها؟ وأين هذا الحكم القضائي؟، فردَّت النيابة" الحكم موجود، والجماعة تمارس نشاطها بالمخالفة للقانون"، وقاطعته المحكمة: "أين هذا الحكم؟! ولا تطلق لفظ "محظورة" مرةً أخرى دون أي سند قانوني".

ويكيليكس: مبارك (علماني).. ويعتبر الإخوان المسلمين التحدي الأكبر للسلطة

12/11/2010 12:09:00 PM
إعداد - أحمد الشمسي :
كشفت إحدى الوثائق المسربة إلى موقع ويكيليكس أن الرئيس حسني مبارك شخص علماني كلاسيكي يكره التطرف الديني والتدخل في السياسة، ويعتبر الإخوان المسلمين التحدي الأسوأ ليس فقط لسلطته ولكن لرؤيته للمصالح المصرية.
وصدرت الوثيقة من السفارة الأمريكية بتاريخ 19 مايو 2009 وذلك قبل زيارة مبارك إلى الولايات المتحدة بعد تولي باراك أوباما الرئاسة، وتأتي أهمية الوثيقة لكونها محاولة من السفارة الأمريكية لتقديم مبارك لأوباما فأظهرت الوثيقة مزايا وعيوب مبارك، كما قدمت للرئيس الأمريكي المداخل التي يمكن أن يتعامل معها مع الرئيس المصري.
ونقلت الوثيقة، التي حملت عنوان ''زيارة مبارك لواشنطن'' رؤية السفارة الأمريكية لأفكار الرئيس وسياسته ومن هذه الأفكار حرص مبارك على أن تظل مصر الحليف العربي لأمريكا، وأضافت "مبارك ليس له أحد من المقربين أو مستشاريه يستطيع التحدث باسمه لأنه لا يسمح بذلك، كما أنه ترك وزير الداخلية حبيب العادلي والقيادات الأمنية رفيعة المستوى الفرصة للحفاظ، على ما وصفته الوثيقة، بالوحوش المحلية في مكانها".
صحة الرئيس كانت من الأشياء المذكورة في الوثيقة حيث قالت :''صحة مبارك جيدة بالرغم من كبر سنه حيث يبلغ، وقتها، (81 عاما) إلا أنه يعاني فقط بضعف سمع بسيط في إذنه اليسرى''.
"لا أحد يعلم في مصر خليفة الرئيس مبارك، إلا أن المرشح الأكثر ترجيحا هو ابنه الأصغر جمال بالرغم من وجود بعض التحفظات على شخصية جمال من قبل بعض القيادات العسكرية، والتي ستقف حائلا أمام توليه الرئاسة''، وفقا للوثيقة.
وبشأن السياسة الخارجية أشارت الوثيقة أن مبارك كان يعرب عن أسفه بعد الغزو الامريكي للعراق، لكنه كان له وجهة نظر في أن العراق لابد أن يحكمه رجل عسكري قوي.

عمر سليمان حذر إيران من تمويل الإخوان وتوقع تنازل حماس عن السلطة

11/30/2010 11:45:00 AM
إعداد : أحمد الشمسي - تامر الهلالي
أشارت إحدى الوثائق السرية المُسربة إلى موقع ''ويكيليكس'' إلى تصريحات رئيس جهاز المخابرات المصرية الوزير عمر سليمان، خلال الاجتماع الذي انعقد عام 2008 بالسفير الأمريكي في القاهرة فرانسيس ريتشاردوني حيث أبلغه سليمان بأنه إذا سارت المفاوضات بسرعة ربما تضطر حركة المقاومة الإسلامية (حماس) للتنازل عن السلطة في غزة خلال ثلاثة أو أربعة أشهر.
وحول الشأن الإيراني قال سليمان، طبقا للوثائق، :''مصر تعاني من التدخل الإيراني في شئونها الداخلية سواء عن طريق تنظيم القاعدة، حزب الله اللبناني أو جماعة الإخوان المسلمين في مصر، وقد قمنا بتحذير إيران أكثر من مرة، وبالفعل استجاب رئيس المخابرات الإيرانية وأكد أن إيران ستتوقف عن التدخل."
و أضاف سليمان أن مصر ستعمل على الحد من النفوذ الايراني من خلال ''مراقبة عملائها(إيران) سواء في حركة حماس أو جماعة الاخوان المسلمين ومن خلال تحسين العلاقات مع سوريا مما سيكون له دور كبير في تقويض النفوذ الايراني''.
وأوضح رئيس جهاز المخابرات المصرية أن الرئيس حسني مبارك على استعداد للتفاوض مع أحمدي نجاد الرئيس الإيراني في حال توقفت إيران عن التدخل في شئون مصر الداخلية، وأضاف : ''أن المشاكل و الإضطرابات السياسية الحالية المحلية داخل ايران ستفرض عليها محاولة تحسين علاقاتها مع الدول العربية من خلال عدم التدخل في شؤونها الداخلية''، وأرجع ذلك إلى ما حدث خلال الإنتخابات الإيرانية الرئاسية الأخيرة و التي أظهرت عدم قدرة النظام الإيراني على (مجابهة المجتمع الدولي).
وأعرب سليمان عن قلقه من النفوذ الإيراني في العراق مؤكدا، حسب الوثائق، أنه سينتشر بعد إعادة نشر القوات الأمريكية من المدن العراقية والانسحاب في نهاية المطاف معربا عن ثقته بأنه من الممكن إحتواء النفوذ الإيراني إذا تحركت الدول العربية بقوة لدعم العراق.

الاثنين، 25 أكتوبر 2010

وما زالت المؤامرة على العالم الإسلامي مستمرة[21/10/2010]


رسالة من: أ. د. محمد بديع المرشد العام للإخوان المسلمين
بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن والاه.. وبعد؛
الصهاينة وراء أخطر مشروعات التقسيم في القرن العشرين:
كان من أسباب غزوة الأحزاب التي تجمعت فيها قبائل العرب المعادين للإسلام بقيادة قريش لاستئصال هذا الدين وأتباعه؛ خروج وفد من يهود المدينة المنورة برئاسة- حيي بن أخطب- إلى مكة وغيرها من ديار الجزيرة العربية، ليحرض قريش والقبائل الأخرى على قتال المسلمين وحصارهم والقضاء عليهم.

نفس الدور قام به "د. برنارد لويس" في هذا القرن، وهو صهيوني التوجه "أمريكي الجنسية" إنجليزي الأصل، ويعمل أستاذًا في جامعة "برنستون" الأمريكية، ومتخصص في تاريخ الطوائف الإسلامية ومشهور بعدائه للإسلام والمسلمين، وقد قدم مشروعه لتقسيم الدول الإسلامية، واعتمدته إنجلترا وأمريكا أساسًا لسياستهما في المنطقة منذ عام 1980م.

* وفي أثناء الحرب العراقية الإيرانية صرَّح مستشار الأمن القومي "بريجنسكي" في عهد الرئيس الأمريكي "ريجان"، أن المعضلة التي ستعاني منها الولايات المتحدة من الآن (1980م)؛ هي كيف يمكن تنشيط حرب خليجية ثانية تقوم على هامش الخليجية الأولى تستطيع أمريكا من خلالها تصحيح حدود "سايكس- بيكو"؟!.

* عقب إطلاق هذا التصريح بدأ "برنارد لويس" وضع مشروعه الشهير الخاص بتفكيك جميع الدول العربية والإسلامية، وتفتيت كل منها إلى مجموعة من "الكانتونات" والدويلات العرقية والدينية والمذهبية الطائفية.. وقد أرفق بمشروعه المفصل مجموعة من الخرائط المعدة تحت إشرافه، تشمل جميع الدول الإسلامية والعربية المرشحة للتفتيت بوحي من تصريح "بريجنسكي".

* في عام 1983م وافق الكونجرس الأمريكي بالإجماع في جلسة سرية على مشروع "برنارد لويس"، وبذلك تم تقنين هذا المشروع واعتماده وإدراجه في ملفات السياسات الأمريكية الإستراتيجية، ومنذ ذلك التاريخ بدأ الترويج لفكرة النظام الشرق أوسطي؛ ليحل محل النظام الإقليمي العربي والإسلامي الراهن، وينزع العرب نزعًا من عروبتهم وإسلامهم.

مشاريع الهيمنة تتوالى على العالم الإسلامي
وفي ظل ضعف الأنظمة العربية، فإن قوى الهيمنة أخذت تتلاعب بمصير الأمة، وتتحايل على تكريس انفراطها وطمس هويتها، فكانت فكرة الشرق الأوسط الجديد تارة والكبير تارة أخرى من تلك الصياغات المفخخة التي تستهدف الهوية العربية والإسلامية للأمة، وتفتح الباب لإقحام الكيان الصهيوني وتعزيز شرعيته كدولة في المنطقة.

"الشرق الأوسط الجديد" فكرة صهيونية أطلقها "شيمون بيريز"، و"الشرق الأوسط الكبير" تطوير أمريكي لها دعت إليه إدارة الرئيس بوش بعد أحداث 11 سبتمبر، وبعد ذلك ظهرت فكرة الشراكة الأورومتوسطية لتشكل بابًا آخر من أبواب الغواية، وأخيرًا خرج علينا الرئيس الفرنسي ساركوزي في عام 2007م بمشروعه "الاتحاد من أجل المتوسط" الذي ضم 43 دولة، بينها 9 دول عربية، بالإضافة إلى الكيان الصهيوني.

لماذا بدأت مؤامرة التقسيم بالسودان؟
يعتبر السودان هو أكثر الدول العربية امتدادًا في جسد إفريقيا، وقد أعطته هذه الميزة بُعدًا إستراتيجيًّا عبر التاريخ وعبر الحاضر، فهو المعبر العربي والإسلامي إلى إفريقيا سياسيًّا وجغرافيًّا وحضاريًّا، وهو الجسر الذي تتعاون فيه الحضارتان الإسلامية والإفريقية بسبب موقعه الجغرافي، وبحكم تكوينه السكاني؛ حيث يتشكل السودان من أعراق متعددة يندمج فيها الجنس العربي والإفريقي؛ ومن ثم فإن الدعوة إلى تقسيم السودان المدعومة غربيًّا وصهيونيًّا ستمثل سدًّا منيعًا بين العالم الإسلامي والعربي وشعوب القارة الإفريقية؛ حيث من المعلوم تاريخيًّا أن أرض السودان منذ دخلها الإسلام هي الجسر الذي تعبر عليه الثقافة العربية والإسلامية إلى معظم الدول الإفريقية، وقيام تلك الدولة الجنوبية سوف يهدد هذا التواصل.

كما أن الغرب يتوقع- إذا ما انقسم السودان- أن يُحدِث انقلابًا خطيرًا في الوضع الإستراتيجي في المنطقة المحيطة به وفي وسط إفريقيا ومنطقة القرن الإفريقي، وفي السيطرة على البحر الأحمر.

التحضير لانفصال الجنوب
في أثناء زيارته للسودان، أعلن نائب الرئيس الأمريكي (جون بايدن) عن عزم الولايات المتحدة للاعتراف بدولة جنوب السودان إذا ما انتهت نتائج الاستفتاء على تقرير المصير إلى الانفصال، واكتملت الصورة بالتصريحات الروسية والصينية التي لا تخلو من دلالة على توافر الغطاء الدولي للانفصال، وأن الأمريكان والصهاينة حريصون على ذلك؛ حتى ولو لم تأتِ النتيجة على هواهم، وهذا ما حدث في العراق، ويجهز مسرح أحداث دول أخرى لنفس السيناريو، ولعل تصريح أوباما الأخير بأنه إذا لم يتم الاستفتاء فسيكون هناك الملايين من القتلى، وكأنه يحضر لمجزرة كبرى في الجنوب.

لقد أكدت صحيفة (واشنطن تايمز) أن أمريكا تقدم دعمًا ماليًّا سنويًّا، يقدر بمليار دولار للجنوب السوداني، وإن هذه المبالغ الضخمة تصرف في تدريب رجال الأمن، وتشكيل ما وصفه بجيش قادر على حماية المنطقة.

تحديات ما بعد الانفصال
هناك العديد من التحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية يُتوقع حدوثها منها:
1- حرب بين الشمال والجنوب بسبب الاختلاف على ترسيم الحدود في منطقة "آبيي" الغنية بالبترول، والتي لم تحسم بعد.
2- أن تسرى عدوى الانفصال من الجنوب إلى حركات التمرد في دارفور، وجنوب كردفان والنيل الأزرق وربما شرق السودان.
3- ازدياد الضغوط الدولية على السودان في مجالات التعامل مع المحكمة الدولية الجنائية، ورعاية حقوق الإنسان بقصد الضغط على الحكومة حتى تستجيب لمطالب حركات التمرد الأخرى.
4- تقلص نصيب حكومة السودان من عائدات بترول الجنوب، والتي يبلغ حاليًّا 80%؛ ما يسبب مشاكل كبيرة لشمال السودان.
5- الخطر المائي حيث إن حصة مصر من مياه النيل تبلغ 55 مليار م3، مقابل 18 مليار م3 للسودان؛ وهو الأمر الذي ترفضه حركة التمرد في جنوب السودان، وترى أن حصة مصر كبيرة؛ ولذا تطالب باتفاق جديد، بجانب أنها تريد بيع مياه النيل والاستفادة منها، وسوف تسعى- بدعم صهيوني وأمريكي- إلى إقامة السدود لحجز المياه والتحكم فيها؛ الأمر الذي قد يسبب لمصر خسارة كبيرة، وخاصة بعد أن أصبحت مهددة بالدخول في دائرة الخطر المائي وحرب المياه.

ثم ماذا بعد الجنوب السوداني؟
سيكون انفصال الجنوب الخطوة الأولى في مشروع تغيير خرائط المنطقة، ولكي لا يبدو الأمر وكأنه مجرد مؤامرة صهيو-أمريكية قديمة، فإن العمل على قيام دويلة فلسطينية سيكون جزءًا من مشروع تغيير الخرائط، كي يكتسب فيها الكيان الصهيوني شرعية وجود، ويسمح للصهاينة بالانخراط في كل شئون المنطقة، وهذا يعني أن مصطلح الصهاينة الأعداء يُراد له أن يغيب ليظهر مكانه دولة يهودية مقبولة ومعترف بها في المنطقة.

إن إعادة تقسيم فلسطين بعد ظهور دولة جنوب السودان يمكن أن يضفى شرعية تلقائية على إمكانية تقسيم العراق كخطوة تالية، وقبله أو بعده؛ فإن محاولة فصل الجنوب اليمني عن شماله قد يكتسب زخمًا سياسيًّا أكبر، وما دام يشعر الجميع بأنه يمكن التعايش مع ظهور كيانات جديدة فإن العدوى يمكن أن تنتقل لتشمل دولاً أخرى.

ويبقى الأمل في نصر الله
على الرغم مما يحدث للمسلمين في السودان وفلسطين والعراق واليمن وكشمير والصين والشيشان وغيرها من بقاع الأرض؛ فإن ثقتنا ويقيننا في نصر الله يُهِّون علينا ذلك، ويدفعنا إلى العمل بجد ونشاط للأخذ بأسباب النصر، فالله تعالى يقول: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد: من الآية 7)، والوحدة العربية الإسلامية الآن هي الحل الوحيد، ليتمكن المسلمون من الدفاع عن دينهم ومقدساتهم وأنفسهم وأعراضهم، وأوطانهم وثرواتهم، وحتى يستطيعوا أن يعيشوا ويواجهوا التكتلات العالمية السياسية والعسكرية والاقتصادية، وطغيان النظام العالمي الجديد، فبالوحدة يستعيدون هيبتهم وتفوقهم الحضاري، ويكون لهم الثقل الدولي الكبير الذي يمكنهم من صد الهجمات الشرسة المتتالية عليهم؛ لأننا نرى تداعي الأكلة على قصعتنا، باعتبارنا فريسة سهلة بسبب تفككنا، فهيا نتحد ونتعاون بدءًا من الشعوب، فهي صاحبة الكلمة، ثم لننتظر وعد الله لنا بالنصر والتمكين ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ (55)﴾ (النور)، ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ (51)﴾ (غافر)، ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (الأنفال: من الآية 30)، ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36)﴾ (الأنفال).

﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: من الآية 21)

الأحد، 10 أكتوبر 2010

الجمعة -10-9-2010م-أحب الناس الى الله - عفت.amr

الجمعة 27-8-2010- لوكانت الهمة رجلا - قصة الرجل العاقل.amr

الجمعة 20- 8 - 2010 من ترك شيئا لله عوضة الله خيرا - قصة صياد السمك.amr

هذا كتابنا ينطق بالحق وهذا قرآننا المعجزة الخالدة دستور العالمين[10/10/2010


بقلم: الشيخ/ محمد عبد الله الخطيب
في هذا المقال بيان لبعض خصائص القرآن، وأيضًا بيان لخصائص الإعجاز القرآني، وأنه معجزة دائمة خالدة وصدق من قال (القرآن دستورنا).. يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ (الفرقان) وقال سبحانه: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ (٨٧)﴾ (ص)، وقال جل شأنه: ﴿كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ (الأعراف)، وقال سبحانه: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ (٧٨) لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (٨٠)﴾ (الواقعة)، وقال تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١)﴾ (إبراهيم).

لهذا وضع المسلمون جميعًا هذا الكتاب المقدَّس في مكانته، وعرفوا له منزلته وقدسيته، وأدركوا حقه عليهم أن ينزلوا على حكمه، وأن يحكِّموه بينهم وبين البشرية، وأن يُقدموه ويُظهروه ويُعظموه، فإذا جاء أي شخص مهما كان وفي أي مكان على ظهر الأرض، وحاول أن يُسيء إلى ما عظَّمه الله عزَّ وجلَّ، فإن المسلمين جميعًا يعتقدون أن بشرًا ما لا يستطيع أن ينال منه، بل هو في الواقع يهين نفسه، وينال من آدميته.. قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ (التوبة)، وفي هذا الحديث الذي رواه الإمام علي بن أبي طالب ما يبين بعض هذه الخصائص: عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ألا إنها ستكون فتنة، قلت: وما المخرج منها يا رسول الله؟! قال: كتاب الله.. فيه نبأ من قبلكم، وخبر من بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل، ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضلَّه الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم تنتهِ الجن إذ سمعت به حتى قالت: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢)﴾ (الجن)، من قال به صدق، ومَن عمل به أجر، ومن حَكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم".

ولقد تأكد على مرِّ الأزمات والعصور أن القرآن الكريم هو المعجزة الخالدة التي أنزلها الله على سيد الخلق صلى الله عليه وسلم.. يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله: "بقيت الأدلة تتجدد على مر الزمن شاهدة بأن القرآن حق، وأن محمدًا صلى الله عليه وسلم حق، وأن الإسلام العظيم حق ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣)﴾ (فصلت)، وتمر القرون بعد القرون والعصور بعد العصور لتُشهد الناس على أنه ليس بعد التوحيد عقيدة، ولا بعد الإسلام شريعة، ولا بعد محمد صلى الله عليه وسلم نبوة، ولا بعد هديه هدي، ولا بعد البصائر التي أنارت العالمين شيء يستنير به العالمون".

ويقول الشيخ محمد أبو زهرة رحمه الله: "بعث الله كل نبي من الأنبياء بمعجزة تُشده لها العقول وتقف عندها القدرة البشرية فتعجز عن الإتيان بمثلها، وتحمل من أنار الله بصيرته على الإذهان والتسليم والإيمان والاطمئنان".

إن كل معجزة كانت تناسب الزمن الذي بعث فيه النبي عليه السلام، فموسى عليه السلام كان السحر قد تقدم في عصره، فكانت معجزته في العصا الفرق بينه وبين السحرة أن عصاه تتحول إلى حية حقيقية تبتلع عمل الذين سحروا أعين الناس، ولم يغيروا حقيقة حبالهم وعصيهم التي بأيديهم، فلما رأوا ما عند موسى عليه السلام كان السجود والإذعان والإيمان؛ لا بموسى، ولكن برب موسى، وتحمَّلوا في سبيل ذلك ما نقلهم النقلة الخالدة العظيمة.. يقول ابن عباس رضي الله عنهما "أصبحوا سحرة، وأضحوا شهداء، وأمسوا يرتعون في الجنة".

ومعجزة سيدنا عيسى عليه السلام كانت لأقوام خضعوا للمادة، ولم يعترفوا بغيرها، فكانت معجزته لإثبات ما وراء المادة، بل إن ولادته نفسها كانت من هذا النوع، وقال وهو في المهد: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١)﴾ (مريم).

ولكن المعجزة الخالدة للقرآن الكريم لم تكن من هذا النوع، بل كانت أمرًا معنويًّا تتأمله العقول والأفهام، وتتعرفه المدارك البشرية في كل الأزمان، ولم يفقد حجيته، ولم يزل إعجازه كرّ الغداة ومرّ العشي.

وهنا قد يثور سؤال في الأذهان: لماذا كانت معجزة سيد الخلق صلى الله عليه وسلم معنويةً خالدةً ومعجزة الأنبياء قبله حسية موقوتة؟!

يقول الشيخ محمد أبو زهرة رحمه الله في الإجابة عن هذا التساؤل: "إن الجواب عن ذلك مشتق من شريعة محمد ذاتها ومن حقيقة القرآن الكريم؛ فشريعة محمد خالدة باقية، خوطبت بها الأجيال من مبعثه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وقد خوطب بها الناس جميعًا في كل الأرض مهما اختفت أجناسهم وتباينت أقاليمهم، وتضاربت عاداتهم، فكان لا بد أن تكون معجزة النبي متفقةً مع هذا العموم ومتلائمةً مع هذا الخلود".

إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحمل رسالة الإنقاذ والحياة للبشرية كلها، للأحمر والأسود والأبيض، على اختلاف لغاتهم ولهجاتهم وثقافاتهم، يقول صلى الله عليه وسلم: "وكان كل نبي يبعث إلى قومه خاصةً، وبعثت إلى الناس كافةً" قال تعالى: ﴿(١٠٦) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ (الأنبياء).

والقرآن الكريم بحر لا شاطئ له، متدفق، يعطي الجميع، وهو نور للبصائر والأبصار، وفي متناول جميع الخلق على اختلاف ألسنتهم وألوانهم، وللأسف فإن البعض ممن طمس الله على بصيرتهم ليتهم يعرضون عنه لكنهم يأبون إلا أن يلمزوه.

وهذا صنف قديم له امتداد مع الزمن، قال الله عزَّ وجلَّ في شأنهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَـكِن لَّا يَعْلَمُونَ (١٣)﴾ (البقرة).

إن معجزة محمد صلى الله عليه وسلم خالدة باقية، تُرى وتُتلى إلى يوم القيامة، يعلم حقيقة القرآن من التقى بالنبي صلى الله عليه وسلم وعاينه وخاطبه، ومن جاء بعد عصر الرسول بعشرة قرون، بل بعشرات القرون، ولقد حفظه منزِّله في الأجيال كما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ (الحجر).

ونبادر بالقول للذين يفهمون أن حفظ الذكر هو تطبيقه والحكم به، إن تطبيق الذكر كدستور للحياة يحتاج إلى جهد بشري صحيح يُقتدى فيه بالنبي صلى الله عليه وسلم، ومن جاء من بعده، من التزام كامل به، وجهاد دائم في سبيل تطبيقه وهيمنته.

أما حفظه كنصوص فنحن في عالم الواقع المشاهد ننظر من خلال القرون إلى نفاذ وعد الله الحق بحفظ هذا الذكر، فنرى من الشواهد الكثير، فقد مرت بالمسلمين محنٌ شديدةٌ قاسيةٌ كالتي تمر بها اليوم، وتنقل إلينا الأنباء أنهم في أمريكا يحاولون إحراق المصحف، ثم يأتي التلبيس بأن الذي يحاولون حرقه ليس هو المصحف، ثم يأتي التلبيس الأكبر بمن يشكك في بعض الآيات، وغفل ونسي ما يجب أن يعلمه القاصي والداني أن هذا البنيان من عند الله، وكل آية نزلت على قلب سيد الخلق كان يقول لمن حوله من الصحابة من كتَّاب الوحي: "اجعلوها في سورة كذا، في مكان كذا"، فهو بنيان شيَّده الرب سبحانه وتعالى، ونفَّذه المعصوم صلى الله عليه وسلم كلمةً كلمةً وآيةً آيةً، ووضعه لبنةً لبنةً في كل سورة في مكانها، وكل آية في مكانها، كلٌّ بتوجيه من الخالق سبحانه وتعالى لا دخل للبشر فيه، ولأنه بنيان ليس من صنع البشر بل من عند الله فإن الله عز وجل يحفظ دينه ويحفظ الدستور الخالد والبناء الباقي، حتى أهل الجنة، يقال يوم القيامة لقارئ القرآن: اقرأ وارتق ورتل كما كنت تفعل في الدنيا إلى أن يقف عند آخر آية يحفظها فيقال له: هذه درجتك وهذا مكانك.

يقول بعض المفسرين حول هذه الآية: "نرى أن الأحوال والظروف والملابسات والعوامل التي تقلبت على هذا الكتاب في خلال هذه القرون ما كان يمكن أن تتركه مصونًا محفوظًا لا تتبدل فيه كلمة، ولا تحرف فيه جملة، لولا أن هنالك قدرةً خارجيةً عن إرادة البشر أكبر من الأحوال والظروف والملابسات والعوامل، تحفظ هذا الكتاب من التغيير والتبديل، وتصونه من العبث والتحريف".

عقبات
العقبة الأولى: الحكام الذين استساغوا أن يحكموا الأمة بغير القرآن، بينما في القرآن الدستور الإسلامي يوم أن طبق امتلأت الدنيا عدلاً ونورًا، وها هو عمر بن عبد العزيز يضرب مثلاً راقيًا للحاكم المسلم الملتزم، كان يخرج أحيانًا فيسأل القادمين من خارج العاصمة فيقول لهم: كيف تركتم البلاد؟ فيقولون: تركناها الظالم بها مقهور والمظلوم منصور، والغني موفور والفقير مجبور، فيقول رضي الله عنه: "هذه كلمات ما يسرني أن لي بها الدنيا"، والحق أن هذا هو الإسلام، الظالم والمعتدي لا مكان لهم، والمظلوم الجميع ينصرونه ويقفون إلى جواره ويساعدونه حتى يسترد حقه.

بلغ من عظمته رضي الله عنه أن امرأةً في الجيزة فقيرة عجوز جدار بيتها قصير ودجاجها يهرب منها، واللصوص يقتحمون هذه الحوائط، فلم ترسل هذه المرأة لحاكم مصر، لكنها أرسلت مباشرةً إلى الخليفة تخبره بهذا الأمر، فأرسل إلى والي مصر وصلتني رسالة من فرتونة السوداء تقول فيها إن حوائطها قصيرة ودجاجها يهرب منها واللصوص يتسوَّرون هذه الحوائط فقم من الحال وابحث عنها وأمِّن لها دجاجها وابنِ لها الحوائط وأخبرني.

فقام من فوره وأخذ يبحث عنها ويبحث عن اسمها حتى عثر عليها فإذا هي امرأة سوداء عجوز، فقوَّى لها حوائطها وأمَّن لها دجاجها، ثم أرسل إلى الخليفة يخبره بما فعل.

حتى الحيوان في ظل الشريعة الإسلامية لا يُظلم ولا يُحمَّل ما لا يطيق، فهذا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أمر أن كل رجل يحمِّل دابته أكثر مما تطيق يحاسَب ويُحبس إذا فعل ذلك.

جاءته رضي الله عنه هدية من شرق الأردن فقال: على أي شيء أحضرتموها، قالوا: حملناها على دواب البريد.

فقال: لقد ظلمتموها، وليست هذه مهمتها، وأمر ببيع هذه الهدية وشراء علف للتعويض عما نالها في حمل الهدية.

هذه الأمثلة تملأ التاريخ الإسلامي من أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم الخلفاء الراشدين، ثم بعد ذلك في الدولة الأموية والدولة العباسية والدولة العثمانية على اختلاف في التطبيق، ثم جاء اليوم الذي ظهر فيه الشيوعيون والعلمانيون والملحدون؛ الذي يكرهون الشريعة الإسلامية وبيدهم أقلام مخرِّبة يصدون بها عن سبيل الله ويبغونها عوجًا، فألفوا مساوئ للشريعة الإسلامية ما أنزل الله بها من سلطان، بل هي أباطيل وأضاليل وتلفيق؛ حتى نفر البعض من العودة إلى دين الله وإلى منهجه.

وأقول لهؤلاء وغيرهم الذين صنعوا بالكذب هذه العقبات: إن الله عز وجل يدافع عن دينه ويدافع عن المؤمنين ويكره كل مختال يدعو إلى الباطل ويحارب دين الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (٣٨)﴾ (الحج).

العقبة الثانية: قعودنا وتصبرنا واستسلامنا للباطل.. لقد قعدنا نحن عن نصرة هذا الحق، وأصبحت عقيدة الإسلام مجمدةً بدون حركة، والشريعة الغراء معطَّلة بدون عمل، والمجتمعات راكدة بدون ثقافة، وأمة متفرقة بدون كيان، وأصبحنا حقيقةً نعيش في زمان ضعفنا فيه عن حماية أنفسنا، وعن حماية عقيدتنا وعن حماية أخلاقنا، وعن حماية عقولنا وإدراكنا، وأصبحنا كلأً مباحًا لكل معتد أثيم، وبدل أعداؤنا علينا كل معروف، وأحلوا مكانه كل منكر من القيم والموازين والتعرِّي من كل خصائص الإنسان وردّه إلى حياة الغابة، حياة البغي والانحراف والظلم.

ووضع التطور والتقدم لهذه الأمراض التي أوردناها تحت عناوين برَّاقة مثل: (الانطلاق) و(التحرر) و(التجديد) و(التحديث)، وكل الألفاظ والعبارات التي لا معنى لها، حتى انطبق على أكثرنا هذا الحديث النبوي المعجز في ألفاظه وفي معانيه، يقول صلى الله عليه وسلم: "يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا: أومن قلة نحن يومئذٍ يا رسول الله؟ قال: لا، إنكم يومئذٍ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله المهابة من قلوب أعدائكم وليقذفن في قلوبكم الوهن، قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت".

ومن العقبات التي عطلت الإقبال على الإسلام: إغلاق باب الاجتهاد والتجديد الصحيح في الحياة الإسلامية، وأحيانًا تحجر على بعض العقول أن تعمل في مجال التفكير، وجعلوا الشريعة- كما يقول ابن القيم- قاصرةً ألا تقوم بمصالح العباد محتاجة إلى غيرها.

بينما التفكير فريضة إسلامية، والنظر في الكون والتأمل والاختراع والابتكار كلها فرائض، قال تعالى: ﴿قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ (يونس) ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾ (آل عمران).

والرسول صلى الله عليه وسلم حين أرسل معاذًا إلى اليمن قال له: يا معاذ، بم تحكم إذا عرض لك قضاء؟ قال: بكتاب الله قال: فإن لم تجده في كتاب الله؟ قال: بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فإن لم تجده في سنة رسول الله؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو (أي لا أقصر)، فضرب النبي صلى الله عليه وسلم صدره وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله إلى ما يرضي الله ورسوله.

وقد حبب الرسول صلى الله عليه وسلم في الاجتهاد، فذكر أن المجتهد إذا أخطأ فله أجر، وإذا أصاب فله أجران.

إن أعداء الإسلام كانوا- وما زالوا- من أحرص الناس على تغيير هذا الدين أو تبديل نصوص القرآن الكريم، ولو كانوا يستطيعون، وقد ثبت- كما تبينا- أن هذا الأمر مستحيل على بشر أن يغيِّر أو يبدل او يأتي بآية أو سورة أو كلمة أو حرف حتى من مثل هذا القرآن، وقد تحدَّى القرآن على هذا الإنس والجن والشياطين، قال تعالى: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ (الإسراء).

والمؤسف أن البعض من المسلمين- أو من غيرهم- لم يعرفوا إلى الآن أن في حفظ القرآن وتطبيق الشريعة الإسلامية الحياة الطيبة والسعادة والاستقرار والشفاء من أمراض القلوب، بل ومن أمراض الأبدان وإشاعة العدل بين جميع الناس والحب والتعاون بين الأمة كلها.. لا فرق فيها بين مسلم وغير مسلم، كما بينا من سيرة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه.

وإن الرسول صلى الله عليه وسلم يوم أن هاجر إلى المدينة كان من أول ما بدأ به العمل على استقرار أهل المدينة بجميع طوائفهم، فكان دستور المدينة المحفوظ إلى اليوم في كتب السيرة، وفيه وضع النبي صلى الله عليه وسلم لكل طائفة حقوقها، وبيَّن الواجبات عليها، وحرَّم القتل والبغي والعدوان، وأقام الوحدة الوطنية بمعناها الحقيقي، حتى إنه صلى الله عليه وسلم ردَّ مسلمًا كان يستعد للذهاب إلى غزوة خيبر مع المسلمين؛ لأن يهوديًّا من تجار المدينة له دين، فقال له صلى الله عليه وسلم: "لا تخرج معنا حتى تؤدي الدين إلى صاحبك"، والمسلم عرض على اليهودى أنه حين يرجع من خيبر سيعطيه من سهمه هذا الدين، فقال له اليهودي: وما الذي يضمن لي أن تعود من خيبر؟ واشتكاه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأصدر النبي صلى الله عليه وسلم هذا القرار، فجلس المسلم في طريق المدينة يبكي، ومرت عليه مسلمة فسألته: ما يبكيك؟ قال: دين عليَّ، وأنا عاجز عن سداده والنبي صلى الله عليه وسلم منعني من الخروج معه إلى خيبر، فقالت له المرأة المسلمة: انتظر مكانك حتى آتيك، وذهبت إلى بيتها وكان زوجها قد استُشهد قريبًا وترك ثيابًا، فأحضرتها، وقالت له: خذ هذه الثيات فالبس بعضها وبِعْ بعضها وسدِّد دينك، ثم تخرج مع المسلمين، ففرح الرجل وسدَّد دينه، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم، فأذن له بالخروج.

هذا واقع سكان المدينة بفضل الإسلام الذي طبِّق، وبفضل الوحدة الوطنية التي أقامها صلى الله عليه وسلم، وهي الوحدة الوطنية الحقيقة الخالصة الصادقة، في المساواة في الحقوق والواجبات، لا مجاملات ولا قرابة، بل الكل يعمل، والجميع عرفوا طريقهم الصحيح بفضل الشريعة الإسلامية وتطبيقاتها والبركات التي حلَّت، والفيوضات التي نزلت، والرحمات التي أحاطت بالجميع، الذين عاشوا في أمن وأمان.

ونقول لمن يتلاعب بهم الشيطان، ويدعوهم إلى العبث: إن المسلمين يحترمون جميع الأديان التي نزلت، ويؤمنون بها ويقولون: نحن نؤمن بنوح عليه السلام، ونؤمن بموسى عليه السلام، ونؤمن بيوسف عليه السلام، ونؤمن بعيسى عليه السلام، ونؤمن ونصدق بمحمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين، ونحبهم جميعًا ونثني عليهم جميعًا، ونوقرهم جميعًا، ونعتقد أنهم جميعًا أدَّوا الرسالة، وبلَّغوا الأمانة، ونصحوا الأمم التي بعثهم الله إليها، كما أمرهم الله عز وجل.

وصدق الله العظيم ﴿رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّـهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّـهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥)﴾ (النساء).

ويقول الحق سبحانه في أخذه العهد والميثاق على جميع النبياء والرسل أن يؤمنوا ويصدِّقوا برسول الله محمد صلى الله عليه وسلم وأن ينصروه ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّـهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ (٨١)﴾ (آل عمران).

اللهم قنا شر الفتن، ما ظهر منها وما بطن، ووحِّد بين صفوف هذه الأمة، وقوِّ رابطتها، واهدها السبيل، وأعنا على العودة إلى شريعتك، واشرح صدورنا بفيض الإيمان بك وجميل التوكل عليك.. إنك نعم المولى ونعم النصير.
--------
* من علماء الأزهر الشريف.

السبت، 9 أكتوبر 2010

المرشد العام يعلن موقف الجماعة من الانتخابات


بسم الله الرحمن الرحيم
كلمة فضيلة الأستاذ الدكتور محمد بديع المرشد العام للإخوان المسلمين
في المؤتمر الصحفي للإعلان عن موقف الجماعة من انتخابات مجلس الشعب 2010م
"مشاركة لا مغالبة"
الإخوة والأخوات.. أيها الشعب المصري الكريم.. أيها الإخوان المسلمون..
سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.. وبعد..
ففي هذه اللحظات المهمة، التي تحياها مصرنا الحبيبة..
ونحن على أعتاب مرحلة مفصلية من تاريخنا الحديث..
ونحن على أبواب انتخابات برلمانية ينتظرها العالم كله..
ونحن أمام مسئولياتنا وواجباتنا تجاه وطننا الحبيب..
ونحن أمام حالة من الفساد والاضطراب غير مسبوقة في تاريخ مصر..

ولذا كان لا بد للإخوان المسلمين أن يعلنوا موقفهم من المشاركة في انتخابات مجلس الشعب القادمة؛ ذلك لأن الإخوان المسلمين لم يكونوا في يوم من الأيام ليتأخروا عن تلبية نداء مصر، باذلين لله في سبيلها كل ثمين وغالٍ، وفي التاريخ تأكيد وبرهان على ذلك، وهذا ليس ادِّعاءً ولا تزيدًا، ولكنه واقع ملموس يراه كل مخلص محبّ لهذا البلد، وكل قارئ محايد لتاريخ مصر؛ فالإخوان المسلمون جزءٌ من النسيج الوطني والقومي لمصر، لا يمكن تجاوزه أو إنكاره ولا المزايدة عليه.

الإخوة والأخوات..
تعظيمًا للمؤسسية والشورى التي تنتهجها جماعة الإخوان المسلمين عبادةً وخلقًا، فقد تمَّ استطلاع آراء مجالس شورى الإخوان بالمحافظات، ومكاتبها الإدارية التي وافقت جميعها على المشاركة، وكذلك ذوي الرأي والفكر، ثم تم عرض الأمر على مجلس الشورى العام الذي اتخذ قرارًا بالمشاركة في انتخابات مجلس الشعب القادم 2010م في حدود 30% من المقاعد الكلية لمجلس الشعب؛ إعمالاً لحقنا الدستوري والقانوني والشعبي.

وسيقوم الإخوان بكل محافظة بإعلان تفاصيل المرشحين وأعدادهم، والدوائر التي سيدخلون الانتخابات بها، وفقًا لظروفهم المحلية، وتماشيًا مع قرار مجلس الشورى العام الذي نعلنه اليوم وهو كالآتي:
• وافق 98% من أعضاء مجلس الشورى العام على المشاركة في الانتخابات.
• وافق 86% من أعضاء مجلس الشورى العام على أن تكون نسبة المشاركة في حدود 30% من إجمالي عدد المقاعد.
• وافق 96% من أعضاء مجلس الشورى العام على الدخول في المنافسة على مقاعد المرأة.
• وافق 88% من أعضاء مجلس الشورى العام على مشاركة كل المحافظات في الانتخابات. وسوف يتم الإعلان عن الرقم النهائي للمرشحين بعد مرحلة الطعون؛ بما يحقق المصلحة العامة وبعد التنسيق مع الأحزاب والقوى السياسية والمستقلين.

الإخوة والأخوات..
إننا حين اتخذنا قرارنا بالمشاركة في هذه الانتخابات؛ فإننا أردنا بذلك إعلاء قيمة الإيجابية في المجتمع، وضرورة ممارسة الشعب لحقوقه الدستورية والقانونية، والتصدي للفاسدين والمفسدين، وعدم ترك الساحة السياسية مجالاً خصبًا لهم بدون حسيب ولا رقيب، وتعظيمًا للإرادة الشعبية للأمة، وترسيخًا لسنة التدافع ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾.

ولقد تباينت الآراء وتعدَّدت الرؤى في المرحلة الأخيرة بين القوى الوطنية حول جدوى المشاركة في هذه الانتخابات، وبخاصة مع عدم تحقيق النظام الحدَّ الأدنى للمطالب التي دعت إليها جميع القوى السياسية، كضمان لنزاهة العملية الانتخابية، وهنا أودُّ تأكيد ضرورة احترام كل فصيل سياسي آراء وقرارات الفصيل الآخر، وألا ننسى دورَنا في مواجهة الفساد والمفسدين، وننساق نحو مهاجمة بعضنا بعضًا، وتفنيد سلبيات موقف كل قوة من القوى.

وإنه لمن الضروري أن تتوحَّد الجهود المخلصة لمواجهة كل فاسد والأخذ على يديه؛ لتحقيق ما فيه الخير لمصر والمصريين، وهذا لن يتحقق بالتناحر والتنابز، وإصرار كل صاحب رأي على رأيه ورفضه الآراء الأخرى، فلنتعاون فيما اتفقنا عليه، وليعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه، ولنغلِّب جميعًا الصالح العام، ولنعمل على نصرة وطننا وتقدِّم أمتنا، كلٌّ حسب مبادئه وآرائه وقرارات مؤسساته الشورية.

رسالة للقوى السياسية
إن المعركة الحقيقية للإصلاح بيننا جميعًا، كقوى سياسية وطنية، وبين المستبدين والمزورين، فلا نريد أن ننقل المعركة إلى تلاسن بيننا وتسابُق في نقد ودحْضِ كلٍّ منا مواقف الآخر.

ولقد أكدت لكل من التقيتهم- من ساسة وقادة أحزاب وقوى سياسية- ضرورة الرجوع إلى قواعدهم والنزول على رأيهم ومطالبهم، سواء بالمشاركة أو المقاطعة، وهذا هو جوهر المشاركة السياسية وحقيقتها.

إن توحُّدنا جميعًا كقوى سياسية في وجه الاستبداد الذي يستأثر بالعملية السياسية عنوة؛ هو أعظم طريق وسبيل لمواجهته، وفضح ممارساته، وإرغامه على احترام إرادة الأمة ونزوله على رأي الشارع المصري.

فلنجعل من يوم الانتخاب يومًا للإيجابية، ولنزرع في مواطنينا روح الإيجابية والتفاعل مع الأحداث والمحافظة على حقوقهم، وليخرج كل مواطن كي يقول رأيه بحرية تامة، وفقًا لما يمليه عليه ضميره، وليعلم قيمة صوته وأنه أمانة، فلا يتركه للمزوِّرين وأعوانهم ليتلاعبوا به.

رسالة للشعب المصري
إننا ندعو الشعب المصري الكريم إلى أن يقوم بدوره في اختيار مرشحيه وممثليه الشرعيين المصلحين من المسلمين والأقباط، الذين ينوبون عنه في السنوات المقبلة، بكل حرية، وألا يتركوا المجال لسماسرة الأصوات وأعوانهم؛ ليتلاعبوا بمصير الأمة، وعليهم أن يقفوا- وبكل قوة- أمام أية محاولة لتزوير الانتخابات لأي مرشح أو حزب أو هيئة كائنًا من كان.

كما أننا ندعو جميع المؤسسات الرسمية والأهلية والهيئات والأحزاب والمستقلين إلى أن تقف صفًّا واحدًا في مواجهة التزوير والمزورين بكل الوسائل السلمية المتاحة؛ حمايةً لإرادة الأمة ومستقبل أبنائها، وألا يتركوا الساحة للمنتفعين والمفسدين ليقرِّروا مصير البلاد والعباد.

إننا نثق في الشعب المصري الكريم، وفي كفايته لاختيار أفضل من يمثله، ويعبِّر عنه، وفي قدرته على حماية حقوقه ومكتسباته، وفي التصدي لكل من يحاول أن يزوِّر إرادته.

رسالة للنظام
كما أننا ندعو النظام الحاكم إلى أن يتحلَّى بأكبر قدر من المسئولية في إدارته للعملية الانتخابية، وأن يغلِّب مصلحة الوطن العليا على مصلحته الضيقة، وأن يعلم أن أية شائبة تشوب هذه الانتخابات النيابية ستلقِي بظلالها على كل انتخابات مقبلة، وهو ما يؤثر سلباً على المشروعية الدستورية والشعبية.

وكان الأولى بالنظام أن يوافق على إصدار مشروع قانون ممارسة الحقوق السياسية الذي تقدم به أكثر من مائة من أعضاء مجلس الشعب، وعليه فإننا نطالبه بضرورة تحقيق الضمانات الحقيقية لنزاهة العملية الانتخابية، من ضبط للجداول الانتخابية، ووضع قواعد واضحة للعملية الانتخابية بجميع مراحلها، وضرورة إبعاد وزارة الداخلية والسلطة التنفيذية عن العملية الانتخابية، واقتصار دورها على تأمين إجراء العملية الانتخابية فقط، وضرورة تفعيل الإشراف القضائي بتعيين قاضٍ على الأقل بكل مجمع انتخابي.

وكذا تمكين المرشحين ووكلائهم ومنظمات المجتمع المدني من حضور جميع مراحل العملية الانتخابية، منذ فتح باب الترشيح وحتى الفرز وإعلان النتيجة، وتجريم استخدام مؤسسات الدولة في الدعاية الانتخابية.

رسالة إلى منظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام
كما ندعو منظمات المجتمع المدني والمؤسسات الأهلية ووسائل الإعلام المصرية والدولية إلى أن تضطلع بدورها المأمول في مراقبة الانتخابات في جميع مراحلها، من داخل لجان الاقتراع والفرز وخارجها وإعلان النتائج، وأداء دورهم المنوط بهم في توفير أكبر قدر من الحماية للمرشحين والناخبين على حد سواء، والتصدي للتزوير والمزورين، وملاحقة من يثبت في حقه اقتراف هذه الجريمة النكراء، أيًّا كان منصبه أو مكانته.

وفي النهاية أتوجه إلى الإخوان المسلمين والأخوات المسلمات: إن الآمال معقودة عليكم، وعلى ما ستقومون به في هذه المرحلة الحساسة من تاريخ مصر، فلتقدِّموا من أنفسكم القدوة الصالحة لأمتكم وشعبكم، واحرصوا على وحدة الأمة، وجمِّعوا ولا تفرِّقوا، وابذلوا من أنفسكم طائعين غير مكرهين طاعةً لله، ثم حبًّا لوطنكم ولشعبكم.

تحركوا بكل قوة بين الناس، ناشرين بينهم الخير، وعارضين لمشروعكم الإصلاحي ولمبادئ دعوتكم المباركة ورافعين شعار "الإسلام هو الحل" وساعين لجعله واقعًا ملموسًا بين الناس، ولا تجرحوا أحدًا، وتذرعوا بالصبر أمام من يفتري عليكم زورًا وبهتانًا، وفي ذات الوقت لا تعطوا الدنيَّة من أمركم، وتصدُّوا لمحاولات تزوير إرادة الأمة، وكونوا لها بالمرصاد، ولاحِقوا المزورين وأعوانهم بكل الوسائل السلمية المتاحة لكم، واعلموا أنكم أصحاب دعوة ورسالة، فاعملوا على هذا الأساس كدعاة مصلحين حريصين على الأمة ومغلِّبين مصالحها العامَّة. القاهرة في: 1 من ذي القعدة 1431هـ الموافق 9 أكتوبر 2010م


ولا يفوتني أن أتقدم باسم الإخوان المسلمين بخالص الشكر والتقدير والامتنان لنوابنا الكرام على أدائهم المتميز في الدورة السابقة وعلى ما قاموا به من جهود مخلصة لخدمة الوطن والمواطنين.

أيها الإخوان المسلمون:
لنجعل من يوم الانتخابات يومَ فخر حقيقي للحرية بكل مشتملاتها، ولنجعله نقطةً فارقةً في تاريخ مصرنا الحبيبة، وهو كذلك بالفعل، ولنترك للشعب الحرية الكاملة في اختيار ممثليه، ولنحترم جميعًا إرادته وخياراته، ولننزل على كلمته، ولنتعاون جميعًا في توفير المناخ المناسب لكل هذا، ولنحرص على ألا يلوث هذا اليوم المنتظر بالأفعال السيئة التي اعتاد عليها البعض في السابق؛ رحمةً بالبلاد ومستقبلها.

حفظ الله مصرنا الحبيبة من كل سوء ومن دعاة الفتنة وأعاننا جميعًا على خدمة ديننا ووطننا، مُعلِينَ راية الحق والعدل والحرية، مغلِّبين مصلحة الوطن على كل ما عداها.والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل.. والله أكبر ولله الحمد.

الأحد، 3 أكتوبر 2010

الإمام الشهيد حسن البنا رجل دخل التاريخ من أوسع أبوابه (3)


بقلم: الشيخ محمد عبد الله الخطيب
نظراته في الإصلاح المستمدة من عمل الرسول صلى الله عليه وسلم وأقواله..

يقول عنه أحد تلاميذه وهو الأستاذ المرشد عمر التلمساني رحمه الله: "إن كل من يقرأ رسائل الإمام الشهيد ليعجب العجب كله كيف ألهم الله هذا الداعية المخلص المتحرك، كيف ألهمه أن يضع أوسع المعاني في أوجز الكلمات، وبصورة واضحة وضوحًا لا لبس فيه ولا خفاء".

كان الإمام البنا مشغولاً منذ صغره يوم أن كان طالبًا بدار العلوم بأمر الإسلام والمسلمين، ويرقب أحوالهم، ويتأمل في سر بعدهم عن دينهم، ثم يرنو بخاطره وقلبه وعقله إلى أحوال الأمة الإسلامية يوم أن كانت تملأ الدنيا علمًا وعدلاً وجهادًا وصدقًا وإيمانًا بربها أولاً، وبحق الإنسان- كل الإنسان بصرف النظر عن دينه أو انتمائه- في الحياة الكريمة وفي الاستقرار وفي السعادة، وفي تمهيد الطريق له لمعرفة ربه الذي خلقه وسواه.

ولذلك حين طلب منه وهو في السنة الرابعة من دار العلوم أن يكتب موضوعًا في الإنشاء عنوانه هو (اشرح أعظم آمالك بعد إتمام دراستك، وبين الوسائل التي تعدها لتحقيقها).. فكتب كلامًا مرتبًا دقيقًا لا يقوله من هو في سنه بل يعجز الكبار عن الإتيان به، وذلك في تقديرنا لأنه صدق من سماه (الملهم الموهوب) رحمه الله وتقبله في الصالحين.

وقبل الدخول في إجابة الإمام نقول: إن هناك ثلاث حقائق توضح العلاقة بين الإنسان والنجاح في أي عمل وهي:
أولاً: وضوح ما أقدم عليه من عمل في وعيه.
ثانيًا: استغراقه بكل مشاعره فيه.
ثالثًا: إخلاصه التام له.

وهذه الركائز تمكنت بعمق من نفس الإمام من أول لحظة، وظلت تلازمه وتتمكن من أقطار نفسه حتى لقي ربه- رضي الله عنه- نعم لقد وهب نفسه وما يملك من طاقات ومشاعر لهذا الحق، لقد بلغ العمل للإسلام في وعيه مبلغًا جلّي كل غموض، وتخطى كل تساؤل، فعاشت قضية الإسلام والمسلمين بأجلى معانيها حية متوهجة في نفسه وحسه وعصبه ودمه وعروقه، عاطفة مشبوبة، وإيمان حي، جعله لا يهتم بطبع الكتب- ولو أراد لفعل- لكنه أيقن أن القرآن من غير أمة تحمله وتتمثله لا يستطيع أن يفعل شيئًا، ولما سُئل: لماذا لا تؤلف كتبًا؟ قال: أربي رجالاً حتى يرى الناس النظريات تتحول إلى واقع ملموس مجسد في بشر يسير على الأرض.

لقد تحرك القلم وسجل هذه الآمال التي تدل على نبوغ وصدق وانقياد لله وحده، واتباع لسيد الخلق صلى الله عليه وسلم، يقول رحمه الله: "أعتقد أن خير النفوس تلك النفس الطيبة التي ترى سعادتها في إسعاد الناس وإرشادهم، وتستمد سرورها من إدخال السرور عليهم وذود المكروه عنهم وتعدّ التضحية في سبيل الإصلاح العام ربحًا وغنيمة، والجهاد في الحق والهداية- على توعر طريقهما وما فيه من مصاعب ومتاعب- راحة ولذة تنفذ إلى أعماق القلوب، فتشعر بأدوائها وتتغلغل في مظاهر هذا المجتمع وتعرف ما يعكر على الناس صفاء عيشهم ومسرة حياتهم وما يزيد هذا الصفاء، ويضاعف تلك المسرَّة".

ثم يقول رحمه الله: "وأعتقد أن العمل الذي لا يعدو نفعه صاحبه، ولا تتجاوز فائدته عامله قاصرٌ ضئيل، وخير الأعمال وأجلها ذلك الذي يتمتع بنتائجه العامل وغيره من أسرته وأمته وبني جنسه، وبقدر شمول هذا النفع يكون جلاله وخطره وعلى هذه العقيدة سلكتُ سبيل المعلمين لأني أراهم نورًا ساطعًا يستنير به الجمع الكثير، ويجري في هذا الجمّ الغفير، وإن كان كنور الشمعة التي تضيء للناس باحتراقها".

وواضح أن الإمام يعرف هدفه جيدًا ومهمته بالنسبة للناس جميعًا، ومكانته بينهم، ودوره معهم، وضرورة هذا الدور كأمانة في رقبة المسلم، وهذا طريق استقاه من عمل الرسل والأنبياء ورسولنا صلى الله عليه وسلم يقول: "خير الناس أنفعهم للناس، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ومن يسر على معسر يسر الله عليه".

لقد استدلت السيدة خديجة- رضي الله عنها- على صدق النبي صلى الله عليه وسلم بقولها: "كلا لن يخزيك الله أبدًا؛ إنك لتصل الرحم وتحمل الكلّ وتقري الضيف وتغيث الملهوف وتعين على نوائب الدهر".

فهذه المفاهيم وتلك الكلمات إنما هي بداية لبعث جديد وتجديد للدعوة الإسلامية، وإحسان عرضها والانتفاع بها وهذا ما كان على مر السنين، فقد بدأت اليقظة الإسلامية ثم الصحوة الإسلامية، وولد الجهاد الحقيقي في سبيل الله بعد أن انصرفت الأمة عن رسالتها وقعدت عن واجباتها، ونامت وطال نومها، حتى أسقط اليهود- لعنهم الله- الخلافة وهي رأس الأمة، ثم استيقظت الأمة بقيادة الأبرار الصالحين الذين قدروا الموقف وأدركوا الحقيقة، فعادت الأمة مرة أخرى إلى شموخها وجهادها، فهي يقظة ما دامت على الحق ولن تموت ولن يستطيع مخلوق مهما كان أن يرد قضاء الله وقدره الذي قدّره أزلاً، وسطره في كتابه العزيز ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ (105) إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (106) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107)﴾ (الأنبياء).

ثم يقول الإمام- رحمه الله- متحدثًا عن الغاية التي يجب على كل إنسان أن يسعى إلى تحقيقها وهي رضوان الله ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ (آل عمران: من الآية 185).

ويقول: "وأعتقد أن أجل غاية يجب أن يرنو إليها الإنسان وأعظم ربح يربحه أن يحوز رضاء الله عنه، فيدخله حظيرة قدسه، ويخلع عليه جلابيب أنسه، ويزحزحه عن جحيم عذابه، وعذاب غضبه"، ولذلك اختار الإمام الشعار الدقيق للتعبير عن الغاية والمصير فهي غاية كل إنسان فكان الشعار: الله غايتنا والرسول زعيمنا والقرآن دستورنا والجهاد سبيلنا والموت في سبيل الله أسمى أمانينا.

لقد كان في عصره يعيش بعض الغافلين على شعارات غريبة نابعة من عقول بعدت عن الطريق: يسقط فلان ويحيا فلان، ويعيش التوجه الفلاني.

معاني وألفاظ لا وزن لها، ولا قيمة لها، فإذا بالهتاف الصادق ينطلق ليحيي الموات ويوقظ النائم ويرد التائه: الله أكبر ولله الحمد.

لقد كان وما زال وسيظل ما بقيت السماوات والأرض أن الكبير هو الله، وأن العظيم هو الله، وأن المالك هو الله، وأن المحمود هو الله، وأن الإسلام وحده هو قارب النجاة من ركبه فقد نجا، ونحن ننادي بأعلى صوت لجميع المخلوقين: أيها الناس استجيبوا لربكم، هانت وذلت حياة يحجب المرء فيها عن ربه ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (الأنفال: من الآية 42).
الناس: لا ملجأ لكم من الله إلا إليه فعودوا إلى ربكم واستقيموا على أمره، واتركوا هذا التيه فإنه لن يغني عنكم من الله شيئًا.

ثم يتحدث الإمام عن الطريق الموصل لما سبق أن بينه ويحصره في أمرين ثم يختار الأدوم والأنفع فيقول "والذي يقصد إلى هذه الغاية يعترضه مفرق طريقين أولهما: طريق التصوف الصادق، الذي يتلخص في الإخلاص والعمل، وصرف القلب عن الاشتغال بالخلق خيرهم وشرهم وهو أقرب وأسلم.

والثاني: طريق التعليم والإرشاد، الذي يجامع الأول في الإخلاص والعمل، ويفارقه في الاختلاط بالناس ودرس أحوالهم وغشيان مجامعهم، ووصف العلاج الناجع لعللهم، وهذا أشرف عند الله وأعظم، ندب إليه القرآن العظيم، ونادى بفضله الرسول صلى الله عليه وسلم.

وقد رجح عندي الثاني- بعد أن نهجت الأول- لتعدي نفعه، وعظيم فضله، ولأنه أوجب الطريقين على المتعلم وأجملهما بمن فقه شيئًا ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (122)﴾ (التوبة).

وأحب أن يقرأ الناس- كل الناس- هذا الكلام الدقيق عن تقرير الحقائق وعدم التشنج من أنصاف المتعلمين الذي يندفعون في تعصب إلى النيل من الدعاة، واتهامهم بالباطل والزور ونقول لهم: إن كلمة التصوف التي وردت في كلام الإمام وقد عرّفها تعريفًا دقيقًا المراد بها: الجانب الروحي في حياة المسلم المنضبط بعقيدة أهل السنة والجماعة، وهذا بعيد كل البعد عن الانخراطات والخرافات والشطحات غير المتزنة ويجب التأني في قضية الإنكار من البعض على مجرد الاسم لأنه مجرد اصطلاح على علم بعينه، إنما الذي يجب أن ينظر إليه هو المضمون، وعلى المندفعين- بغير بينة- أن يعودوا إن كانوا جادين إلى فتاوى الإمام ابن تيمية رحمه الله وقد كتب مجلدين تحت عنوان التصوف، وفنده تفنيدًا دقيقًا ووضع كلمة الحق الصادقة، والواضعة الأمور في مواضعها الصحيحة، وكثير من العلماء الأجلاء الموثوق بعقيدتهم وعلمهم وفقههم كتبوا عن التصوف وفندوه كما فعل الإمام ابن تيمية رحمه الله.

ومجرد الإنكار بغير علم ولا بينة لاسم ما لا يكون تحقيقًا صحيحًا ولا علمًا نافعًا ينتفع به، بل هو أقرب شيء إلى عدم أداء الأمانة، ومع ذلك نقول لهم: الإمام البنا حين وضع رسائله التي بنى عليها الجماعة، وفكره الذي أقامها عليه وخطه الذي التزم به وسار فيه لم يكن من قريب أو بعيد له أدنى صلة بالصوفية أو غيرها، بل كان فكرًا سلفيًّا دقيقًا في الالتزام بما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم ومن جاء من بعده من الخلفاء الراشدين الذين مثلوا العصر الذهبي لحسن استقبال هذا الحق ولحسن تطبيقه، فجاء الاستقبال على الفهم الصحيح الذي تلقوه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وجاء التطبيق في أعلى درجات التوفيق لما فهموه بأمانة وصدق وإخلاص.

ثم يتحدث الإمام البنا عن واقع الأمة والأمراض التي ألمت بها فيقول: "وأعتقد أن قومي بحكم الأدوار السياسية التي اجتازوها والمؤثرات الاجتماعية التي مرت بهم، وبتأثير المدنية الغربية والشبه الأوروبية، والفلسفة المادية، والتقليد الإفرنجي؛ بعدوا عن مقاصد دينهم، ومرامي كتابهم، ونسوا مجد آبائهم، وآثار أسلافهم، والتبس عليهم هذا الدين الصحيح بما نسب إليه ظلمًا وجهلاً، وسترت عنهم حقيقته الناصعة البيضاء، وتعاليمه الحنيفية السمحة بحجج من الأوهام يحسر دونها البصر وتقف أمامهم الفكر، فوقع العوام في ظلمة الجهالة، والمتعلمون في بيداء حيرة وشك، أورث العقيدة فسادًا وبدل الدين إلحادًا".

أيها الأحباب.. هذه الرسالة لم يكتبها مؤرخ ولا رجل قضى طول عمره بين الكتب، لكن الذي كتبها طالب بدار العلوم السنة النهائية، لم يتجاوز عمره التاسعة عشرة ولذلك يجب علينا بحق- إن كنا جادين وهي بنصها موجودة في مذكرات الدعوة والداعية- يجب علينا أن نستخرجها من الكتاب، أن نسجلها بخطوط واضحة، وأن يحفظها الآباء والأبناء، وأن يدرسها الدارسون فهي بحق تلفت الأنظار وتنبه الضمائر وتعلمنا أن الإمام- رحمه الله- لم يكن إنسانًا عاديًا بل أنعم الله عليه وأعطاه ومنّ عليه بإخلاصه وصدقه "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها".

الإمام في هذه السن يتحدث حديث الواعي.. عن هذه الأمة وعن الظروف التي مرت بها والنتائج التي وصلت إليها، ويشير إلى أنهم ضحايا لظروف مرت بهم، ويجب التعامل معهم على هذا الأساس، إنهم ضحايا لظروف أكبر منهم ومن طاقاتهم، وهذا ما يحمّل الدعاة بالنسبة لهم مسئولية أكبر لقد حُرموا من التعليم، وحين تعلموا حُرموا من التعليم الصحيح.. إنهم ضحايا الفقر المنهك، والمرض المهلك، ضحايا الاستعمار الخبيث الذي سرق خيراتهم، وما زال يسرقها، وأكل حقوقهم وما زال يأكلها، ودمر بنيانهم، وما زال يدمره، إنهم عصابات أوروبا المستعمرة، وعصابات أمريكا الباغية وعصابات اليهود الآثمة المجرمة.

يقول الإمام البنا في ختام رسالته: "فكان أعظم آمالي بعد إتمام حياتي الدراسية أملان: خاص: وهو إسعاد أسرتي وقرابتي، وعام: وهو أن أكون مرشدًا معلمًا؛ إذا قضيت في تعليم الأبناء سحابة النهار، قضيت ليلي في تعليم الآباء هدف دينهم ومنابع سعادتهم، ومسرات حياتهم، تارة بالخطابة والمحاورة، وأخرى بالتأليف والكتابة، وثالثة بالتجول والسياحة".

وقد أعددت لتحقيق الأول: معرفة بالجميل وتقدير للإحسان ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ (60)﴾ (الرحمن)، ولتحقيق الثاني من الوسائل الخلقية: الثبات والتضحية وهما ألزم للمصلحة من ظله، وسر نجاحه كله، وما تخلق بهما مصلح فأخفق إخفاقًا يزري به أو يشينه.

ثم يقول: (ذلك عهد بيني وبين ربي، أسجله على نفسي، وأشهد عليه أستاذي، في وحدة لا يؤثر فيها إلا الضمير، وليل لا يطلع عليه إلا اللطيف الخبير ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (الفتح: من الآية 10).

هذا ما استطعنا أن ندونه من كلام الإمام مع تعليق مناسب عليه، ولقد وفّى الإمام فأحسن الوفاء وعاهد فالتزم بالعهد، وحبب الله إليه هذا الحق وزينه في قلبه، فانطلق به، وانطلق من حوله الأبرار فسمعت الدنيا كلمة الحق، وأقبل المخلصون الصادقون عليه، حتى لقي ربه راضيًا مرضيًا عنه.

اللهم أجزه عنا خير الجزاء، اللهم تقبله في الصالحين اللهم ارزقنا التوفيق والسداد واجعلنا من أهل دعوتك وحملة رسالتك، اللهم لا تفتنا بعدهم ولا تحرمنا أجرهم، واغفر اللهم لنا ولهم.. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الخميس، 30 سبتمبر 2010

الإسلام في مواجهة الظلم والطغيان[30/09/2010][17:22 مكة المكرمة]


رسالة من: أ. د. محمد بديع المرشد العام للإخوان المسلمين
بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومَن والاه.. وبعد
فقد اقتضت سنة الله في خلقه أن يكون شأن المسلمين مع الأمم الجاحدة بالله والمستكبرة على شرع الله، مثل كفتي ميزان إذا رجحت إحداهما طاشت الأخرى، فإذا كان المسلمون صادقين مع الله أوفياء في تنفيذ منهاجه وشرعه هيَّأ الله لهمم أسباب لعزة والمنعة والنصر ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ (الأنبياء: من الآية 18)، وإذا ضيَّعوا شرائع الله وأحكامه وشاع فيهم المنكر وغاب بينهم المعروف، انتشر الظلم والفساد وطغى عليهم غيرهم بالظلم والقهر والإذلال.

وإذا كان الكثير من المسلمين قد غضبوا- ولهم الحق في ذلك- لقيام بعض المنحرفين بالتهديد بحرق المصحف، إلا أنه كان يجب عليهم أن يدركوا أنهم حين انصرفوا عن شرع الله وتعاليمه وساد بينهم الظلم دبَّ فيهم الوهن وحب الدنيا، وصدق رسول الله صلى الله عليهم في حديثه: "..ولينزعن الله من صدور أعدائكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن، قالوا: وما الوهن يا رسول الله. قال: حب الدنيا وكراهية الموت". (رواه أبو داوود).

هلاك الأمم بسب الظلم والطغيان:
الظلم نوعان؛ ظلم الناس لأنفسهم بالفسق والفجور والخروج عن طاعة الله والتظالم فيما بينهم، وظلم الحكام لشعوبهم على نحوٍ يهدر حقوقهم ويذهب بعزتهم وكرامتهم مما يجعل الأمة ضعيفة غير صالحة للبقاء فيسهل على الأعداء هزيمتها واستعبادها ويصدق عليها قول الله عز وجل: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ (11)﴾ (الأنبياء: 11).

إن الدول يمكن أن تبقى مع الكفر إن عدلت ولا تبقى مع الظلم وإن أسلمت، إذ ليس من سنته تعالى إهلاك الدولة بكفرها فقط، ولكن إذا انضم للكفر ظلم حكامها للرعية وتظالم الناس فيما بينهم يقول عز وجل: وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (117)﴾ (هود).

ومن آثار الظلم خراب البلاد اقتصاديًّا وعمرانيًّا وزهد الناس في العمل والإنتاج وسعيهم الدائم للفرار والخروج منها؛ مما يجعل الدولة ضعيفةً أمام أعدائها الخارجيين وإن بقيت قوة الطغيان على مواطنيها الضعفاء والمظلومين، يقول تعالى: ﴿فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ (45)﴾ (الحج).

من عقلية الوهن إلى عقلية العزة:
لقد فشل العديد من النظم العربية والإسلامية في النهوض بشعوبهم بسبب علاقات التبعية وبحكم الوهن وأصبحت تتصرف في أحيان كثيرة ضد مصالح الأمة وإن طلبت لها الدواء أحيانًا أخطأت وطلبت الداء بحكم عقلية الوهن، وأصبحت أرض العروبة والإسلام تعاني من المشاكل لأن الإرادة غابت وتُركت بيد الأعداء من الصهاينة وأعوانهم، ولقد نسوا أو تناسوا عدوهم الحقيقي الجاثم على صدورهم والمتمثل في الكيان الصهيونى وصوبوا أسلحتهم تجاه شعوبهم هروبًا من مواجهة هؤلاء الصهاينة، فلم يحققوا للأمة وحدةً ولا نهضة، وتغافلوا عن أمر الله بالجهاد في سبيله بالمال والنفس لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذي كفروا السفلى فيقول تعالى: ﴿انفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (41)﴾ (التوبة: 41).

فما أحوج المسلمين اليوم إلى عقلية العزة وإلى تحصيل كل أسباب القوة فهم يواجهون صهينةً عالميًّا لا تعرف إلا لغة القوة فعليهم أن يقرعوا الحديد بالحديد ويقابلوا الريح بالإعصار، وما أحوجهم أن يدركوا أن الإصلاح والتغيير الذي تنشده الأمة لا يمكن تحقيقه إلا بالجهاد والتضحية وصياغة جيل مجاهد يحرص على الموت كما يحرص الأعداء على الحياة.

المقاومة هي الحل الوحيد:
لقد انتهت فترة المفاوضات غير المباشرة ولم يجنِ الفلسطينيون منها شيئًا ولم يتعلم المفاوض الفلسطيني منها درسًا ولم يأخذ منها عبرة، وها هي السلطة الفلسطينية- وقد عادت إلى التفاوض مع الصهاينة-توشك أن تلفظ أنفاسها الأخيرة على طاولة المفاوضات المباشرة.

ويتأهب الشعب الفلسطيني لانتفاضة ثالثة في ذكرى الانتفاضة الثانية، ونرى هذا الشعب الآن يغلي كالمرجل في الضفة وغزة ضد الصهاينة ومن يدعمونهم.
إن أمريكا لن تستطيع فرض تسوية على الشعب الفلسطيني مهما امتلكت من المال وأسباب القوة فها هي تنسحب مهزومة ومثخنة بالجراح في العراق، وهي على وشك الانسحاب من أفغانستان، فالطائرات والصواريخ والتكنولوجيا العسكرية الحديثة تنهزم أمام إرادات الشعوب إذا ما أصرَّت على المقاومة وما حرب غزة ولبنان منا ببعيد.

فالمقاومة هي الحل الوحيد أمام الغطرسة والطغيان الصهيو أمريكي، ويكفي أن الشعوب العربية والإسلامية تقف جميعها خلف المقاومة بالدعم والتأييد، والشعوب تعي جيدًا مَن هم المقاومون ومَن هم الذي باعوا القضية وساوموا عليها، ونقول لإخواننا المجاهدين في غزة اصبروا وصابروا ورابطوا واعلموا أن الله معكم ولي يتركم أعمالكم ﴿وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (139)﴾ (آل عمران: 139).

سقوط أمريكا وزوال الكيان الصهيوني:
وإذا كان الاتحاد السوفيتي قد سقط بطريقةٍ درامية، فإن الأسباب المؤدية إلى انهيار أمريكا هي أقوى بكثيرٍ من تلك التي حطمت الإمبراطورية السوفيتية لأن الأمة التي لا تعلي من شأن الفضائل الأخلاقية والقيم الإنسانية لا يمكن أن تقود البشرية ولن تغني عنها أموالها إذا جاء أمر الله كما حدث مع الأمم السابقة، وها نحن نرى أمريكا تعيش الآن بداية النهاية وتسير نحو هلاكها: ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ (44) فَقُطِعَ دَابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ (45)﴾ (الأنعام)، ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشًا﴾ (ق: من الآية 36).

أما الصهاينة فيكفي شهادة مارتين- كرافيلد أستاذ التاريخ في الجامعة العبرية والمتخصص في الإستراتيجية العسكرية في مقابلةٍ مع الصحفي "أيالون"، والمنشور بصحيفة "امتساع خضيرة" بتاريخ 8/3/2002م، وكان السؤال الموجه له: ماذا سيحدث للجيش الصهيوني إذا دُعي لمقاتلة جيش نظامي كسوريا أو لبنان؟ فأجاب: ظني أنه سيهرب فإذا ما انفجرت حرب مثل حرب 1973م فإن غالبية الجيش سيضع رجليه على ظهره ويولي هاربًا، وإن حرب الصهاينة ضد الضعفاء ما زالت مستمرة.. منذ أكثر من عشرين عامًا ومنذ اقتحام لبنان وقد تحوَّل الجيش إلى مجموعةٍ من الجبناء والتعساء، وأضاف كرفيلد: عندما نكون في الجنائز العسكرية: فإننا نولول وننوح (نياحة)، بينما الفلسطينيون يطالبون بالانتقام في جنائزهم.

الأمة المسلمة تمتلك إمكانات الإصلاح والتغيير:
إن الأمة المسلمة تمتلك أسباب الإصلاح والتغيير ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ (فاطر: 32)، فلديها الشرعة والمنهاج ومعالم الطريق ولديها النموذج التطبيقي لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأسلوبه في السيرة النبوية التي تُشكِّل وسيلةَ الإيضاح المُعينة لكيفية التعامل مع قيم الكتاب والسنة في كل زمان ومكان يُضاف إلى ذلك المخزون التاريخي من تجارب النبوات السابقة وأحوال الأمم وكيفية سقوطها أو نهوضها.

إن سلامةَ الأفكار أو المنظومة الفكرية هي أساس التغيير لذلك فإن الله تعالى اعتبر الجهاد بالقرآن وبناء الشوكة الفكرية هو أعلى أنواع الجهاد، وإن التغيير الحقيقي تم بالقرآن (الفكرة)، فقال تعالى: ﴿وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ (الفرقان: من الآية 52).

ولذلك فإن الصورة المزيفة للتغيير والتحويل حتى ولو وصلت إلى السلطة السياسية والدولة دون امتلاك المقومات الفكرية تبقى معزولةً عن ضمير الأمة وعاجزة عن التغيير مهما امتدَّ بها الزمن.

وعد الله بالتمكين:
يقول تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (45)﴾ (القمر) تقدم هذه الآية وعدًا قرآنيًّا للمؤمنين بأنهم سوف يهزمون جمع الأعداء في المستقبل، وسوف تولى هذه الجمع الدبر، ولقد تلقى الصحابة هذا الوعد القرآني وهم مستضعفون في مكة معذبون مضطهدون فيها، لقد كانت القوة والغلبة وقت نزول الآية التي أطلقت ذلك الوعد لقادة مكة وزعماؤها الذين كان بيدهم الأمر والمال والجاه والقرار، وكان الناس أتباع لهم بينما كان المسلمون في مكة أقلية ضعفاء لا يملكون مالا ولا سلطانا ولا متاعًا، وبعد سنين قليلة من الهجرة جاء إنجاز الله لوعده القرآني الذي أطلقه قبل أكثر من تسع سنوات من الهجرة، وكان ذلك في غزوة بدر، فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لما نزل قوله تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ جعلتُ أقول: أي جمع سيُهزم؟ حتى كان يوم بدر رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يُثَّبِتْ في الدرع وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ فعرفتُ تأويلها يومئذ... فهل يمكننا مقارنة ذلك بما حدث في غزة؟!!

وها نحن اليوم نرى مدى حاجة الأمة إلى الوحدة وإلى الترابط وإلى حسن الإعداد وقبل كل ذلك اللجوء إلى الله تعالى، فيا أمة الإسلام اتحدي، ويا أبناء فلسطين توحدوا جميعًا أمام الأعداء الذين يمكرون بكم واعلموا أن الله خير الماكرين، وأنكم بالله منتصرون وأن الإسلام قادرٌ على مواجهة الظلم والطغيان، ولنعلم جميعًا أن نتيجة المواجهة محسومة سلفًا وقررها الله عز وجل في قوله: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾ (الرعد: 17)، وفي قوله: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ المَنصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغَالِبُونَ(173)﴾ (الصافات).

والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل

د. نصر فريد واصل: تزوير الانتخابات من الكبائر[29/09/2010][21:25 مكة المكرمة]


أكد فضيلة الدكتور نصر فريد واصل مفتي الديار المصرية السابق أن تزوير نتيجة الانتخابات والعبث بإرادة الأمة من الكبائر التي حرَّمها الإسلام.

ودعا إلى دعم حقِّ الإخوان المسلمين في العمل السياسي، والتصريح لهم بتكوين حزب أو جمعية تكون للاستفادة من إمكانياتهم وقدراتهم؛ لتحقيق الإصلاح في مصر.

وطالب فضيلته في حديثٍ لـ(إخوان أون لاين) الشعب المصري بالتصدي لأي تزوير في الانتخابات المقبلة، مستشهدًا بحديث الرسول صلي الله عليه وسلم: "الساكت على الحق شيطان أخرس".

وكشف أن الحزب الوطني بأسيوط عرض عليه تولي منصب أمانة اللجنة ٍالدينية للحزب بالمحافظة إلا أنه رفض؛ خوفًا من أن يتم استخدامه بوقًا دعائيًّا للحزب، مؤكدًا أن له العديد من التحفظات على العمل الحزبي في مصر؛ لذا يرفض الانضمام لأي حزب.

وأبدى د. واصل استعداده لخوض الانتخابات البرلمانية، إذا توافرت فيها الشروط التي تضمن نزاهة العملية الانتخابية، وتناول الحديث شئون الأزهر، وقضية التطبيع والمقاومة، فإلى تفاصيل الحوار.

الانتخابات والإخوان
* نستعد لاستقبال الانتخابات البرلمانية وما تشهده غالبًا من تزوير أو مجاملات بغير حقٍّ، فما رأيكم في ذلك؟
** التزوير في الانتخابات كبيرة من أشد الكبائر في الدين، فضلاً عن كونه جريمة سياسية، كما أن مجاملة المرشح وإعطاءه صوتًا لا يستحقه، أحد صور الغش والخداع والكذب، ولما سُئل الرسول صلى الله عليه وسلم فيما معناه أن يكون المسلم به صفات غير حميدة من زنا أو سرقة أو غيرها قال: "نعم" ولكن سُئل: هل يكذب المسلم؟ قال: "لا" فالمسلم الحقيقي لا يكذب ولا يزِّور، ويجب كشف هذا التزوير بشكل أو بآخر؛ لأن الساكت على ذلك آثم، بنص الحديث: "الساكت على الحقِّ شيطان أخرس".

* وكيف ترون مشاركة بعض الحركات الإسلامية في العملية السياسية، وتحديدًا الإخوان المسلمين؟
** الحقيقة أن جماعة الإخوان كيان كبير ولهم دورهم وتأثيرهم في المجتمع، وأنا أطالب النظام بإعطائهم الشرعية بشكلٍ أو بآخر، سواء من خلال جمعية أو حزب أو غيره؛ لأنه لا بد من إدراجهم ضمن العمل السياسي العام، والاستفادة من قدراتهم السياسية والتنظيمية؛ لأن هذا أفضل للبلد كله.

ثم أليس الإخوان من أفراد الشعب المصري وبالتالي ما يسري على هذا الشعب يسري عليهم، سواء في تأسيس الأحزاب أو الجمعيات وخلافه؟! لأن هذا حقٌّ أصيل لكل مصري بنص الدستور.

* ألم تفكرون يومًا في الانضمام لأي حزب من الأحزاب؟
** لم يحدث هذا مطلقًا ولم أفكر أبدًا في الانضمام للحزب الوطني أو غيره؛ لأنني لدي تحفظ على النظام الحزبي في مصر، فهو قائم على التنافس على المناصب دون مراعاة الاختلاف الطبيعي والمصلحة، بمعنى أن هناك كثيرين يرون أن الغاية تبرر الوسيلة، ولكن في الإسلام الوضع مختلف، فالاختلاف للمصلحة العامة ولصالح الأمة، وهذا يتحقق من خلال ما أقره الإسلام في مبدأ الشورى والعمل بمبدأ أهل الحل والعقد.

* وهل عرض عليكم أحد منصبًا في الحزب الوطني من قبل؟
** بالفعل حدث هذا وتلقيتُ عرضًا من مسئولين تولي أمانة اللجنة الدينية بالحزب الوطني في محافظة أسيوط، عندما كنت بجامعة الأزهر فرع أسيوط، ولكن رفضت لأنني وجدت أن ذلك سيكون بمثابة دعاية للحزب الوطني، ولن تزيد عن أن يكون المرء بوقًا دعائيًّا لحزب ما، وأنا أرفض ذلك وأتحفظ على النظام الحزبي بشكلٍ عام كما ذكرت لك.

* وعن خوض الانتخابات هل فكرتم بخوضها سواء الشورى أو الشعب؟
** الحقيقة طلب مني البعض الترشح مستقلاً عن دائرتي بمحافظة الغربية، ولكن رفضت.

* ولماذا رفضتم؟
** الحقيقة ليس هناك أي ضمانات لانتخابات نزيهة وتتمتع بالشفافية، فكيف تشارك في انتخابات يمارس فيها التزوير وأنت تلعن هذا السلوك.

* معنى ذلك أنه لو توفرت هذه الضمانات من الممكن أن ترشح نفسك؟
** نعم من الممكن أن أفكر في ذلك ولم لا.. فهذا مكان من الممكن أن يقدِّم فيه الإنسان خدمة للإسلام والمسلمين.

* وكيف ترون استغلال المؤسسات الدينية الرسمية في الدعاية لأحزاب سياسية بعينها؟
** هذا لا يجوز بالطبع، فالمؤسسات الدينية لا تخضع لشخص ولكن هي مؤسسة دورها هو توجيه الناس نحو الاختيار الصحيح للأفراد الذين يستحقون ذلك ويقدِّمون خدمة حقيقية للمجتمع؛ وذلك دون مجاملة لأحد أو لحزب؛ لأنها رسالة يسأل عنها الإنسان أمام ربه.

الأزهر

* بمناسبة الحديث عن الانتخابات هل من الممكن اختيار شيخ الأزهر بالانتخاب وعودة هيئة كبار العلماء؟
** أنا أرفض نظام التكليف الحالي؛ لأن ذلك من شأنه أن يسيء للأزهر؛ حيث سيتم التعامل مع المنصب باعتباره منصبًا سياسيًّا، ويكون هناك أكثر من شخص يتنافس عليه وبالتالي لا نضمن الوسائل المتبعة في الوصول للمنصب، وهذا يمكنه الإساءة للأزهر الرمز والدور والتاريخ، ولكن ما يجب فعله هو حسن الاختيار من العلماء بناء على حسن الأداء دون التجريح في أحد.

* وكيف تقيمون دور الأزهر في السنوات الأخيرة؟
** الحقيقة أن الأزهر تراجع كثيرًا، قياسًا إلى دوره في السنوات الماضية، فكلنا يعرف ما هو قدر الأزهر في العالم الإسلامي، وما هي نظرة المسلمين له في الدول الإسلامية، فهو مؤسسة دينية وتربوية عريقة، وبالتالي الحفاظ عليها مسئولية كبيرة.

والتراجع الذي نشهده حاليًّا بدأ من التعليم الأزهري، حيث المناهج الدينية التي تعرضت كثيرًا للعبث بها فتم تقليص المواد الدينية بشكل فجٍّ، وأصبح خريج الأزهر لا يدري الكثير من أمور دينه وثقافته ووعيه الديني محدود للغاية.

وللأسف فإن البداية الحقيقية لهذا التراجع بدأت تقوى حركتها منذ الثمانينيات وليس الآن فقط، وأصبحت واضحة جدًّا الآن.

* وهل كان لذلك التراجع مساهمة في فوضى الفتاوى التي نشهدها حاليًّا؟
** هذا السيل الذي أشرت إليه من الفتاوى ليس في صالح الإسلام والمسلمين؛ لأنه يترك المسلم في حيرة من أمره ولا يعرف مِنْ مَنْ يأخذ بفتوى، فلا يوجد تنسيق بين مَن يصدرون الفتاوى والمناط بهم الفتوى، وهذه مشكلة كبيرة.

الشيء الآخر يجب أن يعرف الجميع أن الفتوى هي نقل الحكم عن الله، وبالتالي تكون المسألة خطيرة للغاية ومسئولية كبرى، ومن هنا لا بد لمَن يتصدى لها أن يكون أهل علم ويحق له الاجتهاد.

ولا بد أن يعرف الجميع أن تولي المنصب وحده ليس كافيًا لإصدار الفتوى، ولكن لا بدّ من توافر شروط فيمن يتصدى للفتوى، وأنا هنا أقصد المتخصصين في العلوم التي تؤهِّل للفتوى كالفقه والشريعة، وألا يكون التخصص بعيدًا عن مجال الفتوى.

وبالنسبة لمن يحملون درجة الدكتوراه، فالشهادة العلمية وحدها لا تكفي للإفتاء ولكن يجب الاطلاع والبحث قبل التجرؤ عليها.

* أعلن الأزهر مؤخرًا عن تخصيص فصل في بعض المعاهد لدراسة الفقه الإسلامي بشموله، فهل ترون في ذلك خطوةً لتصحيح مسار الأزهر بعد تولي الإمام أحمد الطيب؟
** بالتأكيد هي محاولة جادة إلا أنها محدودة، ولكنها تحاول العودة إلى الأصول الأزهرية الحقيقية، خاصة أن الفكرة تقوم على تخصيص فصل واحد بعدد من المعاهد وليس كل المعاهد، ويتم وضع معايير وشروط معينة لاختيار طلاب هذا الفصل، وسوف يدرس الطلاب- من خلاله- التراث الإسلامي؛ للحفاظ على تراث الأزهر التعليمي.

وهذا النظام كان معمولاً به من قبل وبعد تولي د. أحمد الطيب بدأ يتخذ خطوات في الاتجاه الصحيح وهذا الإجراء يأتي في هذا السياق.

* فكيف إذن يستعيد الأزهر سيرته الأولى في رأيكم؟
** هذا يحتاج إلى مزيد من الجهود والإخلاص وصدق النوايا وتوحيد العمل والرؤية؛ لأن الخلافات هي السبب الرئيسي فيما يحدث، بمعنى أن هناك قضايا صدرت فيها قرارات دون أن تحوز رضا عدد كبير من أبنائه، وهو ما أدَّى إلى إنشاء جبهة علماء الأزهر، وبالتالي وجود مزيد من التعاون وتبادل الآراء ووجهات النظر قبل صدور القرار، ونتمنى أن يحدث هذا في عهد د. أحمد الطيب وهناك مؤشرات تبشر بالخير.

* وما تقييمكم لمواقف الأزهر في مختلف الشئون خاصة السياسية؟
** بالنسبة لهذا الجانب فهناك العديد من المواقف التي صدرت عن الأزهر ولم يرض عنها الغالبية، مثل الموقف من مشكلة الحجاب في فرنسا وبعض الدول الأوربية.

وكذلك إجازة استقبال الحاخامات اليهود؛ فلا يمكن التعامل مع هؤلاء القتلة بهذا الترحاب، وبناءً على ما سبق يجب التمعُّن والتريث في القرارات التي تصدر عن الأزهر؛ لأن هذه المؤسسة لها تاريخها وبريقها ومكانتها في نفوس المسلمين.

وعندما كنت في منصب المفتي رفضت مؤتمر الحاخامات وكان هذا المؤتمر بدعوة من شيخ الأزهر السابق محمد طنطاوي، وكان الرفض نوعًا من الاحتجاج على الممارسات الصهيونية بالأراضي الفلسطينية والمستمرة حتى الآن ضد أهلنا في فلسطين.

التطبيع والمقاومة
* بذكر مسألة الحاخامات، فأنتم أصحاب فتوى شهيرة تحرِّم التطبيع كليًّا.
** نعم فأنا أرفض التطبيع تمامًا مع الكيان الصهيوني، وأرى أن أي تعامل معه من شأنه أن يقويه ويفيده، ولأنه عدو فإن أي تعامل يقوي المحتل ويضعف المسلمين من قبيل التطبيع التجاري والاقتصادي أو في أي مجال آخر فهو تعامل حرام شرعًا.

كما أنه يعد عدم اكتراث بالشرع وبمصلحة الأمة كلها، فهذا العدو لا يزال يحتل بلاد المسلمين ويعامل أهلها معاملة أقل ما يقال فيها أنها غير إنسانية.

لذا فقد أفتيت بضرورة مقاطعة الشركات التي تتعاون مع الكيان الصهيوني أو التي لها علاقة به من قريب أو بعيد باستثناء الشركات التي نشأت برأسمال وبإشراف وطني ولا تربطها علاقة بهذا الكيان وتعمل تحت أسماء معينة للاستفادة من الاسم التجاري، والمعروف للجميع أن التعاون الاقتصادي مع هذا الكيان البغيض شر كله، وأن ما يقال حول أن هناك مصلحة اقتصادية للوطن غير صحيح.

* هناك البعض يحاول من آن لآخر الربط بين المقاومة والإرهاب، فكيف ترى ذلك؟
** المقاومة واجب ديني ووطني؛ لأنها حقٌّ من حقوق الدفاع عن النفس ورد كيد المعتدي وتحرير الأرض والحفاظ على النفس والشرف، وأنا هنا أطالب العالم العربي والإسلامي بدعم المقاومة في كل قطر إسلامي؛ حتى يتم تحرير الأرض وطرد المحتل، ولن يقوى العالم الإسلامي على فعل ذلك إلا بوحدة الصف، وإظهار القوة الحقيقية للمسلمين؛ لأن استمرار الحال على ما هو عليه سوف يؤدي إلى تآكل العالم الإسلامي.





الأحد، 26 سبتمبر 2010

أيها الأحباب.. الإمام البنا الداعية والمربي دخل التاريخ من أوسع أبوابه (2)


الشيخ محمد عبد الله الخطيب
حينما نتحدث عن الأئمة الأعلام الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه- ونحسب أن إمامنا رحمه الله من بينهم- لا يدور في ذهن القارئ أننا نقدِّس أحدًا أو نضعه في مرتبة فوق غيره من الناس، فنحن والحمد لله من أبعد الناس عن تقديس الأشخاص؛ لأن هذا الأمر ممنوع في الإسلام، وقد نهى عنه المصطفى صلى الله عليه وسلم بصراحة تامة، فقال: "لا تعظِّموني كما تفعل الأعاجم، إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد بمكة"، لكننا نحب ونقدِّر كل داعية أو مصلح خدم دينه أو دافع عن وطنه وبذل في سبيل إعلاء الحق كل غالٍ ورخيص، نحن جميعًا كمسلمين نحب ونقدِّر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم الخلفاء الراشدين، ونحب ونقدِّر أهل بدر وأهل بيعة الرضوان.

ونحب ونقدِّر جميع الصحابة؛ الذين عاهدوا فوفُّوا، وقالوا فصدقوا، ونحب كل من جاء من بعدهم ممن رفع اللواء وأحيا الجهاد في سبيل الله وانتصر لهذه الرسالة، وعلى سبيل المثال نحب ونقدِّر عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وأرضاه، ونحب صلاح الدين الأيوبي.

ونحب ونقدِّر الصالحين من بعدهم ممن ساروا على الدرب وحملوا الراية، ونحب ونقدِّر الشهيد عمر المختار في ليبيا، والقسام في فلسطين مثلاً للجهاد والصبر، رغم ما به من علل، ونقدِّر جميع شهداء الإخوان، من عرفْنا منهم ومن لم نعرف، وما قيمة معرفتنا؟ حسبهم أن الله يعرفهم، وأن ملائكته تعرفهم، وإمامنا الشهيد هو في قمتهم جميعًا، هو الرائد نحسبه هو وإخوانه وكل من ذكرنا من الذين قال الله فيهم ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾ (السجدة).

إن الإسلام علمنا هذا الخلق في النظرة إلى الأسلاف.

يقول الإمام البنا رحمه الله:
ومحبة الصالحين واحترامهم والثناء عليهم بما عُرف من طيب أعمالهم قربةٌ إلى الله تبارك وتعالى، والأولياء هم المذكورون في قوله تعالى ﴿آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)﴾ (يونس)، والكرامة ثابتة لهم بشرائطها الشرعية، مع اعتقاد أنهم رضوان الله عليهم لا يملكون لا نفسهم نفعًا ولا ضرًّا في حياتهم أو بعد مماتهم، فضلاً عن أن يهبوا شيئًا من ذلك لغيرهم (رسالة التعاليم).

ولقد شاءت حكمة الله عز وجل أن يكون للحق دعاة، وأن يكون للمعرفة رواد من بني الإنسان، تصنعهم عناية الله ورحمته؛ ليكونوا الدليل والحادي في حياة المسلمين، وليكونوا النماذج العملية والقدوات الطيبة التي يحذون حذوها، ويقتدون بها قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّـهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّـهَ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّـهِ حَسِيبًا (39)﴾ (الأحزاب).

وهؤلاء الدعاة الأبرار إنما ينجحون في دعوتهم بمقدار اقتدائهم بمن سبقهم، وقربهم منهم، واقتدائهم برسل الله وأنبيائه، عليهم أفضل الصلاة والسلام، قال تعالى ﴿.. فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (الأنعام: من الآية 90).

وأنت أيها المسلم.. لن تنجح في حياتك أبدًا إلا إذا اقتربت بحق من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وعمل السلف الصالح رضوان عليهم، وتعبَّدت بهذا القرب، ورضيت بحق وصدق بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًّا ورسولاً.

إن سنة الله عز وجل تمتدُّ من بعدهم، مع كل من أخذ طريقهم واهتدى بهديهم، والتزم بمنهجهم التزامًا حقيقيًّا يقيمه في الدنيا، ويشرفه في الآخرة، واتبعهم بإحسان.

يا أخي.. أين أنت من هذا كله؟ في صباحك ومسائك، في غدوِّك ورواحك، وأنت في مكتبك، وأنت بين أهلك وأسرتك، وأنت تتعامل مع الآخرين؟!

أين أنت؟ إياك أن تُشغل بغير خلق الإحسان حتى إذا أساء أحد إليك أو تعدَّى حدوده تنتصر بأخلاقك، تنتصر بصدقك، تنتصر بأمانتك.

بهذا الخلق يجب أن تُعرف بين الناس، ومن باب أولى مع أهلك وجيرانك وأقاربك وأينما حللت.

ونحن نؤكد هذا الكلام؛ لأننا في عصر تتصارع فيه القيم، وتختل فيه المفاهيم، وتُستباح الكلمة عند البعض بالتلاعب بها، وتسخيرها للحديث عن الشيء وضده حتى صَعُب على البعض أن يميز بين الشعارات المتعارضة والأشكال المتزاحمة في الساحات المختلفة.

واستغل البعض أجهزة الإعلام المختلفة لمحاولات مفضوحة ساذجة للإساءة إلى تاريخ الرجال الأبرار الذين حملوا رسالة الحق، ووقفوا أمام الموجات المادية الطاغية، ورفعوا راية لا إله إلا الله محمد رسول الله التي يصرُّ المجرمون والأشرار على محاولة تنكيسها.

يقول الأستاذ عمر التلمساني رحمه الله، وهو واحد ممن رباهم الإمام البنا رضوان الله عليهم جميعًا:
((لحكمة لا يعلمها إلا الله وحده، لأنه صاحب الأمر كله، وهو منزل الكتاب، ما قرأنا كلمة الإنسان في القرآن إلا والشر محيط به، والإثم فعله، والجهل صفته، والكفر خلته.. ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ (إبراهيم)، ممعن في الذنب حتى قال الله فيه: ﴿قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧)﴾ (عبس) دائم البوار حتى قال الله فيه: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢)﴾ (العصر)، ولو ترك الأمر هكذا لكان مصير الإنسان.. كل الإنسان.. إلى سقر، ولكن الله بعباده رءوف رحيم، وبخلقه برٌّ كريم، فوضع العلاج الواقي الشافي للإنسان، فإن تناوله نجا، وإن أعرض عنه ضل وغوى، ولئن كان الدواء المادي وضع للداء المادي.. كذلك فإن الدواء المعنوي.. الروحاني.. الرباني.. قد أعد بكل دقة لأمراض النفوس وعلل القلوب، فمن راضَ نفسه عليه، وأخلد بكل جوارحه إليه بلغ المنتهى ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ (العصر) ثم يقول رحمه الله بهذا الوضع ترى الإنسان في هذا العالم أصنافًا مصنفةً، وكلٌ ميسر لما خُلق له، فريق في الجنة وفريق في السعير فإن كنت صحيحًا بدنًا وروحًا فاحمد الله أن جعلك من الناجين، وإن كنت غير ذلك فلا تيأس وحاول؛ فالمحاولة عبادة، وجهاد النفس عبادة، وحسن الظن بالله مع العمل أو محاولة العمل عبادة.

وهكذا ترى أينما فعلت أو قلت أو تصرفت تبتغي النجاة فأنت في عبادة متواصلة.

والآن إلى الإنسان أنواعًا: إنسان تحلو في عينه المعصية، ويركن إلى النفس الأمَّارة بالسوء متبعًا هواها ومتمنيًا على الله الأمانى، دون عمل أو رغبة في عمل أو حتى تفكير في عمل، أوْثقه الشيطان بحباله، فهو لا يستطيع منه فكاكًا، واستهوته الدنيا بملذاتها وبهرجها، فركن إليها، وظن أن مالها من فناء، وغرَّته قوته، فأخلد إلى كل ذلك، غافلاً عن يوم توفَّى فيه كل نفس ما اجترحت، ويستجير بكل ما توهمه له مجيرًا، فإذا بالكل يهرب منه صائحًا به: إني عنك اليوم مشغول ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ۚ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۚ فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦) سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (١٧٧)﴾ (الأعراف).

وما أتعس وما أشقى الإنسان أن يكون مثله كمثل الكلب ﴿كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ (الأعراف: من الآية 179) وإنسان يمُنُّ عليه بكل ما يتمناه، فينساق في طريق الغواية، ويستصحب دعاة الضلالة، ويتمرَّغ في حمأة الإثم، ويطول به الأمد في الذنوب، ثم تدركه رحمة الله فيفيق على لحظة، تدركه فيها العناية، فإذا به تائب، مستغفر، راج، منيب، فيلقى أبواب الرحمة مفتوحة المصاريع، وجنبات المغفرة واسعة الرحاب، فيغسل أدرانه بماء التوبة الطهور، فإذا به من الناجين.. ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّـهِ ۚ إِنَّ اللَّـهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ (٥٤) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٥٥)﴾ (الزمر).

هذا الإنسان بأوبته هذه يقطع على الشيطان طريقه، ويفسد عليه حبائله، ويرد كيده إلى نحره، ويطرده من حضرته، ويتجنَّب وساوسه، ولا يخرجه ذنب من إيمانه، ولا ييئسه إثم من رحمة ربه، فربه كريم غفور رحيم، ودود كريم، يرضيه أن يعود عبده إليه ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل ويبسط يده بالليل ليقوب مسيء النهار)).

هذه بعض القطوف الدانية من الروح والريحان، كتبها أحد الرجال الذين رباهم الإمام البنا رحمه الله على هذا الحق المبين، وعلى التجرد والإخلاص لله رب العالمين، أطلنا في نقلها بنصها لحاجتنا إليها، فيجب أن نتجب الطريق الذي لا يهدي إلى الله ولا نسلكه أبدًا، وأن نثبت أقدامنا بقوة على الصراط المستقيم، فذلك هو طريقنا، وهو حياتنا، وهو سرُّ وجودنا حتى نلقى الله سبحانه وتعالى.

نعم.. لقد ربى الإمام البنا- عليه الرضوان- جيلاً كريمًا، ووضع أساسًا ثابتًا، وشيَّد بناءً شامخًا وأوجد تيارًا إسلاميًّا، وأرسى دعائم مدرسة خرَّجت البطولات الفذة من الأوفياء الأمناء على أوطانهم وأمتهم، هذه البطولات ظهرت عمليًّا وبوضوح وبقوة في الميادين كلها.. في ميادين الحروب.. في الوقفة الصادقة أمام أعداء البشرية وحثالات العالم وشذَّاذ الآفاق من الصهاينة، وأمام الإنجليز في القناة؛ حيث أثارت الرعب في صفوفهم، وجعلت الحياة لهم في وادي النيل مستحيلة، فخرجوا مطرودين إلى غير رجعة، كما ظهرت البطولات في سجون عبد الناصر، وتحت مطارق العذاب وكرابيج الشياطين التي ظلت تلهب الظهور المؤمنة، الأيام والليالي والسنين، بلا هوادة، فما تغيَّر قلب، ولا نكص أحد عن عهد، بل قالوا جميعًا: آمنا بالله وحده، كما ثبت الرجال الأبرار تحت أعواد المشانق، يقول أحدهم لابنه: يا إبراهيم، إن أباك أقل من أن يموت في سبيل الله، وهو من هو في جهاده ومواقفه ضد الإنجليز ومواقفه في ميدان القتال في فلسطين، ويقول الآخر من الشهداء، وهو يصعد على المقصلة في ثبات المؤمنين بصوت مسموع: اللهم سامحني وسامح من ظلموني!.

أرأيت إلى هذه الدرجة من الإيمان العميق واليقين؛ بات ما عند الله هو خيرًا وأبقى!.

وهكذا تثمر تربية الإمام البنا.. تثمر الروح والريحان، وتجعل المؤمن يهفو إلى لقاء ربه، غير عابئ بما يلقاه في الطريق، وهو يتلو قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤) إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦)﴾ (الواقعة).

يقول الشاعر المسلم في هذا الرعيل المبارك:
الله يعلم ما قلبت سيرتهم يومًا وأخطأ دمع العين مجراه

اللهم أكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، ورضِّنا وارض عنا، اللهم ثبت قلوبنا على الحق، وقوِّ عزائمنا، وارزقنا الإخلاص في القول والعمل، وارزقنا حسن التوكل عليك، إنك نعم المولى ونعم النصير.

سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

أيها الأحباب.. الإمام البنا داعية ترك بصمة على التاريخ


بقلم: الشيخ محمد عبد الله الخطيب
ليست هذه الكلمات ردًّا على أحد فلا يوجد ما يستحق الردُّ، لكنها تذكير بتاريخ الدعوة إلى الله في القرن الرابع عشر الهجري والذكرى تنفع المؤمنين، وليس بين الله وأحد من خلقه نسب، لكنه العمل والعمل الصالح وحده..

أين نحن من هذه الدعوة؟
في حياتنا مع أولادنا.. وبيوتنا.. وجيراننا.. وكل من تعرف في العمل وفي الحياة، والرجل الصالح لا بد أن يترك أثرًا صالحًا مع كل من تعامل معه، والله عزَّ وجلَّ يأمر نبيه المختار صلى الله عليه وسلم بقوله عزَّ وجلَّ: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢) وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّـهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ (١١٣)﴾ (هود).

لا بد من وقفة صادقة مع النفس، نعرف منها أين نحن من رسالة الإسلام، ومن الدستور القرآني الخالد، ومن نبي الإسلام، الرحمة المهداة والسراج المنير صلى الله عليه وسلم؟ أين ورد المحاسبة؟ "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم" ﴿كَفيٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ (الإسراء).

ولسنا في هذا بأفضل من سيدنا عمر رضي الله عنه وأرضاه، فقد كان يحاسب نفسه كل يوم، ماذا فعل في هذا اليوم من خير؟ وماذا قدَّم من أعمال طيبة؟ فإن كان الجواب نعم حمد الله ونام، وإن كان غير ذلك استغفر وندم، وربما ضرب نفسه!.

أين نحن من قيام الليل؟ فقد اعتدنا عليه بفضل الله طوال شهر رمضان.. أفلا نداوم على هذا الخير؟ ونذكر من كانوا قبلنا، فقد وصفهم الحق تبارك وتعالى بقوله ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ﴿١٧﴾ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴿١٨﴾ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩)﴾ (الذاريات)، ووصفهم سبحانه بقوله ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤)﴾ (الفرقان).

دخلت أم عمر بن عبد العزَّيز عليه يومًا فوجدته يبكي، فقالت له: ما يبكيك يا عمر؟ هل بك من شيء؟ فقال لها: لا.. غير أني تذكَّرت الآخرة فبكيت، وكان رضي الله عنه يسجد على التراب تواضعًا لله عزَّ وجلَّ، هل نُرزق نحن مثل هذا الإيمان الذي يحرِّك المشاعر ويوقظ القلوب، ويحيي النفوس؟ هذا يحتاج إلى إيمان عميق، وفهم دقيق، ومداومة على العبادة والتلاوة والخشوع، وقد حدَّد الحق تبارك وتعالى أن المؤمنين بحق هم من وصفهم بقوله عزَّ وجلََّ ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّـهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ ۚ أُولَـٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ (الحجرات).

وقوله عزَّ وجلَّ ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّـهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (٣) أُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ (الأنفال).

أين نحن من ذلك كله حتى نستطيع أن نحمل دعوة، وأن نبلِّغ رسالةًً بالوسائل التي سلكها النبي صلى الله عليه وسلم؟، فرض في رقابنا وديْنٌ في ذمتنا نُسأل عنه يوم القيامة، وهو ديْن في رقاب المسلمين جميعًا، أنزل الله لنا كتابًا وبعث لنا رسولاً.. ماذا فعلنا بكتابه؟ وهل اقتدينا بنبيه؟ وهل آمنا بهذا الحق وصدَّقنا به؟ وسمَونَا بأنفسنا فوق الصغائر، وأكثرنا من عمل الحسنات واجتناب السيئات؟.

وهل وضعنا الدنيا- بما عليها- في دائرتها ونظرنا بحق إلى دار الخلود فتعلَّقت بها الأبصار والبصائر والقلوب؟ وهل استطعنا أن نجسِّد كل ما أعطانا الله من رزق، وما أسبغ علينا من نعم في طلب الآخرة؟، قال تعالى ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّـهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّـهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّـهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧)﴾ (القصص).

اللهم اجعلنا وإياكم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله، أولئك هم أولو الألباب.

نبذة تاريخية:
لا بد لنا قبل الدخول إلى الموضوع من معرفة بالأوضاع التي ظهر فيها الإمام البنا؛ كيف بدأ من الصفر؟.. إن التاريخ يقول لنا إن أعداء الإسلام في الشرق وهم التتار وأوروبا في الغرب لم يتمكن هؤلاء- بالرغم من الأهوال التي ارتكبوها في حق المسلمين، والمجازر التي تقشعر لهولها الأبدان، طوفان من هنا وهناك يدق بلاد المسلمين سواء في دار الخلافة من المغول، وحول بيت المقدس من الصليبيين- من ابتلاع بلاد المسلمين، وكل محاولاتهم وإجرامهم في حق الإنسانية باءت بالفشل، ورُدُّوا على أعقابهم خائبين، وبقيت راية الإسلام مرفوعةً والقرآن يُحتكم إليه، والمسلمون لا يرون له بديلاً.

وكتب الله لهذه الأمة الخلود والنصر في جميع معاركها؛ لأن الله عزَّ وجلَّ أراد ذلك، لكن العدو الماكر الخبيث غيَّر خطته، وبدأت قوافل التبشير تعمل للتشكيك في هذه الرسالة، والتهوين من أمر عقيدة التوحيد، ثم كان التآمر على دولة الخلافة من الصهيونية التي نسيت أن اليهود طوال حياتهم يعيشون في بلاد المسلمين آمنين، حقوقهم محفوظة، فالإسلام لا يعرف التفرقة، لكنه يعدل بين المواطنين جميعًا ما داموا يحافظون على كيان الأمة التي يعيشون فيها.

وفي هذا الجو الذي سقطت فيه الخلافة، ووصل الخط البياني إلى الصفر، بدأت حركات الإصلاح، ودعوات العودة إلى المنبع الصافي، ظهرت حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في بلاد الحجاز، والسنوسية في ليبيا، والمهدية في السودان، وكلها حركات إسلامية صحيحة تنادي بالإسلام كدين ودولة وجهاد في سبيل الله؛ لاستخلاص الأمة من أيدي هؤلاء الشياطين الذين تسلَّطوا عليها.

ثم تبلور العمل الصحيح للإسلام كدين وحضارة، وقانون ونظام وجهاد؛ لإحقاق الحق وإبطال الباطل، جاء في الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها" رواه أبو داود، فكان الإمام البنا بحق هو المجدد وهو الداعية وهو المربي وهو الإمام، يقول رحمه الله: لقد آمنَّا إيمانًا لا جدال فيه، ولا شك معه، واعتقدنا عقيدةً أثبت من الرواسي، وأعمق من خفايا الضمائر، بأن ليس هناك إلا فكرة واحدة هي التي تنقذ الدنيا المعذبة، وترشد الإنسانية الحائرة، وتُهدي إلى سواء السبيل، وهي التي تستحق أن يُضحَى في سبيل إعلانها والتبشير بها، وحمل الناس عليها سواء بالأرواح والأموال، وكل رخيص وغالٍ، هذه الفكرة هي (الإسلام الحنيف) الذي لا عوج فيه ولا ضلال لمن اتبعه ﴿شَهِدَ اللَّـهُ أَنَّهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ الْعزَّيزُ الْحَكِيمُ (١٨) إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّـهِ الْإِسْلَامُ﴾ (آل عمران) ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (المائدة: من الآية3).

ففكرتنا لهذا إسلامية بحتة؛ على الإسلام ترتكز، ومنه تستمد، وله تجاهد، وفي سبيل إعلاء كلمته تعمل، لا تعدل بالإسلام نظامًا، ولا ترضى سواه إمامًا، ولا تطيع لغيره أحكامًا.

يقول الرئيس محمد نجيب رحمه الله عن الإمام البنا، وقد وقف على قبره في الإمام الشافعي "من الناس من يعيش لنفسه لا يفكر إلا فيها ولا يعمل إلا لها، فإذا مات لم يشعر به أحد ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ (٢٩)﴾ (الدخان)، ومن الناس من يعيش لأمته واهبًا لها حياته، وحاصرًا في نصرتها وعزَّتها كل آماله، مضحيًا في سبيلها بكل ما يملك، وهؤلاء إذا ماتوا خلت منهم العيون، وامتلأت بذكراهم القلوب، وإمامنا من هؤلاء؛ إنه معلم الجيل، وإمام العصر، ومجدد الدعوة في العصر الحديث، وإليه ترجع النهضة الإسلامية على مستوى العالم في القرن الرابع عشر الهجري، لقد انتشرت الدعوة على أيدي تلاميذه في كل أنحاء الدنيا، وكلها حلقات متصلة تنظِّمها سلسلة واحدة هي الإسلام".

لقد كان الإمام الشهيد صاحب عقيدة أخذت بزمام نفسه، وملكت عليه منافذ حسِّه، فعاش من أجلها أشق عيشة وأقساها، ومات في سبيلها أشرف ميتةً وأسماها، وكان يؤمن بأن الدين الإسلامي هو الكفيل بإيجاد الفرد المسلم والأسرة المسلمة والمجتمع المسلم والحكومة المسلمة.

إن المبدأ الذي دعا إليه هو الإيمان اليقظ في نفوس المسلمين لا الإيمان المخدِّر النائم، وهو الإسلام بمعناه الشامل الذي ينظِّم شئون الحياة جميعًا، ويفتي في كل شأن منها، ويضع لها نظامًا محكمًا دقيقًا لا يقف مكتوفًا أمام المشكلات الحيوية، والنظم التي لا بد منها لإصلاح الناس، مستمدين ذلك من كتاب الله؛ فهو أساس الإسلام ودعامته وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

إن الإمام البنا- رحمه الله- يوجِّه في هذا الصدد كلمةً صريحةً قويةً، توقظ النائم، وتحرِّك القلوب، فيقول "إن أبيتم إلا التذبذب والاضطراب، والتردد بين الدعوات الحائرة، والمناهج الفاشلة، فإن كتيبة الله ستسير غير عابئة بقلة ولا بكثرة ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّـهِ﴾ (آل عمران: من الآية 126).

أما أسلوبه في العمل:
فقد سُئل رضي الله عنه: لماذا لم تؤلف كتبًا تضمنها هذه الأفكار السامية، والآراء السديدة التي تدعو إليها؟ فأجاب على الفور: ما أريد أن أؤلف كتبًا، بل أريد أن أؤلف رجالاً.

لقد أيقن- رحمه الله- بأن قيام الأمة الإسلامية لا يكون بالخطب والكلمات والكتب فحسب، بل لا بد من طبع النفوس على الفكرة الإسلامية، وتربية جيل على أخلاق الإيمان والبذل والفداء.

ولذلك وضع النظام التربوي الذي يربط المؤمنين بهذا الحق برباط أقوى من المادة، وأبقى من كل الأواصر، ويقوم على المعايشة عن قرب لتصحيح الخطأ، وعلاج النفوس والقلوب من الموجِّه لمن يربيه ويعلمه.

إن الإمام البنا وهو يضع هذه الأُسس الدقيقة للتربية، فقد اختار أولاً التأسيس: أي إعادة بناء الأمة من جديد ومن الأساس، وقد واجه الأمور بعد سقوط الخلافة، وتعطيل المنهج وتفريق الأمة، وهو شيء أكبر من الوعظ والإرشاد والتربية الإسلامية التي تصنع الفرد وتردَّه إلى الله عزَّ وجلَّ، لقد أصبح التجديد هنا هو إعادة البناء والتأسيس.

ثانيًا: الشمول: لقد استطاع أعداء الإسلام أن يجزِّئوا المنهج، فحاولوا إبطال الجهاد في سبيل الله، وأبعدوا السياسة عن الإسلام، كما جزَّءوا الشخصية الإسلامية، فقالوا هذا رجل دين لا يعرف في السياسة ولا علاقة له بها، وهذا رجل سياسة لا دخل له في الدين، وهذا دبلوماسي لا دخل له في الأمرين، المهم أن الإمام البنا- رضي الله عنه- أعاد ترتيب المنهج، وأعاد ترتيب الشخصية الإسلامية بما يتواءم ومنهاج الإسلام الشامل.

فالإسلام نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعًا، ولقد نبَّه القرآن الكريم إلى الإيمان الكامل بنظام الإسلام فقال: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّـهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (البقرة: من الآية85).

وبهذا الفهم تتجدد صلاحية هذا الدين لكل زمان ومكان وللمتعلم وغير المتعلم، للبدوي والحضري، وساكن المدينة وساكن القرى، وهكذا يجب أن يكون هدًى ورحمةً لكل من خلق المولى تبارك وتعالى من بني آدم.

ثالثًا: السلفية: وهي العودة إلى الله عزَّ وجلَّ بهذا الحق، وإلى حياة الذين طبَّقوه وأفلحوا في تطبيقه بتوازن في الحديث الصحيح "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضُّو عليها بالنواجز".

والمراد الحقيقي للسلفية عند المؤمنين استمداد الإسلام من أصوله دون تعصُّب، يقول الإمام البنا: "وتستطيع أن تقول ولا حرج عليك أن الإخوان المسلمين دعوة سلفية؛ لأنهم يدعون إلى العودة بالإسلام إلى معينه الصافي من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم".

كان الإمام على دراية بالحال الذي وصل إليها المسلمون والظروف التي يعيشونها، وبالمحاولات التي لا تكف عن إبعادهم عن دينهم ومصدر قوتهم.

ويضيف الإمام قوله: "إن رواسب القرون الماضية، ونتائج الحوادث الحالية لا يمكن أن تزول بأمنية تختلج في الصدور، أو كلمة تكتب في الصحف، أو خطب تُلقى على الجماهير، بل لا بد من طول الأناة ودوام المثابرة، وعظيم المصابرة، والدأب على العمل".

وهذا الفهم هو امتداد للحديث الصحيح "ليس الإيمان بالتمنِّي ولا بالتحلِّي، ولكن ما وقر في القلب وصدَّقه العمل، وإن قومًا غرَّتهم الأماني، وخرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم قالوا: نحسن الظن بالله، وكذبوا لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل" (مسند الفردوس).

خطر الفرقة:
كما ربَّى الإمام الإخوان على وحدة القلوب وتعانق الأرواح، وكان يقول: إن أكبر أمراض المسلمين الفرقة والخلاف، وأن أنجح دواء لهم (الوحدة الإسلامية)، واختار للجماعة أحب الأسماء إليه، وكان يقول: (إني أمقت الخلاف في جميع صوره وألوانه، فلا خير فيه أبدًا) فالأخوَّة أخت الإيمان، والتفرُّق أخو الكفر، وكان يقول: "لئن نجتمع على قليل من الخطأ خير من أن نفترق على كثير من الصواب"، وكان يقول: "إن الناس إذا رأوا رجلاً واحدًا انحرف عن الصف لا يقولون رجلاً انحرف بل يقولون (صفًّا أعوج)".

وهذا تطبيق لقوله تعالى؛ حيث يأمر المؤمنين، فيعلن في حزم وقوة ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّـهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّـهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّـهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)﴾ (آل عمران)، وينهانا في حزم وصراحة عن التفر ُّق، وينبِّهنا إلى النهاية المحزنة للذين يتفرقون شيعًا وأحزابًا وطوائف، فيقول جلَّ شأنه: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّـهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٠٧)﴾ (آل عمران).

أين الذين يتفرقون ويصرون على التفرق؟ ويركبون رءوسهم، ويجرون وراء أهوائهم، هل قرءوا هذا الوحي العظيم؟ وهل تدبروه، وهل عقلوه وعادوا إلى ربهم؟.

أيها الأحباب.. هذه دعوتكم، ودعوة كل مسلم على ظهر الأرض، جاء بها سيد البشر، وحملها من بعده الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، إن من ملامح هذه الدعوة الأساسية كما تعلمنا من الإمام هي: البناء النافع بغير حدود، النافع للأفراد، والمفيد للأمة كلها، والذي يحفظ عليها كيانها وتَقَدُمها وحضارتها.

ففي الإسلام طريق الدنيا هو طريق الآخرة بلا اختلاف ولا افتراق، فليس هناك طريق للآخرة اسمه العبادة وطريق للدنيا اسمه العمل، وليس هناك رجال دين ورجال دنيا، وإنما هو طريق واحد أوله في الدنيا وآخره في الآخرة.

إن العمل الجاد النافع النابع من عقيدة سليمة وإيمان عميق هو استمرار العمل والجهاد والسعي والتعلُّم والتعليم مستمرًا إلى آخر لحظة من لحظات العمر.

شُوهد أحد الصحابة وقد تقدَّم به العمر مع المجاهدين في ميدان الجهاد، فقالوا له: ماذا تصنع وأنت قد أدَّيت ما عليك؟ فقال: أكثِّر عدد المسلمين أمام الأعداء، وأدواي الجرحى.

إن توكيد قيمة العمل والحض عليه، فكرة واضحة شديدة الوضوح في مفهوم الإسلام، روي في المنتخب بإسناد حسن عن أنس يقول صلى الله عليه وسلم "إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فاستطاع ألا تقوم حتى يغرسها، فليغرسها فله بذلك أجر".

مقتضى هذا الحديث: كل مسلم ومسلمة يجب عليهما ألا يفرطا في أي لحظة من حياتهما في العمل المستمر الجاد، وقد شُوهد أحد الصحابة يغرس شجرة، فقالوا له: قد تقدَّم بك العمر، وهذه الشجرة ثمارها تتأخر، فنظر إليهم وقال: غرس من قبلنا فأكلنا، ونحن نغرس إلى مَن بعدنا.

أرأيت إلى هذه النظرة تقول: إن ديننا هو دين النفع العام، والعطاء الدائم المستمر، والأفق المضيء الذي ينظر حتى إلى الأجيال التي لم تأت بعد.

والدعاة إلى الله في كل جيل هم أحوج الناس إلى هذا الدرس الغالي العظيم، هم أحوج الناس أن يأخذوا من نبيهم صلى الله عليه وسلم هذا التوجيه، فيعملون لدينهم ولدنياهم ولآخرتهم ويُعلمون غيرهم، ويكونون قدوة صالحة، وهنا يُطرد اليأس من النفوس، ويزداد الذين آمنوا إيمانًا بالرجاء والأمل الواسع.

والدعاة هم أحق الناس بالتدبر العميق في سيرة نبيهم صلى الله عليه وسلم، لقد كان يغرس ويربِّي في دار الأرقم، ويُبايَع عند العقبة ويطوف في مواسم الحج يعرض نفسه على القبائل، فيكون الرد ردًّا منكرًا فيه استهزاء، وفيه غلظة الجاهلية، فما يزيده ذلك إلا إصرارًا على ما يقول، كان يفعل كل ذلك وهو لا يدري، فقد تأتمر به قريش، وقد يموت هو وأصحابه في شِعب أبي طالب، ومع ذلك فهو صلى الله عليه وسلم يؤدِّي واجبه على أكمل وجه، ويترك الباقي لله عزَّ وجلَّ.

إن صاحب الدعوة يجب عليه شرعًا أن يبلِّغها إلى الناس بالكلمة الطيبة وبالموعظة الحسنة، ولا يسأل نفسه: كيف يُستجاب لها ومن حولها الأعاصير والدعايات الباطلة والتشويه المتعمد والشر من كل جانب؟ لا يسأل نفسه، بل لا يفكر فيه، فليس ذلك من شأنه إنما هو من شأن صاحب الأمر، فليدع ذلك لله صاحب الدعوة، بيده الأرواح وفي قبضته السماوات والأرض، والمهم أن يكون على بصيرة مما يدعو إليه، وعلى فقه بما يقول، وصدق الله العظيم ﴿قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّـهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّـهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ (يوسف).

نفعنا الله بما نسمع وبما نقول وغفر لنا ذنوبنا، وتقبل منَّا أعمالنا، إنه سميع مجيب.. اللهم آمين.