بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 28 أغسطس 2010

غزوة بدر الكبرى

غزوة بدر الكبرى
سبب الغزوة وقصتها:
روى ابن إسحاق أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم - لما علم بأمر قافلة قريش ورجوعها من الشام من جهة الشمال قال لأصحابه: "هذه عير قريش فيها أموالهم، فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها".
مبلغ قوة الجيش الإسلامي:
فقد كان قوامه 313 أو 314 أو 317 مقابل 1300 – والعبرة من ذلك:
أن العبرة ليست بالعدد ولا العتاد، وإنما بالقربى من الله والإخلاص له.
قال الله تعالى: (كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) [البقرة الآية 249].
توزيع الرسول القيادات وتقسيم الجيش:
وعبرة ذلك ضرورة الأخذ بالأسباب وترك النتائج على الله، وضرورة وضع الرجل المناسب في المكان المناسب والاجتهاد في ذلك.
الرسول يستشير أصحابه:
كلام الصحابة الطيب في ذلك مثل: كلام أبي بكر وعمر، والمقداد بن عمر، وسعد بن معاذ، وفي هذا عبر كثيرة منها: تقريب مبدأ الشورى في الإسلام، الثبات عند اللقاء والتغلب على هوى النفس، لا يكن المسلم إمعة وإنما للمواقف رجالها التي تظهر عند الشدة.
قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [آل عمران الآية 159].
قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [الأنفال الآية 45].
قال الله تعالى: (كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ * يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ) [الأنفال الآيات 5-6)
الرسول – صلى الله عليه وسلم – يقوم بعملية الاستكشاف وجمع المعلومات:
سؤال الرسول – صلى الله عليه وسلم – وأبي بكر الشيخ العربي عن قريش ثم التمويه عليه والتورية في الإجابة عن سؤاله بقوله "من ماء" ثم سؤاله للغلامين عن قريش وعددهم والعبرة من ذلك، الجد والسعي لصالح الصف المسلم، ومحاولة تتبع أخبار العدو لأخذ الحيطة والحذر، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا) [النساء الآية 71].
قال الله تعالى: (وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا) [النساء الآية 102].
الاستفتاح ومناشدة الرسول ربه:
وفي هذا أكثر من عبرة منها الثبات على المبدأ الحق، الدعاء جند من جنود الله فلا تغفله قال الله تعالى: (إِن تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِن تَنتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَعُودُوا نَعُدْ وَلَن تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ) [الأنفال الآية 19].
قال الله تعالى: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) [الأعراف الآية 55].
روى ابن إسحاق أنه لما تراءى الجمعان دعا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بقوله: "اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تخاذل وتكذب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني، اللهم أحنهم الغداة" أهلكهم".
وورد في دعائه أيضًا: "اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد بعد اليوم أبدًا".
استجابة الله لرسوله وإمداد الله للمسلمين:
قال الله تعالى: (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ) [الأنفال الآية 12].
وقال تعالى: (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ .. إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ) [الأنفال الآيات 9-11].
روائع إيمانية تجلت في المعركة:
1- رائعة الحباب بن المنذر وتغيير المكان.
2- رائعة المقداد بن عمرو وسعد بن معاذ.
3- رائعة بلال وإخوانه من المسلمين في تعقب أمية بن خلف وابنه وعدم المبالاة بصداقته لعبد الرحمن بن عوف.
4- قتل عمر بن الخطاب لخاله العاص بن هشام بن المغيرة، وعدم الالتفات إلى قرابته.
الأنفال تعطي للمسلمين دروسًا غاية في العظمة:
قال الله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنْفَالِ قُلِ الأنفَالُ للهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ) [الأنفال الآية 1].
الرسول – صلى الله عليه وسلم – يدخل المدينة مظفرًا منصورًا:
وينتج عن ذلك أن يهابه كل عدو له بالمدينة وما حولها، ويُسلم بشر كثير من أهل المدينة وممن حولها، ومع هذا كله يذكره القرآن بأن النصر من عند الله، قال الله تعالى: (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى) [الأنفال الآية 17].

رحلة تربوية مع غزوة بدر


يا ليلَ أُمَّتِنا الطويلَ مَتَى نَرَى فَجْـرًا تُغرِّد فَوْقَهُ الأمْجَادُ
أَجْـدَادُنَا كَتَبُوا مَـآثِرَ عِزِّهَا فَمَحَـا مَآثِرَ عِزِّهَا الأَحْفَادُ
دَعْنَا نُسـافِرُ فِي دُرُوبِ إِبَائِنَا وَلَنَا مِنَ الْهِمَمِ الْعَظِيمَةِ زَادُ
1- معركة بدر كانت أول مراحل الكفاح الجدي الدامي الذي خاضه الإسلام ضد الشرك؛ حيث إنها أول معركة- على الإطلاق- يتقابل فيها المسلمون والمشركون ويقذفون فيها بكتائب لم يسبق لهم أن قذفوا بمثلها، منذ أن ظهرت دعوة الإسلام ونشبت الخصومة بينها وبين الكفر، ويُضاف لذلك أنها كانت المعركة الفاصلة الأولى والحاسمة في تاريخ الإسلام والمسلمين؛ لذا فهي تحمل من المفاهيم التربوية والعظات والعبر الكثير والكثير، ولكننا هنا نذكر القليل منها:

2- خف الرسول- صلى الله عليه وسلم- وخرج من المدينة في مائتي مقاتل لاعتراض قافلة قريش التي يقودها أبو سفيان- وذلك في غزوة العشيرة- ولكن القافلة تمكَّنت من الإفلات إلى الشام، فأرسل الرسول- صلى الله عليه وسلم- دوريةً تراقب وصول القافلة حتى مر بها أبو سفيان بن حرب عائدًا من الشام فأخبرت الرسول- صلى الله عليه وسلم- بذلك.. فهل ما فعله الرسول- صلى الله عليه وسلم- يعد ضربًا من قطع الطريق، وعملاً من أعمال السلب والنهب المجردة كما يزعم الحاقدون على الإسلام؟

مثل هذا التساؤل لا يخرج إلا من قلوبٍ حاقدة كارهة للإسلام والمسلمين يتحكم فيها الهوى والرغبة في التشويه.. أليس الذي أعلن الحرب بغيًا وعدوانًا على المدينة ومن بها من المسلمين هم أهل مكة وأصحاب هذه القافلة؟.. أليس أصحاب تلك القافلة هم الذين صادروا أموال المهاجرين واستولوا على ممتلكاتهم بغيًا وعدوانًا لا لشيء إلا أنهم آمنوا بالدين الجديد؟.. أليس من حق مَن أعلنت عليه الحرب وصودرت أمواله أن يقاتل من أعلنها ويستولي على كل ما تصل إليه يده من ممتلكاته؟. أليست المدينة في حالة حربٍ مع مكة؟، وقاعدة الحرب وقانونها في عرف جميع البشر يؤيد ويقر ويبارك الضربة العسكرية أو السياسية أو الاقتصادية القاصمة؟.

وأيضًا ما السبب الذي من أجله أخرج هؤلاء المؤمنون من ديارهم، أليس لأنهم خالفوا قومهم في اعتناق الوثنية وعبادة الآلهة الباطلة وعبدوا الله الواحد الأحد؟. إذًا فهم اضطهدوا من أجل العقيدة لا لشيء آخر كالتخريب أو الفساد، إذًا فمن حقهم البحث عن وسائل تحقق لهم حرية الاعتقاد السليم والصحيح، وإن أدَّى ذلك إلى قتال؛ لذلك كان من حقهم- المهاجرين- أن يطلبوا حقوقهم من قريش وأن يسعوا للحصول على أموالهم المنهوبة ولم يكن سبيل إلى ذلك إلا بالوقوف في طريق قوافل قريش.

ومن أجل كل هذا فما أراده النبي- صلى الله عليه وسلم- في الحصول على تلك القافلة، وهذه الثروة الهائلة يعد ضربةً عسكريةً وسياسيةً واقتصاديةً قاصمةً تنزل بأهل مكة وينتج عنها زيادة قوة المسلمين ورفع روحهم المعنوية.

فما كان المسلمون ليقطعوا الطريق على قافلة ولكنهم أرادوا أن يقطعوا الطريق على الكفر المستشري والشرك المتفشي وأرادوا بخروجهم هذا أن يقطعوا دابر هذا الكفر وأن ينالوا بعض ما أخذ منهم من أموال.

3- عندما سمع الرسول- صلى الله عليه وسلم- بدخول قافلة قريش إلى التراب الحجازي أصدر نداءه:- "هذه عير قريش فيها أموالهم فأخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها".. وقال- صلى الله عليه وسلم:- "من كان ظهره حاضرًا- أي جواده موجودًا- فليركب معنا".

من هذا النداء نرى أن استنفار الرسول- صلى الله عليه وسلم- للجيش الإسلامي لم يكن إجبارًا بل كان بمثابة الترغيب فقط، لذلك تخلَّف كثيرٌ من الصحابة عن هذا النداء، ولم ينكر الرسول- صلى الله عليه وسلم- على أحد من المتخلفين بل ولم يستحثه على الخروج بل ترك الأمر للرغبة الخاصة والاختيار المحض، وكان الأمر يخص المهاجرين أكثر من غيرهم؛ لأن الأنصار غير ملزمين بالخروج مع الرسول- صلى الله عليه وسلم- بناءً على بنود بيعة العقبة الثانية التي جاء فيها: "وعلى أن تنصروني إذا قدمت عليكم يثرب، وتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم" (أخرجه أحمد بإسناد حسن، وصححه الحاكم وابن حبان عن جابر).

ولكن الإيمان العميق بالإسلام ونصرته الموجود بقلوب الأنصار جعل الكثيرين منهم يسارعون بالاستجابة لدعوة الرسول- صلى الله عليه وسلم- حتى بلغ بهم الحماس للخروج أن الرجل منهم كان يساهم ابنه ليخرج منهما واحد ويبقى الآخر مثل ما حدث بين سعد بن خيثمة وابيه ليخرج هو للقتال، ويبقى الابن في البيت. فيقول سعد:- والله يا أبي لو كان غير الجنة لأثرتك به، إني لأرجو الشهادة في وجهي هذا. فلم يرض خيثمة إلا لأن يقترع بينه وبين سعد على الخروج، وخرج سهم سعد دون سهم أبيه.

هل الجنة تستحق كل هذا؟
نعم، وفيها يتنافس المتنافسون، فمَن تنافس في أمرها ارتفعت رُوحه، ومَن تنافس في غيرها انحطَّ وخسر، وهي التي دندن حولها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم؛ لذا فهي مناط العمل، ومكان رضا الرحمن، فمن أجلها تذرف الدموع، وتراق الدماء، والعاقل مَن سلك الطريق المؤدي لها، والعاجز مَن تمناها وقصر في العمل، وأضمن طريق للجنة هو الجهاد، وللمجاهد فيها درجات، فعن أبي هريرة- رضي الله عنه- عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض" رواه البخاري، والجنة ليست علو مكانة ورفع منزلة فحسب بل نعيم دائم وسعادة مطلقة. وأفضل عطاء لأهل الجنة هو قول النبي- صلى الله عليه وسلم-: "إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول الله- عزَّ وجل- تريدون شيئًا أزيدكم، فيقولون ألم تبيض وجوهنا، ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار، قال فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم، ثم تلا هذه الآية- ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (رواه مسلم عن صهيب رضي الله عنه).. إنها الجنة، دار كرامة الرحمن فهل من مشمرٍ لها؟

فاحذر أن تقدم على جنةٍ عرضها السماوات والأرض وليس لك فيها موضع قدم، وكن كسعد بن خيثمة- رضي الله عنه- وقل للدنيا كلها: "إنها الجنة".

4- تجمع من الجيش الإسلامي بالبقيع ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً منهم مائتان وواحد وثلاثون من الأنصار، أما المهاجرون فقد كانوا ستة وثمانين رجلاً.. وتجمَّع للجيش الإسلامي سبعون بعيرًا وفرسان (واحد مع المقداد بن الأسود، والثاني مع الزبير بن العوام)، وجاءت لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- أم ورقة بنت نوفل فقالت:- يا رسول الله، أأذن لي في الغزو معك، امرض مرضاكم لعل الله يرزقني الشهادة. فقال لها- صلى الله عليه وسلم:- "قري في بيتك فإن الله يرزقك الشهادة"

* حضور أم ورقة بنت نوفل- رضي الله عنها- للنبي- صلى الله عليه وسلم- ليأذن لها في الغزو معه دليل قوي يبين لنا أن للمرأة المسلمة منذ اللحظة الأولى دورًا بارزًا في حمل دعوة الإسلام والذود عنه في أعلى درجاته وهو الغزو في سبيل الله؛ لذا كانت النساء المسلمات يخرجن في عهد النبوة والراشدين مع الجيش الذاهب للقتال، فقد ورد في صحيح البخاري (عن الربيع بنت معوذ- رضي الله عنها- قالت: كنا نغزو مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لنسقي القوم ونخدمهم ونرد القتلى والجرحى إلى المدينة)، والأمثلة على اشتراك المرأة في الجيوش الذاهبة للقتال كثيرة؛ حيث كان دورها الأكبر هو خدمة المقاتلين من حفظ للمتاع، وإعداد للطعام، وتقديم للشراب، وإسعاف للجرحى، ومداواة للمرضى، ونقل للجثث من منطقة العمليات وغير ذلك من الأمور التي تتناسب مع طبيعتها، وكان لها أيضًا دور احتياطي وهو حمل السلاح وممارسة القتال؛ حينما يصبح القتال فرض عين عليهن، وذلك للدفاع عن أنفسهن كما جاء في صحيح مسلم، عن أنس- رضي الله عنه- أن أم سليم- رضي الله عنها- اتخذت يوم حنين خنجرًا فكان معها، فرأها أبو طلحة فقال: يا رسول الله هذه أم سليم معها خنجر! فقال لها رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "ما هذا الخنجر؟". قالت: اتخذته إن دنا مني أحد من المشركين بقرت بطنه، فجعل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يضحك.. أو للدفاع عن النبي- صلى الله عليه وسلم- أو الدفاع عن الوطن وقيادة المسلمين إذا تتطلب الأمر ذلك، وقد تجلَّى في دفاع نسيبه بنت كعب (أم عمارة الأنصارية) رضي الله عنها يوم أحد.

5- حينما فصل الرسول- صلى الله عليه وسلم- عن المدينة أمر بإحصاء عدد المسلمين فلما أخبر أن العدد بضعة عشر وثلاثمائة حمد الله وقال: "عدة أصحاب طالوت". وتفقد أفرادًا، فرد مَن استصغر منهم، وكان ممن ردهم أسامة بن زيد، ورافع بن خديج، وغيرهم، ورد عمير بن أبي وقاص فبكى عمير فأجازه النبي- صلى الله عليه وسلم- (كان عمير وهو ابن ست عشرة سنة يتوارى بين أفراد الجيش حتى لا يراه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال له أخوه سعد بن أبي وقاص:- مالك يا أخي؟. قال: أني أخاف أن يراني رسول الله فيستصغرني، ويردني وأنا أحب الخروج لعل الله أن يرزقني الشهادة، فكان سعد يقول: "كنت أعقد له حمائل سيفه". فأصبح عدد الجيش خمسة وثلاثمائة رجل من المهاجرين، أربعة وستون رجلاً والباقون من الأنصار.

من المعلوم أن الصبيان الصغار الذين لم يبلغوا الحلم، عادةً ما يخافون من الدماء، ويفزعون من سماع القتال والقتل فما بالنا نراهم هنا؟. فخروج أسامة بن زيد وعبد الله بن عمر وغيرهم مع الجيش بالرغم من صغر سنهم يدل على رغبتهم في المشاركة في أعمال الجهاد التي يقوم بها الرجال المسلمون. ومعنى ذلك أنهم لقيا تربيةً إسلاميةً حببت إليهم الجهاد بحيث إنهم صاروا يتطلعون إليه وهو درس للأمة الإسلامية وبخاصة الدعاة منها أن يولوا الكثير من عنايتهم وما يرشدون إليه الناس في تربية الأولاد- أولاد المسلمين عامة، وأولاد الدعاة خاصة- تربيةً إسلاميةً تحبب إليهم أعمال الجهاد بجميع صوره وأنواعه.. فمن المؤسف في هذا العصر أنك تجد انفصامًا كبيرًا بين بعض الدعاة وما يدعون إليه الناس من الجهاد ومكارم الأخلاق وما يفعله أبناء هؤلاء الدعاة من منكراتٍ أو تقاعسٍ عن الجهاد ونصرة الحق؛ حتى إن بعضهم إذا أراد ابنه أن يشارك في نصرة الحق منعه أبوه بحجة الخوف عليه!!!

* إرجاع النبي- صلى الله عليه وسلم- لهؤلاء الأبناء مع رغبتهم الشديدة في الجهاد درسٌ مهمٌ ودليلٌ قويٌ على أن الرغبة وحدها- في الجهاد وفي أي عملٍ من أعمال البر ومنها ما يتعلق بالدعوة- لا تكفي لأن يستجيب القائد إلى طلبات الراغبين في المشاركة في أي نوعٍ من الأنواع السابقة (الجهاد، الدعوة، أعمال البر)، بل لا بد من تحقق القدرة في أداء ما يرغب عمله، والقدرة على العمل المرغوب فيه لا تقف عند حد القدرة البدنية فقط، وإنما تشمل القدرة على كل ما هو لازم وضروري لإنجاز العمل المرغوب فيه. فعلى القيادة في جميع المستويات ملاحظة ذلك جيدًا، ولا تضع خططها على أساس رغبات أتباعها فقط دون التأكد من قدرتهم على تنفيذ ما يرغبون فيه، سواء أكانت القدرة المطلوبة قدرة مادية كالقدرة البدنية أو معنوية وأعلاها القدرة الإيمانية التي تهون على صاحبها الصعاب التي يلقاها، وما يتطلبه تنفيذ العمل المرغوب فيه.

6- وفي الطريق إلى بدر أتى حذيفة بن اليمان وأبوه إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وقالا له إنهما عند خروجهما من مكة أخذت قريش عليهما عهدًا من الله وميثاقه ليصيرن إلى المدينة ولا يقاتلان مع محمد. فقالا: يا رسول الله فما ترى؟.. فقال- صلى الله عليه وسلم-: "نستعين الله عليهم"، ونفي بعهدهم". فانطلق حذيفة وأبوه إلى المدينة ولم يذهبا مع الرسول- صلى الله عليه وسلم- إلى بدر.

* هكذا يعلم الرسول- صلى الله عليه وسلم- أفراد الفئة المؤمنة وقادتها أهمية الوفاء بالعهد، فالوفاء بالعهد وإن ظهر في بعض صوره مجحفًا بالمسلمين، مفوتًا لهم بعض الفرص السانحة فإنه بركة في جهدهم المبذول وإن قل. كما أن الوفاء بالعهد تطبيق لمكارم الأخلاق العالية؛ حيث يرسم للفئة المؤمنة صورة صادقة مشرقة أمام الناس فيكون ذلك سببًا في تقوية الدعوة الإسلامية؛ وذلك في جذب الناس إلى الدخول إلى الإسلام والحرص على تطبيق تعاليمه، وفوق كل هذا فهو طاعة لربهم الذي قال لهم: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً﴾ (الإسراء: من الآية 34)، مع العلم أن هذا يترك للقيادة تقدره حيث هي أدرى باحتياجات المرحلة؛ لأنه لا يجب أن يتعلل الأفراد بترك الجهاد مع الإمام ونائبه وفاءً للعهد.. فالرسول- صلى الله عليه وسلم- والله أعلم- أراد أن لا يشيع عن أصحابه نقض العهد في تلك المرحلة- وإن كان لا يلزمه ذلك- لأن المشيع عليهم لا يذكر تأويلاً.

7- لما سار الرسول- صلى الله عليه وسلم- نحو بدر صام يومًا أو يومين ثم أمرهم أن يفطروا ولا يصوموا، ولكن بعضهم تحرَّج فلم يستجب للأمر، فلما علم بذلك الرسول- صلى الله عليه وسلم- نادى مناديه بقوله- صلى الله عليه وسلم-: "يا معشر العصاة، إني مفطرٌ فأفطروا".

* هنا يضع الرسول- صلى الله عليه وسلم- قاعدة صلتنا بالدين، وهي عدم الغلو والتنطع في الأخذ بالدين، فالغلو أو الإفراط وكذلك التهاون أو التفريط من سجايا النفس في تناولها للأشياء، ولا سيما ما يتصل بموضوع القلوب والاعتقادات، وخطة الإسلام في كلِّ أموره العملية والنفسية خطة القصد والتوسط؛ لذلك جعل مقابل عزائمه رخصة التي تيسر على المسلم تناول شئون الدين، وحبب إلى المسلمين الأخذ بها كحبه لأخذهم بالعزائم.

ومن ثم كان نداء الرسول- صلى الله عليه وسلم- على المتشددين الذين تحرجوا من الرخصة- رخصة الفطر في نهار رمضان- بقوله: "يا معشر العصاة، إني مفطر".. فمَن الذي يرغب بنفسه عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم؟

8- نقلت عيون أبو سفيان إليه أيضًا أن محمدًا قد استنفر أصحابه للقافلة، وأنهم قد غادروا المدينة للإيقاع بها، هنا قرر أبو سفيان إبلاغ قادة قريش في مكة فكلف ضمضم بن عمرو الغفاري بتلك المهمة ولم ينتظر أبو سفيان نجدة قريش له بل ظل يواصل سيره نحو مكة، في حذرٍ وتيقظٍ وكاد أبو سفيان أن يقع في قبضة الجيش الإسلامي عندما اقترب من بدر لولا أن أسعفه القدر حينما تناول بعيرات البعيرين وعند فحصها وجد فيها نوى يثرب فقال: "والله علائف يثرب". وتأكد بذلك أن محمدًا وجيشه قريبٌ من هنا.

* استفاد أبو سفيان من بعر البعير بمعلومةٍ غيَّرت مجرى الأحداث كاملة؛ حيث استطاع أن يعرف تحركات عدوه حتى خبر السرية الاستطلاعية عن طريق غذاء دوابها بفحصه البعر الذي خلَّفته الإبل، إذ عرف أن الراكبين من المدينة أي من المسلمين، وبالتالي فقافلته في خطر؛ لذلك ينبغي على القائد الناجح أو من كُلِّف بمهمةٍ أن يخفي على عدوه كل شيء يمكن أن يستفيد منه في استخلاص المعلومات، وقد يبدو أحيانًا أن هذا الشيء تافه إلا أنه ينبغي ألا يتهاون فيه، فمثلاً كمية الغذاء اليومي المستهلكة تحدد عدد السكان، وكمية الوقود تحدد عدد السيارات ونوعها، وهكذا وما ضاعت الخلافة ولا تفككت الأمة ولا تقاتلت الدول الإسلامية والعربية إلا حينما اخترقت من عدوها وتسربت أسرارها فعلم العدو كيف يُوقع بينهم العداوة والبغضاء.

9- تحرك قادة مكة بسرعة لتجهيز جيش قوي لإنقاذ العير.. وتجهز الناس وشغل بعضهم بعضًا، حتى ضم جيش المشركين جميع زعماء قريش وقادتها ما عدا صفوان بن أمية، وأبي لهب الذي بعث عنه بديلاً وهو العاص بن هشام بن المغيرة بدينٍ عليه.

* ما فعله أبو لهب بإرسال العاص بن هشام بن المغيرة مكانه في الجيش مقابل أن يسقط الدين الذي على العاص يدل على أن بعض الرجال في كل العصور- حتى في الجاهلية المتعصبة- يجودون بالمال ولكنهم يضنون بالنفس، ويصعب عليهم الجود بها؛ لأن ضياع المال يمكن تعويضه أما ضياع النفس فهو الفناء؛ لذلك ربى الإسلام المسلمَ الصادق على أن يبذل في سبيل الله كل شيء، يجود بالمال وبالنفس معًا، ولا يبخل بجانبٍ من جوانب الحياة، ما دام يصل بهذا البذل إلى حياةٍ أخرى هي النعيم الدائم والاستقرار الخالد والطمأنينة الأبدية، والسبب في ذلك أن الدعوة التي يؤمنون بها لكي تحقق أهدافها وغايتها لا بد من أن تخوض معارك في كل الميادين؛ لذا نادهم ربهم بالنداء المحبب إلى النفوس وهو تاج الرؤوس: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (11)﴾ (الصف)، والمسلمون نجحوا في بذل المال يوم المؤاخاة يوم الهجرة، فكان لا بد من أن يخوضوا تجربةً في البذل بالنفس فكانت الغزوات.

جيش العدو
10- جهَّزت قريش الجيش بسرعةٍ فكان جيشًا ضخمًا بلغ تعداده حوالي ألف وثلاثمائة مقاتل، معهم مائة فرس وستمائة درع وعدد كبير من الإبل حوالي سبعمائة، وبينما جيش المشركين بالجحفة إذ جاءتهم رسالة أبي سفيان بن حرب، طالبًا منهم الرجوع، ولكنَّ أبا جهل قال في كبرياءٍ وغطرسة: "والله، لا نرجع حتى نرد بدرًا، فنقيم بها ثلاثًا فننحر الجزور ونطعم الطعام ونُسقَى الخمر وتعزف لنا القيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرتنا وجمعنا، ويرانا مَن غشينا من أهل الحجاز، فإنه لن يرانا أحدٌ من العرب وما جمعنا فيقاتلنا بعد".

* كان من الممكن أن يرتد هذان الجيشان دون قتال، ولكن عدواة أبي جهل للإسلام قديمة ومترسبة في أعماقه ورثها عن عمه الوليد، فمن الضروري أن يحرس هذه المخلفات الجاهلية (هبل واللات والعزى)، ويحرس معها أمواله وأموال قريش ويُفرِّغ حقده وكرهه لمحمد بالقضاء- كما يظن- على محمد وأصحابه الذين جثموا في الطريق يهددون التجارة الهابطة والصاعدة، لذلك لم ينصت لنصح الناصحين.

11- بلغ المسلمين خبر نجاة أبي سفيان بالقافلة، وبلغ الخبر الأهم وهو خروج جيش المشركين الضخم من مكة وزحفه نحو بدر، لهذا اهتمَّ الرسول- صلى الله عليه وسلم- بتلك التطورات الخطيرة المفاجئة غاية الاهتمام، وبالرغم من أنه الرسول المرسل من عند الله، وبالرغم من أنه القائد الأعلى للجيش الذي لن يخالف أحد أمره، إلا أنه- صلى الله عليه وسلم- لم ينفرد بالقول الفاصل ولم ينفرد بالرأي بل أسرع- صلى الله عليه وسلم- وعقد مجلسًا استشاريًّا عسكريًّا لتبادل الرأي مع قادة الجيش ليعرف وجهات نظرهم حيال هذا الموقف الخطير؛ وذلك بعد خروج الجيش من وادي الذفران قرب بدر.

قال الرسول- صلى الله عليه وسلم- لمجلسه العسكري: "إن القوم قد خرجوا إليكم من مكة على كل صعب وذلول مسرعين، أيها الناس إن الله وعدني إحدى الطائفتين أنها لكم، إما العير وإما النفير بالغلبة عليهم، فما تقولون؟، العير أحب إليكم من النفير؟". فقال بعضهم: يا رسول الله عليك بالعير ودع العدو. وقال البعض: هلا ذكرت لنا العدو فنتأهب له؟. فتغيَّر وجه الرسول- صلى الله عليه وسلم- فلما رأى أبو بكر الصديق ذلك، قام فتكلم وأحسن، ثم قام عمر بن الخطاب قام فتكلَّم وأحسن. ثم قام بالمقداد بن الأسود خطيبًا في المجلس قائلاً: يا رسول الله أمضِ لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون وعلَّق الرسول- صلى الله عليه وسلم- على مقولة المقداد قائلاً: "خيرًا". ودعا له بخير، وفتحت الكلمة الطريق أمام الناس ليقولوا قولته ويصولوا صولته. لذلك قال عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- عن موقف المقداد: شهدت من المقداد بن الأسود مشهدًا، لأن أكون صاحبه أحب إلى مما عدل به.

* هكذا تحتاج الدعوات في المواقف الصعبة المفاجئة أصحاب العزائم القوية والآراء السديدة التي تنبع مما آمن به في وقت السلم والراحة، فرجل الدعوة يتربَّى سنوات طوالاً من أجل الثبات في تلك اللحظات الحرجة التي تعد فاصلاً قويًّا في حياة دعوته وما آمن به، فلا يعقل أن ينادي إلى الجهاد ورفع راية الإسلام وحب الشهادة والتغني بأن الموت في سيبل الله أسمى أمانيه ثم إذا بدا له شعاع مما نادى به أو تغنى به إذا هو أول المترددين المتعللين الذين يبحثون عن كافة الأعذار والمبررات التي تدفع للركون أو الهروب أو التأخر (نسأل الله الثبات عند المحن والابتلاء).

كما أن قول المقداد (والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى...)، دلالة على معدن الصحابة ومعدن مَن كان مع موسى، فالجيل الذي كان مع موسى، على كثرتهم تمردوا على أمر الله لهم حينما أمرهم بالدخول إلى الأرض المقدسة فلم ينظروا من الأمر، ولكن نظروا مَن سيلقون فقالوا متعللين متحججين خائفين:﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾، ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ (المائدة: من الآيتين 22، 24).

أما جيل الصحابة على قلتهم فكانوا صبرًا عند الحرب وصدقًا عند اللقاء، ولكن للأسف الشديد في أيامنا هذه تنقلب الصورة ويتغير الوضع ويتبدل الحال فإذا بذراري الجبناء- اليهود- الذين تمردوا على أوامر ربهم وعصوا نبيهم وخافوا من عدوهم يعتدون على الحرمات وكأنهم أبناء أسود، ويحتلون المقدسات وكأنهم جبارون ويسفكون الدماء وكأنهم عطشى، ويستولون على بلاد المسلمين بالقوة ويلوحون بقوتهم في كل مكان.

وفي نفس الوقت واللحظة نجد مَن ينتسب لهذه الأمة ويعد من أبناء خير سلف يعتذر عن استخدام القوة ويشجبها عمليًّا كطريق لاستعادة حقه وتأديب عدوه بل وإن تلفظ يومًا بكلمة (جهاد) سارع بتكذيبها وحط من قدرها وحجم مفهومها، وصحح ما اقترفه من ذنبٍ عظيمٍ وخطأ فادح فيعلن أنه يقصد جهاد النفس لا جهاد القتال والحرب؛ حيث إنه من دعاة السلم والسلام، فتجده يجري وراء الحل السلمي لهثًا ولسان حاله يقول ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ (المائدة: من الآية 22). أما آن لهذا الجيل أن ينقرض ويخرج جيل ينتسب إلى أولئك الأعلام الليوث قولاً وعملاً.

12- الملاحظ أن كل المتحدثين من المهاجرين وهم أقلية في الجيش وقد عرف الرسول- صلى الله عليه وسلم- رأيهم، ولكنه لم يعرف بعد حقيقة موقف الأنصار الذين سيدور ثقل المعركة على كواهلهم؛ حيث إنهم أكثرية الجيش.. فقال صلى الله عليه وسلم: "أشيروا عليَّ أيها الناس". فنهض سعد بن معاذ فقال: لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "أجل". فقال سعد مخاطبًا الرسول- صلى الله عليه وسلم-: قد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامضِ يا رسول الله لما أردت، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر لخضناه معك ما تخلَّف منا رجلٌ واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا، وإننا لصبرٌ في الحرب صدقٌ في اللقاء، فاظعن حيث شئت، فصل حبال مَن شئت، واقطع حبال مَن شئت، وعادِ مَن شئت، وسالم مَن شئت، وخذ من أموالنا ما شئت وأعطنا ما شئت، وما أخذت منا أحب إلينا مما تركت، وما أمرت به من أمرٍ فأمرنا تبع لأمرك، ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله ونحن معك.

* نجاة العير وقرب النفير تلك الأخبار جعلت الموقف بالنسبة للجيش الإسلامي امتحانًا مباغتًا، فقد خرجوا من أجل الاستيلاء على قافلةٍ لا يزيد عدد حراسها على أربعين مقاتلاً، وهو أمرٌ لا يحتاج إلى أكثر مما قام به الجيش من استعدادات، ولكن أفلت الأربعون ونجوا بقافلتهم وأصبح الجيش الإسلامي أمام جيشٍ قوي كبير تقوده الخيلاء وتدفعه الكبرياء والتحدي، به صناديد مكة وفرسانها.. وهكذا على مرِّ العصور تواجه الجماعة المسلمة مثل هذا الموقف وهي في طريق دعوتها سواء في السلم أو في الحرب، فهي تخطط وتدرس وتستشير وتحدد نطاق العمل ومتطلباته المادية والبشرية، وفي بداية انطلاقها ينقلب الموقف فأعداء الدعوة وأعوانهم يفاجئونهم بما لا يتوقعون من شجاعةٍ على محاربة الله وإعلان التمرد على كل قيم وتضليل لمَن حولهم، ومواجهة أفراد الجماعة المسلمة بكل قسوةٍ وبلا رحمةٍ أو هوادة، هنا فعلى الجماعة المسلمة أن تتذكر قول سعد بن معاذ: "قد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامضِ فصل حبال مَن شئت واقطع حبال مَن شئت، وعاد وسالم مَن شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركت...).

* سعد بن معاذ الأوسي بكلمته نقل البيعة مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى كل مكانٍ في الأرض خارج المدينة، وأكد على حرب الأحمر والأصفر والأسود وغيرهم من الناس (وصل حبال مَن شئت، واقطع حبال مَن شئت)، وأكد بكلمته أن البيعة ليست بيعة مغنم ويعود عليهم متاع دنيوي، ولكنها بيعة للمغرم وعن حب (وخذ من أموالنا ما شئت، وما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركت)، وأكد أن قوله هذا ليس اندفاعًا ولا كبرًا ولا غرورًا ولكنه كلام أبناء الحرب الذين اصطلوا بنارها وخاضوا غمراتها وليس يوم بعاث (الحرب بين الأوس والخزرج التي استمرت سنوات طوالاً)، عنهم ببعيد ولكن الفرق هائل وشاسع، كانوا هناك يذبحون بعضهم بعضا ويكاد يفني أولهم آخرهم، أما اليوم وهم بين سيدهم وحبيبهم وقائدهم محمد- صلى الله عليه وسلم- صبرٌ في الحرب صدقٌ عند اللقاء.

ولكن ما الذي دفع سعد بن معاذ إلى هذا القول؟ وما الذي جعل الأنصار يقرون ما قال سعد؟. إنه مطلع قول سعد بن معاذ "قد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة".. فهذا هو العهد الذي أخذه كل مسلم مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حيًّا وميتًا، ولو أدركت الفئة المؤمنة حقيقة هذا العهد- كما أدركته الأنصار- وما يتطلبه لعلموا أن قول سعد بن معاذ حدد العلاقة الحقيقية بين أفراد الفئة المؤمنة وبين قائدهم الأول محمد- صلى الله عليه وسلم- ومَن ينوب عنه بعد ذلك. والنبي- صلى الله عليه وسلم- أصرَّ على رأي الأنصار حتى لا يترك الأمر فيه احتمالات أو غموض أو التباس، فطالما أخذ رأيهم وذكروا تأييدهم فهم أشد تمسكًا بالأمر والتزامًا به.

13- أخذ النبي- صلى الله عليه وسلم- بعض أصحابه وقام بعملية استكشاف بنفسه لمعرفة أخبار جيش المشركين، وبينما كان يتجول إذا به يقف على شيخ من العرب يسمى (سفيان الضمري) فاحتاط الرسول- صلى الله عليه وسلم- حتى لا يشتبه فيه أو يظنه من جيش المسلمين فسأله عن جيش المشركين وجيش المسلمين معًا فقال لهما الشيخ: لا أخبركما حتى تخبراني ممن أنتما؟. فقال الرسول- صلى الله عليه وسلم-: "إذا أخبرتنا أخبرناك". قال الشيخ: أو ذاك بذاك.. قال صلى الله عليه وسلم: "نعم". فقال:- فإنه بلغني أن محمدًا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا، فإن صدق الذي أخبرني فهم اليوم بمكان كذا وكذا- وحدد المكان الذي به جيش المسلمين-، وأنه بلغني أن قريشًا خرجت يوم كذا وكذا، فإن كان الذي أخبرني صدقني فهم اليوم بمكان كذا وكذا- المكان الذي به جيش قريش-.

ولما فرغ من خبره قال: ممن أنتما؟. فقال- صلى الله عليه وسلم- وهو ينصرف: "نحن من ماء". فقال الشيخ: من ماء، أمن ماء العراق. ولكن الرسول- صلى الله عليه وسلم- قد انصرف دون أن يعلم الشيخ مَن هو. والرسول- صلى الله عليه وسلم- قصد من الجنس الذي خُلق من ماء إشارةً إلى قوله تعالى ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ (الأنبياء: من الآية 30).

* أولاً قد تحلَّى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بصفة الكتمان في عامة غزواته، فعن كعب بن مالك رضي الله عنه قال: "ولم يكن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يريد غزوة إلا ورى بغيرها" رواه البخاري- وقد ظهر في هذه الغزوة هذا الخلق الكريم في الآتي:

1- سؤاله- صلى الله عليه وسلم- للشيخ الذي لقيه عن محمد وجيشه وعن قريش وجيشها.

2- تورية الرسول- صلى الله عليه وسلم- في إجابته عن سؤال الشيخ: ممن أنتما؟ بقوله- صلى الله عليه وسلم-: "نحن من ماء" وهو جواب يقتضيه المقام حيث أراد الرسول- صلى الله عليه وسلم- كتمان أخبار جيش المسلمين عن قريش.

3- وفي انصرافه- صلى الله عليه وسلم- فور استجوابه كتمان- أيضًا- وهو دليل على ما يتمتع به رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من الحكمة، فلو أنه أجاب هذا الشيخ ثم وقف عنده لكان هذا سببًا في طلب الشيخ المقصود من قوله- صلى الله عليه وسلم- (من ماء).

* ثانيًا هذا تشريع حربي شرعه الرسول- صلى الله عليه وسلم- يجوز أو يجب بموجبه الحصول على أخبار العدو بأية وسيله حتى ولو أدَّى إلى التمويه ما دام في ذلك مصلحة المسلمين وسلامتهم. فالتورية مع العدو والظلمة الذين يحاربون الإسلام وانتشاره وتمكينه في الأرض مشروعة بل مستحبة وأحيانًا تكون واجبة إذا أدَّت إلى إنقاذ نفس أو دفع ظلم عن المسلمين، بل الإسلام ذهب إلى أبعد من هذا فأباح للمسلم أن يوري في يمينه إذا طلب اليمين منه عدو أو ظالم وخشى على نفسه ظلمًا أو هلاكًا أو هلاك غيره من المسلمين أو تعذيبهم أو سجنهم فقد روى أبو داود في سننه عن سويد بن حنظلة قال: خرجنا نريد رسول الله ومعنا وائل بن حجر فأخذه عدو له، فتحرَّج القوم أن يحلفوا وحلفت أنه أخي، فخلى سبيله، فأتينا الرسول- صلى الله عليه وسلم- فأخبرته أن القوم تحرَّجوا أن يحلفوا وحلفت أنه أخي. فقال الرسول- صلى الله عليه وسلم-: "صدقت، المسلم أخو المسلم". وفي رواية لابن ماجة قال الرسول- صلى الله عليه وسلم-: "أنت كنت أبرهم وأصدقهم، صدقت، المسلم أخو المسلم"؛ لذلك فالظلمة والأعداء يعرفون أثر اليمين على نفس المسلم فيطلبون منه أن يقسم بالله تعالى بأن يجيبهم بالحق والصدق عن أسرار وأسماء المسلمين وعوراتهم فليستجب ويقسم ويواري في قسمه ولا شيء عليه بل هو مأجور بنيته الصالحة- إن شاء الله- وهي المحافظة على أعراض المسلمين وأسرارهم ودمائهم.

وقد روى مسلم في صحيحه وأحمد في مسنده عن أم كلثوم- رضي الله عنها- قالت: لم أسمع النبي- صلى الله عليه وسلم- يرخص في شيء من الكذب مما يقول الناس إلا في الحرب والإصلاح بين الناس وحديث الرجل لامرأته وحديث المرأة لزوجها. فالعلاقة بين الفئة المؤمنة وأعداء الله من اليهود والنصارى وأذنابهم من المسلمين علاقة حرب يريدون من خلالها رد الفئة المؤمنة عن دينهم إن استطاعوا لذلك سبيلاً؛ لذا فليعلم المسلم أن من أهم العوامل في إحراز النصر هو كتمان السر وإيهام العدو بغير ما يتوقع حدوثه عن قرب أو عن بعد، وقد كان الكتمان والتعمية على العدو من شأن النبي- صلى الله عليه وسلم- في الحروب وهو- صلى الله عليه وسلم- المعلم الذي وضع للمسلمين دستور الحرب وقواعده وفنونه كلها بما يتفق مع روح الإسلام وضرورة كل عصر، وقد روى أبو داود قول النبي- صلى الله عليه وسلم-: "والحرب خدعة".

14- رجع الرسول- صلى الله عليه وسلم- بعد معرفة مكان جيش قريش إلى مقر قيادته في الجيش، وفي المساء تم أسر غلامين تابعين لجيش المشركين يستقيان فاقتادوهما إلى مقر الجيش الإسلامي فوجدوا الرسول- صلى الله عليه وسلم- يصلي، فجعل الصحابة يسألونهما: لمَن أنتما؟. فيقولان: نحن سقاة لقريش بعثونا نسقيهم الماء. فارتاب القوم في كلامهما وظنوا أنهما يكذبان في كلامهما فضربوهما فلما اشتد الضرب عليهما قالا:- نحن لأبي سفيان. فتركوهما.

ولما فرغ الرسول- صلى الله عليه وسلم- من صلاته قال: "إذا صدقاكم ضربتموهما، وإذا كذباكم تركتموهما، صدقا والله إنهما لقريش". ثم قال للغلامين: "أين مكان الجيش؟". قالا:- هم وراء هذا الكثيب- الكثيب هو الرمل المستطيل المحدوب- فقال: "كم القوم؟"، قالا: كثير. فقال: "ما عددهم؟". قالا: لا نعرف. فقال: "كم ينحرون كل يوم؟"- أي من الإبل-. قالا: يومًا تسعًا ويومًا عشرًا. فقال- صلى الله عليه وسلم- لأصحابه: القوم فيما بين التسعمائة والألف ثم سأل الغلامين عمَّن في الجيش من أشراف مكة وقادتها، فقال صلى الله عليه وسلم: "فمن فيهم من أشراف قريش"، فقالا: عتبة بن ربيعة، وأخوه شيبة بن ربيعة، وأبو البحتري بن هشام- وذكروا كثيرًا من قريش-. التفت النبي- صلى الله عليه وسلم- بعد إخبار الغلامين بأسمائهم إلى أصحابه فقال: "هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها".

* الحوار الذي دار بين الرسول- صلى الله عليه وسلم- والأسيرين على مسمعٍ من الصحابة، وما قاله الرسول- صلى الله عليه وسلم- لأصحابه حيث علموا كل جوانب الموقف وأبعاده ولم يخف عليهم شيئًا درس مهم للقادة، حيث القيادة الرشيدة هي التي تبصر شعبها بالحقائق وحجم التحدي الذي تواجهه وشدة الخطر الذي يتهددهم، ثم تتخذ في الوقت نفسه من التدابير ما يمكنها من مواجهة الخطر بثبات واقتدار، ومن الوسائل ما يمكنها من التغلب على تفوق العدو أو بتجريده من فاعليته.. فمن الخطأ الفاحش الذي يقع فيه القادة الذين يخفون الحقائق في مثل هذه المواقف عن رجالهم، فلا يعلنون شيئًا عن تفوق العدو بحجة الخشية من هبوط الروح المعنوية ويستخدمون الكذب وسيلةً لهم بإظهار قوة لهم غير حقيقة- علمًا بأن العدو يعلم كذبهم والشعب يظن صدقهم- دون استعداد بأنهم سيرمون العدو ومَنَ وراءه في البحر وهم لا يدركون أن هذه السياسة الإعلامية القاصرة المضللة لن تغير من الواقع شيئًا وسوف تكون وبالاً عليهم عند خوض المعركة فينكشف المستور ويكون وقع المفاجأة شديدًا لا يمكن تلافيه وما حدث عام 1967م ليس ببعيد، والقائد الذي استخدم وسيلة الكذب على شعبه كطريق سهل لتمجيده نجده حتى في المعاهدات- التي له مطلق الحرية في التفاوض فيها وقبول ورفض ما يشاء وما يفيد شعبه وأمته- قد يبيع شعبه أو أمته ثم يخفي ذلك ويتغنى بإنجازاته.

ثم انظر كيف استخلص الرسول- صلى الله عليه وسلم- من هذا الجواب- يومًا تسعًا ويومًا عشرًا- عدد القوم، فالمائة منهم يكفيهم جمل ينحرونه كل يوم، فسؤال الرسول- صلى الله عليه وسلم- عما يذبح يبدو لغير المتأمل لا يترتب عليه شيء ذو بال ولكنه سؤال له ما بعده. وهذا درس من دروس الحرب لا يستوعبه إلا خيار القادة من أهل الحرب والسياسة. فعلى القادة والمسئولين الاستدلال بالقرائن (الجمل يكفي مائة تقريبًا) على ما يريدون معرفته من الأمور، وأن لا يتحرجوا من الأخذ بها بحجة أن القرائن لا تعطينا يقينًا وإنما ظنًّا، وإن الظن لا يغني من الحق شيئًا؛ لأن غلبة الظن تنزل في المعاملات منزلة اليقين، والقرائن تعطينا غلبة الظن وهذا يكفي، كما أن الأخذ بالقرائن محمولٌ على الأخذ بالاحتياط وبالحذر، وهما من الأمور المشروعة فمثلاً أعطى الله سبحانه وتعالى قرينةً لمعرفة المنافق في قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (29) وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ (30)﴾ (محمد). ففي قوله تعالى ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ أي في لحنه وأسلوبه.

15- تحرك الرسول- صلى الله عليه وسلم- بالجيش ليسبق المشركين إلى ماء بدر ويحول بينهم وبين الاستيلاء عليه حتى جاء أدنى بئرٍ من بدر فنزل بها. ولكن الصحابي الجليل الحباب بن المنذر الخزرجي توجَّه إلى الرسول- صلى الله عليه وسلم- وقال:- أرأيت هذا المنزل أمنزلاً أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر؟ أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال- صلى الله عليه وسلم-: "بل هو الرأي والحرب والمكيدة". قال الحباب: يا رسول الله فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله- أي أقرب ما يكون من قريش- فإني أعرف عذوبة مائه وكثرته، ثم نبني عليه حوضًا فنملأه، ونقذف فيه الآنية، ونغور- أي نخرب ونردم- ما وراءه من القُلُب- جمع قليب وهو البئر قبل أن تطوى- لئلا يأتوها من خلفنا ويشربوا، ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربوا؛ فقال الرسول- صلى الله عليه وسلم-: "لقد أشرت بالرأي يا حباب".

عظمة التربية
تستوقفنا هنا عظمة التربية التي تلقاها الحباب ابن الثلاث والثلاثين سنةً- رضي الله عنه- خلال هاتين السنتين، فهو متأدب مع قائده وحبيبه- صلى الله عليه وسلم- ومتأدب مع الوحي إذ يعلم أن لا رأي مع الوحي، ولهذا أحب أن يتأكد ابتداءً إن كان هذا المنزل وحيًا، فإن كان كذلك كان هو الخير المحض وليس لأحد منا مقال وعلينا السمع والطاعة، بل والالتزام والانضباط لأن الأمر إلهي فقال: أرأيت هذا المنزل أمنزلاً أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر؟ أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟، فلما علم أنه ليس وحيًا أو أمرًا وأن هناك مجالاً للرأي والمشورة عرض رأيه بكل أبعاده متأدبًا مستشرفًا الساحة كلها واستشرف الزمان والمكان وقدم الخطة البديلة بكل أبعادها.

فكانت لفتته هذه لفتة خبيرٍ عليمٍ بقيمة الماء وأهميته في الصحراء فجيش يفقد الماء في مثل طبيعة أرض الجزيرة، يفقد السيطرةَ على تصرفاته لأنه كاد يفقد حياته، وهذا ما يجب على الفرد المؤمن حينما يطلب منه الرأي أو يرى شيئًا في نظره غير صواب أن يعرضه كما عرضه الحباب، ولا يجب أن تكون السلبية والكسل هما مانعي رأيه ولا الخوف أو الظهور هما دافعي قوله، ولكن رضى ربه وحب دينه، ولا شك أن الجندي إذا كتم النصيحة عن قيادته وهو يعلم قيمتها يكون خائنًا لقيادته ودعوته؛ لأنه قد يترتب على كتمانها من المفاسد ما يمكن أن تتجنبه لو فطنت لذلك.

* هنا وقفة إعجاب وتقدير فلم يكن الرسول- صلى الله عليه وسلم- مستبدًا برأيه ولا راكبًا متن الغرور ولا يريد لمن يكونوا معه إمعات لا رأي لهم، بل يريد رجالاً يحملون مسئولية قيادة العالم بعده؛ لذا كان يشاور أصحابه يتلمس وجه الخير والرشاد، وكان الأفراد حوله كل يدلي برأيه حتى في أخطر القضايا ولا يكون في شعوره احتمال غضب القائد الأعلى، وكان- صلى الله عليه وسلم- يحترم الرأي الصائب وينفذه ولو تعارض مع رأيه، لأنه- صلى الله عليه وسلم- كان يبعد أصحابه عن تقديس شخصه وتنزيه رأيه عن الخطأ، فأما وحي الله فقد بلغه صلى الله عليه وسلم كاملاً، ونحن نشهد بذلك، وأما فيما سوى ذلك ﴿سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَرًا رَسُولاً﴾ (الإسراء: من الآية 93)، وهو بذلك يستخرج كل ما يمكن من إبداع وذكاء عند أصحابه، ويحرر عقولهم من الوقوع في الحرفية أمام النصوص غير القطعية، بل الحكمة ضالة المؤمن إن وجدها فهو أحق الناس بها.

إن القادة والرؤساء اليوم كثيرًا ما يعميهم التعصب الممقوت والاستبداد بالرأي فينزلقون إلى الشر ويجرون وراءهم الأمم والشعوب إلى مهاوي الفناء فمَن أبدى رأيًّا يخالف رأي القائد تعرَّض للغضب وتأخير الترقية، وربما البعد من الوظيفة مما جعل المنافقين وأصحاب المصالح يتربَّعون على قلوب القادة؛ لأنهم يؤلهونهم فجعلوا قراراتهم- أيًّا كانت- قرارات حكيمة وإشارتهم آراء سديدة ونظراتهم تعليمات رشيدة فضلوا وأضلوا، حتى قال أحدهم (تشغبيط سيادتكم خطة مستقبلية، وشلوت سيادتكم دفعة للأمام).. فلو استطاع هؤلاء القادة والرؤساء- في جميع المستويات- السادرون في عماية الكبرياء والأنانية أن ينتفعوا بهذا الدرس العملي من المربي الأول محمد- صلى الله عليه وسلم- لتغيَّر مجرى التاريخ في كثيرٍ من الأزمنة والعصور؛ لأن الحرية التي ربَّى عليها الرسول- صلى الله عليه وسلم- أصحابه مكَّنت مجتمعهم من الاستفادة من عقول جميع أهل الرأي السديد والمنطق الرشيد.

فالقائد منهم ينجح نجاحًا باهرًا وإن كان حديث السن؛ لأنه لم يكن يفكر برأيه المجرَّد أو آراء عصبة مهيمنة عليه- قد تنظر لمصالحها الخاصة قبل أن تنظر لمصلحة المسلمين العامة- وإنما يُفكِّر بآراء جميع أفراد جنده وقد يحصل له الرأي السديد من أقلهم شهرةً وأبعدهم منزلةً من ذلك القائد؛ لأنه ليس هناك ما يحول بين أي فردٍ منهم والوصول برأيه إلى قائده، ومن أعظم الأمثلة الجيش الذي أعدَّه الرسول- صلى الله عليه وسلم- لغزو الروم وانتدب فيه وجوه المهاجرين والأنصار أمثال أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح وسعد بن أبي وقاص وغيرهم وأَمَّرَ عليهم أسامة بن زيد بن حارثة، وهو لم يتجاوز العشرين من عمره.

16- استعدَّ جيش قريش وتهيَّأ للقتال وخرج أبو جهل يحث الناس على القتال ويُثير في نفوسهم حمية الجاهلية ويذكرهم بدين آبائهم ومقتل حليفهم، ثم دعا الله قائلاً: اللهم اقطعنا للرحم، وأتينا بما لا نعرف فأحنه الغداة- أي أهلكه اليوم- اللهم أينا أحب إليك وأرضى عندك، فانصره اليوم.

* أبو جهل استفتح بهذه الكلمة وهي كاشفة عن منهج التفكير الجاهلي في كل زمانٍ يمثله في كلمته فرعون هذه الأمة كما مثله فرعون عندما تعجَّب من دعوة سيدنا موسى (عليه السلام) إلى الله تعالى فقال يخاطب الملأ من قومه ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ (غافر: من الآية 26). لذلك كانت الاستقامة على صراط الله الواحد- عند رأس الجهل والكفر- قطيعة الرحم، ودعوة إلى ما لا يعرف.. أكان كل ما لا يعرف منكرًا باطلاً؟ وهذا هو منطق المعاندين في كل حين، فالدعوة إلى الحق والخروج من الباطل قطع للرحم وتفريق للجماعة وتمزيق لوحدة الأمة وردة للخلف ومعاداة للتقدم ومعطلة للإنتاج والانفتاح ومقيدة للحريات ومضيعة للإنجازات وإنكار لما تعارف عليه الناس، وكأنَّ الاتفاق- بين المعاندين وأصحاب المصالح- على الباطل يجعله حقًّا، وكأن معرفة وعلم المعاندين قد أحاط بكل شيء علمًا فما لا تعرفه باطل مرفوض.

تنظيم الجيش
17- أخذ الرسول- صلى الله عليه وسلم- يهيئ أفراد جيشه للقتال فجعلهم صفوفًا وبذلك كان جيش المسلمين يمثل نظامًا لم يشاهده أرباب القتال حتى ذلك الحين ولم يعرفه أحد من قبل، وكان هذا هو الأمر الذي قصم ظهر قريش؛ حيث كان نظام الجيش جيدًا، ووضع الرسول- صلى الله عليه وسلم- أسلوب حركته وقتاله، فالجنود كانوا يعرفون جيدًا أين يستعملون النبال وأين يستعملون الرماح وأين يستعملون السيوف، ومتى تدخل ميمنة الجيش وميسرته المعركة، ومتى تتدخل القوة الموجودة في الخلف، كل هذه الأمور كانت مؤقتة توقيتًا ممتازًا.

* أسلوب القتال بنظام الصفوف هو ابتكار للرسول- صلى الله عليه وسلم- وهذا الأسلوب يجعل المقاتلين على هيئة صفوف الصلاة، وتقل تلك الصفوف أو تكثر تبعًا لقلة المقاتلين أو كثرتهم، وتكون الصفوف الأولى من أصحاب الرماح لصدِّ هجمات الفرسان، وتكون الصفوف التي خلفها من أصحاب النبال لتسددها على المهاجمين من الأعداء، وهذا الأسلوب يعد سبقًا عسكريًّا تميزت به المدرسة الإسلامية على غيرها منذ أربعة عشر قرنًا من الزمان، وكان لهذا الأسلوب فوائده يوم بدر:

1- إرهاب الأعداء ودلالة على حسن وترتيب النظام عند المسلمين.
2- جعل في يد القائد الأعلى- صلى الله عليه وسلم- قوة احتياطية، عالج بها المواقف المفاجئة في صد هجوم معاكس، أو ضرب كمين غير متوقع، واستفاد منه في حماية الأجنحة من خطر المشاة والفرسان.

18- أخذ الرسول- صلى الله عليه وسلم- يعدل صفوف الجيش، فمر بسواد بن غزية وهو خارج من الصف، فضربه على بطنه بعودٍ كان في يده قائلاً: "استو يا سواد". فتظاهر سواد بالألم وقال: أوجعتني يا رسول الله، وقد بعثك الله بالحق والعدل، أقدني- أي اجعلني أقتص لنفسي منك-. فلم يتردد الرسول- صلى الله عليه وسلم- وكشف عن بطنه ليقتص منه سواد قائلاً: "استقد"- أي اضربني كما ضربتك -، ولكن سواد بدلاً من أن يطعن بطن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قصاصًا أخذ يقبلها فقال له الرسول- صلى الله عليه وسلم-: "ما حملك على هذا يا سواد؟" قال: يا رسول الله، حضر ما ترى- يعني القتال- فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك". فدعا له الرسول- صلى الله عليه وسلم- بخير.

* وإن لنا هنا لوقفة ترينا كيف يبلغ السمو النفسي والخلقي بصاحبه، وترينا كيف قبل الرسول- صلى الله عليه وسلم- على جلالته عن طيبِ خاطرٍ أن يقتصَّ أحد المسلمين منه، وهو غاية ما يطمع فيه من عدلٍ في هذه الحياة، وقد أعطى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- نماذج متعددة لمثل هذا العدل فقد قال سلمة عن محمد ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر: أن رجلاً ممن شهد حنينًا قال: والله إني لأسير إلى جنب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على ناقةٍ لي، وفي رجلي نعل غليظة، إذ زحمت ناقتي ناقة رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، ويقع حرف نعلي على ساق رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فأوجعه، فقرع قدمي بالسوط وقال: أوجعتنى فتأخر عني. فانصرفت، فلما كان الغد إذا رسول الله يلتمسني قال: هذا والله لما كنت أصبت من رجل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بالأمس. قال: فجئته وأنا أتوقع. فقال- صلى الله عليه وسلم-: "إنك أصبت رجلي بالأمس فأوجعتني، فقرعتُ قدمك بالسوط، فدعوتك لأعوضك منها". فأعطاني ثمانين نعجة بالضربة التي ضربني.

وترينا كيف بلغ حب هؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم للرسول- صلى الله عليه وسلم- وتكريمه وتقديسه في نفوسهم قداسةً لا تخل بدين ولا عقيدة، فقد أرادوا أن يسجدوا له فقال: "أنا عبد الله ورسوله"، كسفت الشمس ومات ابنه إبراهيم في وقتٍ واحدٍ فقالت الصحابة: كسفت الشمس لموت إبراهيم، فصحح- صلى الله عليه وسلم- المفهوم وقال: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته". فجعلهم في حدود المنطق والعقل وجعل لحبهم حدًّا لا يتعدونه، وحددت الآية الشريفة مكانته- صلى الله عليه وسلم- ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ (فصلت: من الآية 6) ومع كوني بشرًا، أتيكم بهذا القرآن العظيم، وهو فوق طاقة البشر فهو إذن ﴿يُوحَى إِلَيَّ﴾.. فهذا سواد وقد حضر موطن الشهادة يريد أن يحظى بلمسةٍ من جسد الرسول- صلى الله عليه وسلم- لأنه يرى فيها ثلج الصدر وطمأنينة القلب وغذاء الروح.

وترينا أن جسد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- مبارك، ومسه فيه بركة، ولهذا حرص عليها سواد، وتعلمنا أن بطن الرجل ليس بعورةٍ بدليل أن النبي- صلى الله عليه وسلم- كشف عنه، ولو كان عورة لما كشف عنه- صلى الله عليه وسلم-.

19- عدل الرسول- صلى الله عليه وسلم- الصفوف وهيَّأها للقتال وجعل الجيش كتيبتين إحداهما للمهاجرين بقيادة علي بن أبي طالب والأخرى للأنصار بقيادة سعد بن معاذ، ثم أصدر أوامره إلى الجيش بأن لا يبدءوا القتال حتى يتلقوا منه الأوامر الأخيرة فقال صلى الله عليه وسلم: "إن اكتنفكم العدو- أي أحاط بكم- فانضحوهم بالنبل ولا تحملوا حتى تُؤذنوا". وقال صلى الله عليه وسلم أيضًا: "ولا تسلوا السيوف حتى يغشوكم، واستبقوا نبلكم".

* الرسول- صلى الله عليه وسلم- استخدم هنا أسلوب القيادة التوجيهية وقد تجلَّت بعض الأمور منها:

الأمر الأول: أمره- صلى الله عليه وسلم- الصحابة برمي الأعداء إذا اقتربوا منهم؛ لأن الرمي يكون أقرب إلى الإصابة في هذه الحالة "إن اكتنفكم العدو- أي أحاط بكم- فانضحوهم بالنبل".

الأمر الثاني: نهيه- صلى الله عليه وسلم- عن سل السيوف إلى أن تتداخل الصفوف "ولا تسلوا السيوف حتى يغشوكم".

الأمر الثالث: أمره- صلى الله عليه وسلم- بالاقتصاد في الرمي "واستبقوا نبلكم".وهذه التوجيهات أو التعليمات الحربية هي المبادئ الحربية الحديثة في الدفاع التي تستخدم الآن وتعرف بأسلوب كبت النيران إلى اللحظة التي يصبح فيها العدو في المدى المؤثر لهذه الأسلحة، وهذا ما قصده- صلى الله عليه وسلم- في قوله: "واستبقوا نبلكم".

عمليات استشهادية
20- خرج من صفوف جيش المشركين ثلاثة من فرسانها ومن خيرة محاربيها ومن عائلة واحدة، وهم شيبة وعتبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة، وتحرَّك الثلاثة حتى وقفوا بين الصفين ودعوا المسلمين إلى المبارزة، ولما علم الرسول- صلى الله عليه وسلم- برغبة فرسان قريش بمبارزة أهلهم أصدر أمره إلى ثلاثة من أسرتهم بالخروج إلى أقربائهم وهم حمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب.

فخرجوا إليهم في الحال نشبت المبارزة بينهم، أما علي فلم يمهل صاحبه فقتله وكذلك حمزة، أما عبيدة وعتبة فقد ضرب كل واحدٍ منهما صاحبه ضربةً مميتةً لم يقوا على التحرك بعدها من مكانهما فكرَّ حمزة وعلي على عتبة بأسيافهما فقتلاه.

* المبارزة هي أخطر أنواع الحرب؛ حيث إنها مواجهة لخطر الموت المباشر- فهي كالعمليات الاستشهادية- لذلك لا يتقدم إليها إلا الشجعان المعدودون لذلك ما فعله الأنصار يعد من فضائلهم وتسابقهم لحماية هذا الدين. وأيضًا كون الرسول- صلى الله عليه وسلم- يقدم ثلاثةً من أقاربه المقربين يعتبر تضحيةً كبيرةً وتوجهًا لقادة الدعوة من أمته أن يعتبروا من أهم عوامل نجاحهم أن يكون القائد هو وأقاربه في مقدمة الكفاح والقيام بالمهام الشاقة؛ حيث يشجع هذا البقية على البذل والفداء، لذا يقول منير الغضبان: لن تنصر دعوة في الأرض إلا إذا كان الدعاة وأهلهم وأقاربهم وذووهم هم الوقود الأول فيها ويوم تبحث عن الإخفاق الذي يواجهه قائد في أي مرحلة في التاريخ نجد من أهم أسبابه هو ضن القادة بأقاربهم وذويهم في الجهاد والمعركة.

21- توترت الحالة وأربد جو المعركة بدخان الموت، وضح الصحابة بصنوف الدعاء إلى ربِّ الأرض والسماء سامع الدعاء وكاشف البلاء، أما المشركون فقد استشاطوا غضبًا بعد فقدهم أربعة من خيرة فرسانهم في أول مرحلة فهاجموا المسلمين وأخذ الصحابة يتسابقون إلى الشهادة كما تتسابق الفراشات نحو النور.

* النبي- صلى الله عليه وسلم- يهتم قبل بداية القتال برفع القوى المعنوية لرجاله؛ حيث إنه من الضروري على القائد أن يهتم بالقوى المعنوية لرجاله فيوجه النصيب الأوفر من جهده لتقويتها ورفعها، ولا عجب في ذلك فإن القوى المعنوية تخلق في الفرد نوعًا من الاعتقاد والإيمان بالغرض الذي يقاتل من أجله، فالجندي الذي يقف مدافعًا عن دينه ووطنه وهو ممتلئ النفس بالإيمان والعاطفة الوطنية تتضاعف قوته، والجندي بشر قبل أن يكون مقاتلاً، فهو لا يحب الموت ولكن الذي يدفعه لمواجهته دون أن يخشاه هو أن يجد في قائدة القدوة الحسنة. فها هو النبي- صلى الله عليه وسلم- يغذي جنده بتلك الروح حتى عرفوا أن الموت في سبيل الله أسمى الأمنيات، وأن الآخرة هي أفضل المستقرات، وبخاصة إذا أدخلت عن طريق الشهادة لأنهم سمعوا من نبيهم- صلى الله عليه وسلم- قوله:"للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة- أي عند أول دفعة دم تسيل- ويُرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار الياقوتة منها خير من الدنيا وما فيها، ويتزوج اثنتين وسبعين من الحور، ويُشفَّع في سبعين من أقاربه" (رواه الترمذي بسند صحيح عن أبي الدرداء)؛ لذا اشتاقت أنفسهم للشهادة وللجنة، فتضاعف عزمهم وشدت عزيمتهم وقوت سواعدهم وأصبحوا رجالاً مجاهدين يهاجمون وهم مطمئنون وما أزعج أعداء الله على مختلف الأزمنة إلا مثل هذا الإيمان حتى كانت تلك المعادلة (إذا عرف المسلم ربَّه أحبه، وإذا أحبه أحبَّ لقاءه، وإذا أحبَّ لقاءه هانت عليه الدنيا، وإذا هانت عليه الدنيا لم يقف في وجهه شيء)، فحينما تحمل أفراد الفئة المؤمنة تلك المعادلة بين طيات قلوبها ستتحطم أمامهم (بإذن الله) كل قوى العالم، وهنا سيحققون أستاذية العالم.

النبي يقاتل
22- عندما اشتدَّ لهيب المعركة اقتحمها النبي- صلى الله عليه وسلم- بنفسه ومعه حرس قيادته فاندفع عامة الصحابة نحو عدوهم كالسيل يدمرون كل قوة تقف في طريقهم والنبي- صلى الله عليه وسلم- في مقدمتهم وهو يقول ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (45) بَلْ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (46)﴾ (القمر)، ويقول علي: "لقد رأيتنا يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو أقربنا، كنا إذا حمي البأس ولقينا القوم اتقينا برسول الله- صلى الله عليه وسلم".

* ما أراد النبي الكريم- صلى الله عليه وسلم- حربًا، ولكن عندما كان يحين وقتها، كان- صلى الله عليه وسلم- رجلها، وقائدًا مثاليًّا منتصرًا، فاقتحام الرسول- صلى الله عليه وسلم- المعركة بنفسه وعدم إعفاء نفسه من المشاركة الفعلية، وأن يبقى في مؤخرة الجيش- ولو فعل الرسول ذلك لرضي المسلمون بهذا؛ حيث كانوا يؤثرونه على أنفسهم ويشترون سلامته بأرواحهم- دليل على أن مكان القيادة لا يحتله إلا الشجاع المتثبت، وإن الجبناء خائري القوى لا يصلحون لرئاسة الشعوب ولا لقيادة الجيوش ولا لزعامة حركات الإصلاح ودعوات الخير، فشجاعة القائد أو الداعية بفعله وعمله يفيد في جنوده وأنصاره في إثارة حماسهم واندفاعهم ما لا يفيده ألف خطابٍ حماسي يلقيه عليهم- من خلال المذياع أو من خلف الزجاج- يسب فيه الأعداء ويصفهم بالجبن والانحطاط- ولا أحد يعلم من منهم الجبان- ومن عادة الجنود والأنصار أن يستمدوا قوتهم من قوة قائدهم ورائدهم، فإذا جبن في مواقف اللقاء وضعف في مواطن الشدة أضرَّ بالقضية التي يحمل لواءها ضررًا بالغًا.

وقد رأينا في العصر الحالي من هؤلاء القادة الأفذاذ من علمٍ بتدبير قتله واغتياله- كحسن البنا- وطلب منه أعوانه أن يختفي حفاظًا على حياته فكان رده: كيف أربيكم على الموت في سبيل الله، وأفر منه؟؛ لذلك فقد ثبت بالبرهان القاطع أن القوات والجنود والأنصار تتأثر لدرجةٍ كبيرةٍ بسلوك قائدها، وبالمثل الذي يضربه لها، ولهذا يجب أن يكون القائد واسع الاطلاع قوي الإرادة شديد الثقة بالنفس، سريع التصرف، كما يجب أن يتحلَّى بصفة إنكار الذات ويحب العدالة ويكون عنده حسن تقدير للأمور واستهانة بالأخطار التي قد يتعرَّض لها واستعداده لمشاركة رجاله في آلامهم ومتاعبهم.

23- لقد ظهرت من المسلمين بطولات نادرة وفريدة تدل على روح التضحية والفداء وتشير إلى ما تحلَّى به المؤمنون الصادقون من يقينٍ وإيمانٍ وتسابقٍ إلى الاستشهاد في سبيل الدين القويم ورسوله الكريم- صلى الله عليه وسلم-، كما ظهرت آيات باهرة تدل على أن الله يؤيد المسلمين في جهادهم.

وحاول أبو جهل أن يوقف سيل الهزيمة النازلة بجيش المشركين ويشد من أزرهم ويحمسهم على القتال وثبتت معه جماعة من أعوانه وأخذوا يذبون عنه وأقاموا حواليه غابة من رماحهم يصدون بها كل مَن حاول الوصول إليه واشتدت عاصفة الجيش الإسلامي نحو أبي جهل فطارت غابة الرماح أمام حماس المسلمين وقوة بأسهم وتخلى الأعوان عن قائدهم وكان هناك مَن يترقبه حتى سنحت له الفرصة فانقض نحوه كالصقر ثم ضربه ضربةً أطنَّت قدمه- أطارتها وبترتها- بنصف ساقه، فخرَّ صريعًا يتخبط في دمه إنها ضربة معاذ بن عفراء ابن الحارث الأنصاري.

وشُغِل القوم عن قائدهم بالفرار والدفاع عن النفس وتفرقوا في الجبال وتركوه صريعًا فمرَّ به معوذ بن عفراء فضربه حتى أثبته وتركه به رمق يجود بنفسه.

* لينظر أفراد الفئة المؤمنة لتلك الروح القوية والحماس الإيماني والحيوية الإسلامية والحمية للحق والاستهانة بالحياة والرغبة القوية في الاستشهاد في سبيل الدعوة وحب الرسول- صلى الله عليه وسلم- وتفديته بالنفس- حيًّا وميتًا- وهي تتمثل في هذين الشابين حديثي السن الذي يغلب على مثلهما الأمل والحرص على الحياة، ولكن هكذا الإيمان وفهم الإسلام يُغيرا ما ألفه الناس في الإنسان؛ حيث ارتباطه بالحياة فقط- ففي الطفولة لعب وفي الشباب هوى ومرح وأمل وفي الرجولة عمل وشهوة ومجد وفي الشيخوخة فراغ وهموم- فيسمو به طفلاً وشابًا ورجلاً وشيخًا فيعيش حياته مرتبطًا بآخرته ويجد عزته في حياته مرتبطة بدينه، وفي آخرته مرتبطة بربه وكل هذا يتمثَّل في اتباع نبيه- صلى الله عليه وسلم- فإن أصبح هكذا هانت أمامه قوة الأعداء وصغرت في نفسه لذة الشهوات وطاقت نفسه إلى الجنات، ومن هنا نعلم السر وراء تآمر قوى الغرب والشرق على الشباب المسلم- ذكرًا أو أنثى- حتى استطاعوا- أعداء الأمة والمنافقين منها- أن يباعدوا بينهم وبين دينهم ففرضوا عليهم أفكارهم حتى ضعف إيمان الشباب وتخلل في نفوسهم الجبن وحب القعود، فأصبح الشاب المثقف منهم يُقدِّم مبارة كرة القدم على الصلاة، ويحزن إن هُزم مَن يُشجِّعه ولا يحزن أن ذُبحت أمته.

كما استطاع الفريقان- أعداء الأمة والمنافقون منها- أن يُزهدوا الشباب في دينهم وأن يشينوا في أعينهم فضائله حتى ظنوا أن هذا الدين هو علة التخلف والجمود فناموا عن جهاد القلم وجهاد الفكر وجهاد السيف وانغمسوا في الشهوات وتحولوا لعبيد تسير بأمر سيدها.. فما أحوجنا اليوم أن نُعيد للمسلمين بصفةٍ عامةٍ وللشباب بصفةٍ خاصة هذه الحمية الإسلامية والصفات الإيمانية والعودة إلى طبيعة القرآن؛ لأن الإسلام جيش الشباب، وخلق منهم رجالاً أكفاء لكل ما ينتدبهم له، لا تهولهم المعارك ولا تخيفهم الدماء، يتنافسون في الخيرات ويتسابقون إلى جنةٍ عرضها الأرض والسماوات، وكل هذا يقع على عاتق الفئة المؤمنة التي وعت وحملت لواء تلك الدعوة عن رغبةٍ وحب، فعليهم أن يتعلموا ويُعلِّموا المسلمين كيف غضب شابان حديثا السن- معاذ ومعوذ- لدينهما ولنبيهما حتى كان شعارهما- لقد عاهدت الله إن رأيته أن أقتله أو أموت دونه-، ويعلمهما أن ميادين الجهاد في سبيل الله أفسح مجالاً لإدراك ما عند الله من النعيم.

فرار العدو
24- بعد قتالٍ شديدٍ ومريرٍ بدأ في الصباح واستمرَّ حتى الظهر، أخذت جموع جيش قريش في الفرار من سيوف الجيش الإسلامي فتاهوا في الوديان.. انتهى القتال وهُزم المشركون بعد مقتل سبعين رجلاً من صناديدهم وأَسْرِ سبعين آخرين، وانتصار المسلمين بعد استشهاد أربعة عشر رجلاً- ستة من المهاجرين، وثمانية من الأنصار- وبعد أن انتهت المعركة أمر الرسول- صلى الله عليه وسلم- بجمع الغنائم والأسلحة كما أمر بالتحقق من مصير فرعون هذه الأمة الطاغية أبي جهل بن هشام، فانتشر الجند في أرجاء أرض المعركة يبحثون عنه، فإذا عبد الله بن مسعود يعثر عليه وبه رمق. فوضع رجله على عنقه ليجتز رأسه قائلاً له: هل أخزاك الله يا عدو الله؟. وأخذ عبد الله ابن مسعود يقطع رأسه بسيف أبي جهل، جرَّ ابن مسعود رأس أبي جهل ووضعها بين يدي الرسول- صلى الله عليه وسلم- قائلاً: هذه رأس عدو الله أبي جهل بن هشام. فقال- صلى الله عليه وسلم-:"الله أكبر، الحمدُ لله الذي صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده" (رواية أبو داود والنسائي) فخرج الرسول- صلى الله عليه وسلم- حتى وقف على رأس الطاغية وقال: "الحمد لله الذي أعزَّ الإسلام وأهله- ثلاث مرات-أخزاك الله يا عدو الله، وإن لكل أمةٍ فرعون، وإن فرعون هذه الأمة أبو جهل".

حكم حمل الرءوس إلى الولاة؟
ما فعله عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- حينما حمل رأس الطاغية أبي جهل إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- جعل العلماء يختلفون في هذه المسألة بين الجواز والمنع. فمَن أجاز ذلك استدل بما ورد في السير من أخبار كحمل محمد بن مسلمة- رضي الله عنه- رأس كعب الأشرف بعد قتله إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وما فعله عبد الله بن أنيس مع سفيان بن عبد الله حيث قتله، أخذ رأسه وصعد إلى الجبل واختبأ فيه حتى إذا رجع الطلب- مَن يطلبونه لقتله- جاء بالرأس إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، وقد ورد عن محمد بن الحسن الشيباني (أنه إذا كان في ذلك كبت وغيظ للمشركين أو إفراغ قلب للمسلمين بأن كان المقتول من قواد المشركين أو عظماء المبارزين فلا بأس بذلك).

أما من منع ذلك ونهى عنه فقد اعتبر ذلك من ضروب المثلة المنهي عنها واستدلوا بقول الرسول: "اغزوا في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تقتلوا وليدًا" (رواه مسلم والترمذي)، قال الشوكاني: في الحديث دلالة على تحريم المثلة، كما استدلوا بما رواه البيهقي عن سمرة بن جندب- رضي الله عنه- قال: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يحثنا على الصدقة وينهانا عن المثلة، وأيضًا عن عبد الله بن عامر أنه قدم على أبي بكر- رضي الله عنه- برأس البطريق فأنكر ذلك فقال: يا خليفة رسول الله إنهم يفعلون ذلك بنا. قال أبو بكر: لا يُحمل إليَّ رأس فإنه يكفي الكتاب والخبر.

وقد ورد عن الشافعى قوله: "وإذا أسر المسلمون المشركين فأرادوا قتلهم قتلوهم بضرب الأعناق، ولم يجاوزوا ذلك إلى أن يمثلوا بقطع يد ولا رجل ولا عضو ولا مفصل ولا بقر بطن ولا تحريق ولا تفريق ولا شيء يعدو ما وصفت؛ لأن الرسول- صلى الله عليه وسلم- نهى عن المثلة وقتل مَن قتل كما وصفت".

والذي نخلص إليه- والله أعلم- أن الأصل فيه عدم الجواز إلا إذا كان في ذلك مصلحة عامة كتثبيت قلوب المسلمين عند اشتداد خوفهم من قائدٍ معينٍ أو عدو له أثر في ذلك هزًّا لثقة العدو المتكالب بنفسه.

تكريم قتلى المشركين
25- أمر الرسول- صلى الله عليه وسلم- بنقل جثث المشركين وطرحها في قليب مهجور بالقرب من ساحة المعركة.. فقام بعض أفراد الجيش بسحب تلك الجثث وإلقائها في القليب ووقف الباقي يشاهد تلك الجثث.

* الرسول- صلى الله عليه وسلم- أصدر أوامره بدفن قتلى المشركين إعلانًا منه أن حرب الإسلام هي حرب الفضيلة، لا يُستباح فيها إلا الدماء ولا تُباح فيها المثلة تكريمًا للإنسان إلا إذا كان قصاصًا بأن مثَّل العدو بواحدٍ من المسلمين لعموم قوله تعالى﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (النحل: منم الآية 126)، وعموم قوله تعالى:﴿فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (البقرة: من الآية 194)؛ لذلك كان الرسول- صلى الله عليه وسلم- يقول لجنوده فيما رواه أحمد وابن ماجة عن صفوان بن عسال قال: بعثنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في سريةٍ فقال: "سيروا بسم الله وفي سبيل الله، قاتلوا مَن كفر بالله ولا تُمثلوا ولا تغدروا ولا تقتلوا وليدًا".

كما أن الرسول- صلى الله عليه وسلم- يزداد في تكريم الإنسان فلم يترك تلك الجثث الكافرة النجسة تنهشها الذئاب والغربان بل أمر بدفنها لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً (70)﴾ (الإسراء).

غزوة بدر الكبرى.. قررت دستور النصر والهزيمة


".. ألا إن غزوة بدر لتمضي مثلاً في التاريخ البشري. تكشف عن الأسباب الحقيقية للنصر والهزيمة، وهي كتاب مفتوح تقرؤه الأجيال في كل زمان ومكان، لا تتبدل دلالتها، ولا تتغير طبيعتها، فهي آية من آيات الله وسنة من سننه الجارية في خلقه ما دامت السموات والأرض".

حين صدمت أمتنا بالهزيمة في الخامس من يونيو 1967 وما حدث فيه من نصر لليهود لم يسبق له مثل في التاريخ- كما وصفته بعض الصحف آنذاك- كان لا بد للأمة التي- روعتها الهزيمة أن تبحث عن تفسير لهذا الذي حدث وفاق كل تصور، وهنا برزت أبواق الدعاية تضلل وتقدم التفاسير المزيفة لهذه المهزلة، فسمعنا أن السبب فيما حدث: هو التقدم التكنولوجي للعدو وأن إسرائيل دولة عصرية، ولكي ننتصر عليها فلا بد لنا من التفوق في نواحي العلوم الحديثة وأن نتحول إلى مجتمع عصري.

والحقيقة أن هذه خدعة أخرى لا تنطلي حتى على البسطاء من الناس، والمراد منها صرف الأمة عن السبب الحقيقي ألا وهو "العقيدة الإسلامية" التي هي سر التفوق للمسلمين على مدار التاريخ وما أغرب أن نتنكر لتاريخنا فلا نأخذ منه العبرة والدرس.

ولا نظن أن مسلمًا ينكر أهمية التقدم العلمي أو المخترعات الحديثة ليس في المسلمين اليوم من يفضل الجمل على الطائرة أو العصا على المدفع، ولكن كل تقدم علمي وكل سلاح من أحدث طراز هو في نظر المسلم عملة زائفة تصحح وتعمل عملها بالإيمان، ثم ما الذي حال بين أمتنا وبين التقدم والعصرية؟ وهل أدركنا منها إلا الحديث المعاد عن حقوق المرأة ومنع الطلاق وحرب تعدد الزوجات، وإنشاء الفرق الشعبية، والاختلاط، وكان هذه القضايا هي التي تقرر المصير لمستقبل الأمة.

ونقول لهولاء:
هل كان المسلمون متفوقين تكنولوجيا حين انطلقوا من قاعدة الإسلام بالمدينة لرد البغي والعدوان، واستطاعوا في عشر سنوات أن يخوضوا سبعًا وعشرين غزوة، وسبعًا وأربعين سريةً لم يغلبوا فيها مرة واحدة مع قلة العدد والعدد؟!

وهل كان أسلافنا متفوقين علميًّا حين خرجوا من الجزيرة العربية وحرروا الشعوب من ذل الرومان وغطرسة الفرس؟

فلماذا انتصر هؤلاء وهزم غيرهم، حتى أمام جيش أذلاء الأرض وحثالة العالم من اليهود؟.

لقد انتصروا بالتفوق الروحي وبالإيمان العميق بالله وبالرسالة والعقيدة، لأن نقطة البدء في كل أمة إنما هي العقيدة التي توجه سلوكها وترسم طريقها وتحدد غايتها على ظهر الأرض.


فضيلة الشيخ محمد عبد الله الخطيب
وغزوة بدر الكبرى التي نحن بصدد الحديث عنها أصدق شاهد على ما نقول لقد وصفهم الحق سبحانه بقوله ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123)﴾ (آل عمران)، ووصفهم قائدهم- صلى الله عليه وسلم- بقوله حين دعا لهم: "اللهم إنهم جياع فأشبعهم، اللهم إنهم حفاة فأحملهم، اللهم إنهم عراة فأكسهم، اللهم إنهم عالة فأغنهم من فضلك".

ولم يكن معهم من الخيل غير فرسين ولا من الإبل سوى سبعين بعيرًا. كل اثنين وكل ثلاثة وكل أربعة يتبادلون الركوب على بعير وكان- صلى الله عليه وسلم- يشاركهم كواحد منهم، قال له رفيقاه: اركب يا رسول الله حتى نمشى عنك فقال لهما: "ما أنتما بأقوى مني على المشي، وما أنا بأغنى عن الأجر منكما".

الحذر ومواجهة الموقف:
لقد خرج- صلى الله عليه وسلم- من المدينة للعير لا للنفير، ولكنه حين علم بفوات القافلة وأن جيش قريش في الطريق إلى بدر واجه الموقف بحزم وحذر "ووضع جميع المسلمين في تشكيل حربي. فجعل على الساقة "قيس ابن أبى صعصعة" وعلى المقدمة "الزبير ابن العوام" وأظهر السلاح وعقد ألوية ثلاثة: لواء أبيض يحمله- مصعب ابن عمير- ورايتان سوداوان، إحداهما مع علي بن أبي طالب، والأخرى مع رجل من الأنصار، وقدم طلائع الاستكشاف لمعرفة أخبار العدو، كل ذلك لمواجهة الموقف المباغت الذي طرأ، وهو أمر خطير جعل الرسول- صلى الله عليه وسلم- يتخذ كافة الأسباب، ثم استشار قادة الجيش فرأى روحًا معنويةً عاليةً عند الجميع وكان من بين المتحدثين "سعد بن معاذ" الذي قال: "فامض يا رسول الله لما أردت فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، إنا لصبر في الحرب صدق في اللقاء، ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله"، وهنا سر النبي- صلى الله عليه وسلم- "وقال سيروا وابشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم".

وعند بدر جمع الله الفريقين: المسلمون بالعدوة الدنيا القريبة من المدينة والمشركون بالعدوة القصوى مما يلي مكة، لقد جمع الله الفريقين على غير موعد وله الحكمة العليا فيما يدبر وما يريد، قلة عدد المؤمنين وضعف عدتهم، وكثرة المشركين وقوة استعدادهم. ليكون هذا اللقاء العجيب- فرقانًا بين الحق والباطل، وميزانًا يزن الناس به أسباب النصر والهزيمة.

وفرق كبير بين ما يريده الناس لأنفسهم وما يريده الله لهم لقد كانت تمضي غزوة بدر، لو كانت لهم- غير ذات الشوكة- قصة تجارة غنمها المسلمون. قصة قوم أغاروا على قافلة واستولوا عليها ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ (الأنفال: من الآية 7) وهذا ما أراده المسلمون، أما ما أراده الله سبحانه أن تكون غزوة بدر، قصة عقيدة ونصر حاسم، قصة انتصار الحق على أعدائه المدججين بالسلاح المزودين بكل زاد، قصة انتصار القلوب حين تتصل بالله وحين تتخلص من ضعفها الذاتي، وتنتصر على نفسها وتقلب بيقينها ميزان الظاهر فإذا الحق راجح غالب ﴿.... وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (7) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (8) ﴾ (الأنفال).

اللجوء إلى الله:

إن معركة بدر كغيرها من معارك الإسلام كلها تدار بأمر الله وتسير بمشيئته وتدبيره وقدره، وقد اتخذ الرسول-صلى الله عليه وسلم- كل الأسباب التي تؤدي إلى النصر ثم لجأ إلى الله عز وجل يدعوه ويلح في الدعاء- عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال "لما كان يوم بدر نظر النبي إلى أصحابه وهم ثلاثمائة ونيف، ونظر إلى المشركين، فإذا هم ألف وزيادة".

فاستقبل القبلة وعليه رداؤه وإزاره ثم قال: "اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام فلن تعبد في الأرض أبدًا"، قال: فما زال يستغيث ربه ويدعوه حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر- رضي الله عنه- فأخذ رداءه فردّه، ثم التزمه من ورائه ثم قال: يا نبي الله، كفاك مناشدتك ربك فإن الله سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله عز وجل ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9)﴾ (الأنفال)، وكل ذلك من المدد لم يكن إلا بشرى، أما النصر فلم يكن إلا من عند الله ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (10)﴾ (الأنفال)، إن المؤمن قدر من أقدار الله في الأرض ينفذ الله به مشيئته.

وهكذا كان أهل بدر، وحين التحم المسلمون بالمشركين نزل- صلى الله عليه وسلم- من العريش يقود صفوف المسلمين بنفسه فكان أشد الناس بأسًا وأقرب الناس إلى العدو، وأخذ كفًّا من الحصباء وألقى الله الرعب في قلوبهم، وتصدعت الوجوه ثم قال: "شدوا عليهم سيهزم الجمع ويولون الدبر" وبعد جولات نظر المسلمون حولهم- وقد انهزم المشركون وألقى الله الرعب في قلوبهم، وتصدعت جموعهم- أمام مطارق المؤمنين الزاهدين في الحياة رهبان الليل فرسان النهار.

هذا هو الإسلام في عالم التربية والجندية والقيادة، كما أثبتته حوادث هذه الغزوة، فإلى متى نستورد المبادئ الضالة وعندنا هذا الرصيد الرباني؟

إن الله عز وجل قد أهلك الباغي المعتدي لقد جاء أبو جهل إلى بدر ومعه المغنيات.

الراقصات، والدفوف، والخمور، لقد خرج من مكة بطرًا وأشرًا ورياءً وكل ذلك للصد عن سبيل الله، ومتى ثبتت الراقصات في معركة أو انتصرت المغنيات في حرب أو ثبت السكارى في ميدان؟ ومتى انتصرت الدعاوى والأقوال على الحقائق والأعمال؟!

إن المسلمين بهذه العقيدة كل شيء، وبغيرها لا شيء، ونقول للذين تسمموا بالغزو الفكري ممن يظنون أنه مما يتنافي مع التقدم أن يتمسك المرء بدينه، نقول لهم: إن العالم من حولنا يتجمع على أساس ديني، فلماذا يحرم المسلمون من هذا الحق؟
أحرام على بلابله الدوح حلال للطير من كل جنس

يقول أحد مؤسسي الصهيونية:
"الحياة الدينية اليهودية هي دون سواها سر خلود إسرائيل وسيظل إسرائيل خالدًا ما بقى متعلقًا بالتوراة فإذا هجر إسرائيل التوراة اندثر تاريخه في رمال الصحراء، ولو ظل مقيمًا في أرضه وبلاده".

فهل نستيقظ ونعرف أن الطريق الوحيد للخلاص والنصر والسيادة والعزة يبدأ بقولة "لا إله إلا الله محمد رسول الله" منهج حياة كامل للمسلم.

اللهم ارزقنا أخلاق أهل بدر وثباتهم ويقينهم، ووفقنا أن نسير على نهجهم، إنك نعم المولى ونعم النصير.

الرسول القائد في غزوة بدر

من الحقائق المسلم بها أن قائد الأمة- أية أمة- يجب أن يكون مثلاً أعلى لشعبه؛ حتى يستطيع أن يؤدي مهامه بنجاح يعود بالنفع على من يقودهم، ويحقق لهم النهوض والتقدم، كما يجب أن يختار الحلول المناسبة لما يعترض طريقه من عقبات أو مشكلات.

وقد قال "جورج سباين": "حتى تستطيع أن تعرف الأمة، حاول أن تعرف قائدها وملامحه السياسية والعقلية، وستجد عشرات من الأمم سقطت في الحضيض بسبب حكامها، وبالعكس هناك من الأمم من حققت الانتصارات والنهضات والتقدم على أيدي قادتها البارعين".

وقريب من هذا ما كتبه العقاد في عبقرية محمد: "... عندما تنعقد المقارنة بين المعارك القديمة والمعارك العصرية؛ ينبغي أن ننظر إلى فكرة القائد قبل أن ننظر إلى ظواهر المعارك، أو لأي أشكالها وأحجامها؛ لأننا إذا نظرنا إلى الظاهر فلا معنى إذًا للمقارنة على الإطلاق، إذ من المقطوع به أن عشرة ملايين يجتمعون في ميدان واحد أضخم من عشرة آلاف، وأن حربًا تذاع بالمذياع والتليفون أعجب من حرب تُدار بالفن والإشارة.... لكننا إذا نظرنا إلى فكرة القائد أمكننا أن نعرف كيف أن توجيه ألف رجل قد تدل على براعة في القيادة لا نراها في توجيه مليون... بينهم الراجل والراكب، ومنهم من يركبون كل ما يركب من مخلوقات حية وآلات مخترعة... وهذه الفكرة هي التي ترينا محمدًا عليه السلام قائدًا حربيًّا بين أهل زمانه بغير نظير في رأيه، وفي الإقناع بمشورة صحبه... وهذه القدرة هي شهادة كبرى للرسول تأتي من طريق الشهادة للقائد الخبير بفنون القتال.

فمن كانت عنده هذه الأداة النافذة، فاقتصر بها على الدفاع، واكتفى منها بالضروري الذي لا محيص عنه، فذلك هو الرسول الذي تغلب فيه الرسالة على القيادة العسكرية، ولا يلجأ إلى هذه القيادة إلا حين توجبها رسالة الهداية.

ويزيد هذه الشهادة عظمًا أن الرجل الذي يجتنب القتال في غير ضرورة رجلٌ شجاعٌ غير هياب... شجاع وليس كبعض الهداة المصلحين الذين تجور فيهم فضيلة الطيبة على فضيلة الشجاعة، فيحجمون عن القتال؛ لأنهم ليسوا بأهل قتال".

وإذا نظرنا إلى شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم رأيناه- كما ينقل التاريخ- أعلم الناس بطبائع الرجال، ومواقفه كلها تتسم بالإنسانية التي لا تعرف التهاون، وبالحسم الذي لا يعرف الظلم، وبالعدل الذي يضع كل إنسان في موقعه المناسب، وقد يحتاج الموقف لينًا لو استبدل به شدة لفسد كل شيء، وقد يحتاج الموقف شدة لو حلّ محلها لين لأضار ذلك بالدين والقيم، واختلاف التصرف باختلاف المواقف والرجال لا يتعارض مع القواعد العامة، والقيم العليا، إذا ما صدر ذلك عن نفس بصيرة موصولة بالله، وهل كان هناك من هو أنقى وأطهر من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

فمن عبقريته القيادية أنه كان يعطي الموقف والشخصية أنسب ما يصلح لها في مجالها، من ذلك موقفه من الأقرع بن حابس الذي استدعاه الرسول ليوليه مال قبيلته تميم، فلما رأى الرسول صلى الله عليه وسلم يقبل أحد سبطيه استهجن ذلك، وقال: ما هذا يا رسول الله إن لي من الأبناء عشرة إذا رأوني تركوا لي الطريق خوفًا مني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تلي لنا أمرًا، من لا يرحم لا يُرحم".

وبذلك وضع قاعدة مهمة، وهي أن من يتولى أمرًا قياديًّا، أو مسئولية عامة عليه أن يكون رحيمًا، بالمفهوم الشامل للرحمة، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم قدوة حسنة، فقد عفا عن أهل مكة يوم فتحها، وقال كلمته الخالدة "اذهبوا فأنتم الطلقاء".

بينما وجدنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم موقف القوة والحسم في تصرفه مع مسيلمة الكذاب، فقد جاء في كتب السيرة أنه في العام التاسع من الهجرة جاء "مسيلمة" هذا مع وفد بني حنيفة إلى المدينة، وقادته وقاحته وسوء أدبه إلى أن يردِّد أمام المسلمين قوله (لو جعل لي محمد الأمر من بعده تبعته), ونقل بعض المسلمين للنبي ما يردده مسيلمة، فأشار النبي بيده إلى قطعة من جريد النخل, وقال "اسمع يا مسيلمة: والله لو سألتني هذه القطعة من جريد ما أعطيتكها، ولن أتعدى أمر الله فيك، ولئن أدبرت ليعقرنك الله".

وأمام هذه المواجهة الصريحة لم ينطق "مسيلمة" بكلمة، وعاد مع قومه بني حنيفة إلى بلادهم.. اليمامة وما حولها، وكانوا من أمنع الناس وأقواهم وأغناهم، وأكثرهم خيلاً ورجالاً، وسلاحًا، وزراعة، وأعلن "مسيلمة" على رءوس الأشهاد من قومه أنه "نبي مرسل" وأن الوحي بدأ في النزول عليه.

ويروى ابن هشام في السيرة النبوية أنه أرسل إلى النبي صلى الله عليه وسلم كتابًا نصه:"من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله: سلام عليك، أما بعد: فإني قد أُشرِكْتُ في الأمر معك، ولقريش نصف الأرض، ولكن قريشًا قوم يعتدون".

ورد عليه محمد صلى الله عليه وسلم بكتاب نصه:
"بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين".

وبالنظر في سلوك "مسيلمة" وهو في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبالنظر كذلك في كتابه إليه تواجهنا "شخصية منحرفة", تحكمها "عقدة التعاظم" التي تفهم النبوة والرسالة على أنهما ملك وسلطان, وسيادة وهيمنة على الأرض، وفي سبيل ذلك تكون التضحية بالأخلاقيات النبيلة والقيم العليا أمرًا لا غبار عليه.

بينما نرى في مواجهة الرسول عليه السلام لمسيلمة وهو في المدينة, ومواجهته له بعد ذلك في رده المكتوب إليه عدة معانٍ وقيم عليا أهمها اثنتان:
الأولى: الصراحة في الحق, ومواجهة المنحرفين والطامعين، والجبارين، دون مواربة أو مصانعة، أو تفريط في دين الله.

الثانية: تجنب اللجاج والجدل، وخصوصًا إذا تعلَّق الأمر بقضايا أو حقائق جوهرية واضحة لا تحتمل النقاش؛ مثل سمو النبوة والرسالة, وما هيأه الله للإنسان في الكون، وجزاء التقوى، وجزاء الكفران والطغيان والجحود.

وينتقل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى, وتتحول الردة العقدية إلى جيوش وسلاح، وينهض أبو بكر (رضي الله عنه) بالأمر، وينطلق خالد بن الوليد إلى مسيلمة، وتدور معارك من أشرس وأدمى ما عرف التاريخ, وينهزم بنو حنيفة, ويصرع مسيلمة، وترتفع راية الإسلام من جديد, وتصدق في مسيلمة كلمة الرسول عليه السلام: "ولئن أدبرت ليعقرنك الله".

ولا عجب فيما يسلكه النبي صلى الله عليه وسلم من الحلول المناسبة؛ فهو القائل عن نفسه "أدبني ربي فأحسن تأديبي"، والتأديب صفة جامعة تتسع لكل القيم الإنسانية.
*****
ويهمنا في هذا السياق أن نقف أمام محمد القائد في غزوة بدر؛ لنرى الفروق الجوهرية بينه وبين شخصية قائد المعسكر الكافر (أبي جهل الحكم بن هشام)، يقول المقريزي: "وفي صباح الثلاثاء السابع عشر من شهر رمضان كانت غزوة بدر وهي الوقعة العظيمة التي فرق الله فيها بين الحق والباطل، وأعد الإسلام، ودمغ الكفر وأهله، وجمعت الآيات الكثيرة والبراهين الشهيرة بتحقيق الله ما وعدهم إحدى الطائفتين، ومجيء المطر عند الالتقاء، وكان للمسلمين نعمة وقوة، وعلى الكفار بلاء ونقمة، وإمداد الله المؤمنين بجند من السماء".

وعاش الرسول صلى الله عليه وسلم في قلوب جنوده إذ سمعوه يدعو الله لهم "اللهم إنهم حفاة فاحملهم، وعراة فاكسهم، وجياع فأشبعهم، وعالة فأغنهم من فضلك، اللهم هذه قريش قد أقبلت بخُيَلائِها وفخرها تحادك، وتكذب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني، اللهم أحِنْـهم- أهلكهم- الغداة".

وكان متواضعًا، لا يفضل نفسه على المسلمين في شيء؛ عن عبد الله بن مسعود (رضي الله عنه)، قال: كنا يوم بدر، كل ثلاثة على بعير، فكان أبو لبابة وعلي بن أبي طالب زميلي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فكانت إذا جاءت عقبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالا: نحن نمشي عنك، قال: "ما أنتما بأقوى مني وما أنا بأغنى عن الأجر منكما".

ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستشير الناس، فكان مما قاله المقداد بن عمرو (يا رسول الله امض بأمر الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لنبيها: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون...).

وعن الأنصار قال سعد بن معاذ: (... إنا قد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به حق، فأعطيناك مواثيقنا وعهودنا على السمع والطاعة، فامض يا نبي الله لما أردت، فالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما بقي منا رجل، وصل من شئت، واقطع من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وما أخذت من أموالنا أحب إلينا مما تركت...).

وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم كذلك برأي الحباب بن المنذر الذي قال: (انطلق بنا إلى أدنى ماء إلى القوم... فبها قليب عذب الماء كثيره، ثم نبني عليه حوضًا فنقذف فيه الآنية فنشرب ونقاتل، ونعوِّر (أي نكسو بالتراب) ما سواها من القلب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم): "يا حباب أشرت بالرأي" ونفذ ما رأى.

فنحن أمام قائد يأخذ نفسه بالعدل والشورى، ويُمَكن جنوده من إبداء ما يرون... إنها شورى حقيقية وليست شورى زائفة أو نظرية.

ونرى القائد العظيم وهو في عريشته يرفع يديه إلى السماء ويدعو ربه في خشوع "اللهم إن تهلك هذه العصابة لن تُعبد في الأرض اللهم نصرك الذي وعدتني...".
*****
تلك كانت أهم ملامح القائد النبيل، فلننظر الآن إلى قيادة من نوع آخر تتمثل في أبي جهل، الذي كان مصرًّا على القتال، مع أن بعض عقلاء قومه نصحوه بالرجوع إذ لا داعي للقتال بعد أن أفلتت العير (قافلة التجارة) من يد محمد وأصحابه؛ فزجرهم، وتحداهم، وسخر منهم.

فرفض نصيحة عتبة بن ربيعة بالرجوع إذ لا مبرر للقتال، وخطب عتبة في قريش قائلاً: (يا معشر قريش، إنكم والله ما تصنعون شيئًا بأن تلقوا محمدًا وأصحابه، والله لئن أصبتموه لا يزال الرجل ينظر في وجه رجل يكره النظر إليه، قتل ابن عمه، أو ابن خاله، أو رجلاً من عشيرته، فارجعوا، وخلوا بين محمد وسائر العرب، فإن أصابوه فذاك الذي أردتم، وإن كان غير ذلك ألفاكم ولم تعـرضُوا منه ما تريدون).

وأرسل إليه أبو سفيان ومن خرج معه للقتال (إنكم إنما خرجتم لتمنعوا عيركم ورجالكم وأموالكم قد نجاها الله فارجعوا).

وأحدث إصراره الأحمق على القتال شرخا في جيشه، فقد انسحب بنو زهرة، فلم يشتركوا في القتال؛ استجابة لتوجيه الأخنس بن شريق، وكان منطقه هو منطق أبي سفيان: (لقد نجَّى الله أموالكم... فلا تسمعوا لأبي جهل).
*****
لم يفتح أبو جهل صدره لهذه الأصوات، وجاء رده في قوله بلهجة استعلاء وغرور (لا والله لا نرجع حتى نرد بدرًا، فنقيم عليه ثلاثًا، فننحر الجُزر (الجمال)، ونطعم الطعام، ونُسْقِي الخمر، وتعزف علينا القيان (الجواري)، فما يزال العرب يسمعون بنا، وبمسيرنا، وبجمعنا فلا يزالون يهابوننا أبد الدهر بعدها، فامضوا) ثم قال وهو يتفجر غرورا:
ما تنقم الحربُ العوانُ مني بازل عامين حديث سني
لمثل هذا ولدتني أمي

كان أبو جهل مثالاً للقائد المغرور، الذي لا يحسن تقدير المواقف، وكان مستبدًا برأيه، ولم يفتح أذنيه للرأي الآخر، فنزل المعركة وبينه وبين جنوده جدار من عدم الارتياح وفقد الثقة؛ أي فاصل نفسي سميك، وكان قائدًا أحمق لا يعتبر الحرب إلا نوعًا من الاستعلاء، والمظهرية الدعائية.

ونتيجة بدر معروفة، فكان مصرع أبي جهل على يد غلامين؛ هما معاذ بن عمرو بن الجموح، ومعوذ بن عفراء، وبقية النتائج تتلخص فيما يأتي:
1- اسَتشهد من المسلمين أربعة عشر رجلاً.
2- غنم المسلمون غنائم كثيرة.
3- قُتِلَ من المشركين سبعون، وأسِرَ منهم سبعون.
4- بعد النصر عرف المشركون وكل العرب وأهل الأديان الأخرى أن المسلمين أصبحوا قوة كبرى مهيبة الجناح.

فبالقيادة الرشيدة انتصر المسلمون، وبالقيادة الغبية الحمقاء انكسر المشركون انكسارًا شديدًا، وهزموا هزيمة نكراء، وصدق الله تعالى إذ قال: ﴿وَلَقدْ نَصَرَكُمْ الله ببَدْرٍ وأنتُمْ أذِلَّةٌ فَاتَّقُوا الله لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123)﴾ (آل عمران).

في ذكرى غزوة بدر الكبرى.. فلنكن بدريين


رسالة من: أ. د. محمد بديع المرشد العام للإخوان المسلمين
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ومَن والاه.. وبعد
فتوشك أن تحل علينا ذكرى غزوة بدر الكبرى، يوم الفرقان، يوم انتصرت العصبة المؤمنة قليلة العدد والعدة على ملأ قريش في زهوه واستكباره، فتجذَّرت دولة الإسلام الناشئة، حقيقةً لا سبيل إلى تجاوزها، وخرَّ صرعى فراعين قريش وطغاتها وأكابر مجرميها.

وعند هذه الذكرى المباركة نتوقف ناظرين في حالنا وحال أمتنا المستضعفة، متسائلين: أيمكن أن نكون بدريين، كما كان أصحاب بدر من المؤمنين، فينظر الله إلينا نظرة رحمة ورضا، فنفلح كما أفلحوا؟

المبادرة والجاهزية:
لقد خفَّ بعض المؤمنين لتلبية نداء الرسول الكريم صلوات الله عليه، حين قال لأصحابه: "هذه عير قريش فيها أموالهم، فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها"، وانتدب الناس، فسارع بعضهم وتثاقل آخرون، إذ لم يظنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيلقى كيدًا، ولكن حدث أن نجت قافلة قريش، وأقبل جيشهم يطلب إفناء الجماعة المؤمنة، وأصبح القتال مفروضًا لا خيارَ فيه، وشاور النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، فهتف سعد بن معاذ زعيم الأوس: لقد آمنّا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة لك، فامض يا رسول الله لِما أردت، فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا، إنا لصُبر في الحرب، صُدق عند اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسِرْ على بركة الله".. نماذج مدحها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: "رجل آخذ بعنان فرسه كلما سمع هيعة طار إليها".

ولو علم من تأخر من المسلمين عن الخروج إلى بدر أن الوقعة الكبرى مع المشركين ستكون، وأن التاريخ سيقف مشدوهًا أمام ذلك اليوم، وأن أبواب السماء ستنفتح لتتنزل الملائكة فتقاتل مع المؤمنين، وتزف أرواح الشهداء إلى أعراس السماء، لو علموا ما تثاقل منهم رجل واحد.. فطوبى للمبادرين السابقين، ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11)﴾ (الواقعة)، أما من تأخَّر فما أعظم خسارته؛ إذ فقد وسام المشاركة في بدر، ووصف "بدْري" الذي وصف به هؤلاء الأعلام فيما بعد؛ وكان ذلك الوصف كفيلاً بغفران ما يلي بدرًا من ذنوب، ولو كانت كفعل حاطب بن أبي بلتعة الذي أفشى سر استعدادات المسلمين لفتح مكة، فاستأذن عمر بن الخطاب من رسول الله صلى الله عليه وسلم في ضرب عنقه، فقال صلى الله عليه وسلم: "إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم" "متفق عليه".

وظل الغياب عن مشهد بدر ألمًا في نفوس من تخلَّف عنها، يرونه منقصةً لا يغفرها إلا الصدق في طلب الشهادة عند أول جهاد.. وكان منهم أنس بن النضر، الذي قال: "إن أراني الله مشهدًا- فيما بعد- مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليراني الله كيف أصنع"، وهاب أن يقول غيرها؛ أدبًا مع الله وتورعًا، فقاتل يوم أحد قتالاً مشهودًا حتى استشهد رضوان الله عليه، ففيه وفي أصحابه نزل قوله تعالى: ﴿مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (23)﴾ (الأحزاب) والحديث متفق عليه.

ضعف الحال لا يقعد بأهل الإيمان عن طلب العزة:
لم يكن المسلمون الذين خرجوا لملاقاة قافلة قريش التجارية مهيئين لقتال كبير، فلم يكن عددهم يزيد على ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، معهم سبعون بعيرًا يعتقبونها؛ وليس فيهم سوى فارسين، وبقيتهم مشاة.. وكانوا كما وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه: "اللهم إنهم حفاة فاحملهم، عالة فأغنهم، جياع فأطعمهم".. غير أن تبدل الموقف فرض وضعًا جديدًا لم يستعدوا له؛ فقد نجت القافلة، ووجدوا أنفسهم في مواجهة جيش قريش الذي يزيد عن ثلاثة أمثالهم، فإما أن يقبلوا التحدي والمنازلة التي لم يحسبوا لها حسابًا، وإما أن يؤثروا العافية ولا يستجيبوا لاستفزاز قريش، ولا يحاربوا معركة فُرضت عليهم، ولم يختاروا زمانها ولا مكانها.. غير أنهم اختاروا المواجهة لا النكوص، والجهاد الذي فرض عليهم لا الفرار.

ألا ما أكثر حجج الجبناء الذين يؤثرون السلامة في كل موقف، ويُلبسون الجبن والخور ثوب الحكمة والمسئولية والتعقل، وهذه الحجج لو قبلها المسلمون، لكان لهم في الظرف الجديد الطارئ مندوحة وعذرٌ، لكنهم آثروا ملاقاة الكفار، وليحكم الله بينهم وهو خير الحاكمين.. فإما نصر تقر به عيون المضطهدين والمحرومين، وإما شهادة تُفتح فيها أبواب الجنة، وينعمون فيها برضوان مقيم لا زوال له، ولا تحول عنه.

التربية بالقدَر الإلهي الحكيم:
ولم يكن المسلمون يريدون القتال أول الأمر؛ كما ورد في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمْ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (7) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (8) إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9)﴾ (الأنفال)، لقد كان اختيار الله للمسلمين خيرًا من اختيارهم لأنفسهم، أرادوا العير تعوضهم بما تحمل من أموال عن بعض ما فقدوا، وأراد الله النفير؛ ليكون أول نصر كبير للمسلمين على معسكر الشرك، وليكتب المسلمون فيه أروع صفحاتهم في تاريخهم الممتد، ولتتربى الأمة على أقدار الله، وتصنع على عينه سبحانه.

قيادة تؤثر الشورى وتنشد العدل:
كان النبي صلى الله عليه وسلم أكثر الناس مشاورةً لأصحابه، وهو المؤيد بالوحي، وقد تربَّى أصحابه على ذلك موقنين بأنهم حَملة رسالة، وشركاء في المسئولية عنها، متفهمين الفارق بين عصمة تبليغ الرسالة وشأن الحرب والمكيدة، وتلك مشورة الحباب بن المنذر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، بأن يغير موضع الجيش إلى موضع آخر أكثر مناسبةً من الناحية العسكرية؛ ومشورة سعد بن معاذ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، بأن يسمح للمسلمين ببناء عريش له صلى الله عليه وسلم، يقود منه المعركة، وقد استجاب النبي صلى الله عليه وسلم لكل منهما لما رأى الحق معهما، ولم يرَ في الأمر غضاضة ولا حرجًا.. إنها القيادة المؤمنة التي تفسح الطريق للعقول أن تفكر وتبدع، وللألسنة أن تتكلم وتقنع.

ولم يكن بالجيش إلا سبعون بعيرًا يعتقبونها، فيركب الثلاثة والأربعة البعير، أحدهم تلو الآخر، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم واثنان معه يعتقبون بعيرًا، وقد عرض رفيقا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمشيا ويركب هو صلى الله عليه وسلم فقال: "ما أنتما بأقوى مني، ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما" (رواه النسائي).

استمداد النصر بالدعاء:
وروى الإمام أحمد بسنده عن علي بن أبي طالب أنه قال: لقد رأيتنا وما فينا إلا نائم، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح، وذلك ليلة بدر.. وهو يكثر من قول يا حي يا قيوم، ويكررها وهو ساجد.. وكان صلى الله عليه وسلم يرفع يده ويهتف بربه ويقول: "اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد بعدها في الأرض، اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم نصرك.."، ويرفع يديه إلى السماء حتى سقط رداؤه عن منكبيه، وجعل أبو بكر يقول له، مشفقًا عليه: "يا رسول الله بعض مناشدتك ربك، فإنه منجز لك ما وعد".

وما أبره من دعاء مخبت إلى الله، لا يحمل همَّ بقاء الجماعة المؤمنة لمجرد حب بقائها والحرص على سلامتها، بل لأنها هي التي تحمل رسالة الحق إلى العالمين، فغدا الخوف من هلاكها خوفًا من أن تظل الأرض بغير علامات للهدى ومنارات للحق.. والدعاء مخ العبادة، بل هو العبادة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم سيد العابدين، ولا عجب أن جاء أثر الاستعانة بالله تعالى سريعًا مباشرًا ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9)﴾ (الأنفال)، فأقبلت الملائكة من السماء مردفين، يردف كل ملك ملكًا، أو يردفون المؤمنين مددًا لهم.. وقد قاتلت الملائكة بأنفسهم يوم بدر، كما تواترت بذلك الروايات.

الشوق إلى الجنة:
وكان الشوق إلى الجنة يحركهم، وقد عرفوا لها قدرها، وأنها سلعة الله الغالية، فلما حرض النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه على القتال، فقال: والذي نفسي بيده، لا يقاتلهم اليوم رجل، فيقتل صابرًا محتسبًا مقبلا غير مدبر؛ إلا أدخله الله الجنة، وكان عمير بن الحمام يستمع وفي يده تمرات يأكلهن، فقال: بخٍ بخٍ، أفما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء؟ لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها حياة طويلة، ثم رمى بهن، ومضى يقاتل حتى استشهد رضي الله عنه.

أخوة العقيدة:
وحرر أهل بدر ولاءهم لله تعالى، فقدموا أخوة العقيدة على ما سواها، وأيقنوا أن تلاحم صفهم أداة نصرهم، وقد مرَّ مصعب بن عمير بأحد الصحابة يأسر أخاه المشرك أبا عزيز بن عمير، فقال مصعب لصاحبه: شد يدك به، فإن أمه ذات متاع- يعني ذات ثروة وغنى- لعلها تفديه منك، فالتفت إليه أخوه الأسير، وقال له: يا أخي هذه وصاتك بي، فرد مصعب: إنه أخي دونك!!.

إن إخوان العقيدة يهتفون بنا في كل موطن إسلامي مضطهد، نراهم في فلسطين والعراق والصومال وأفغانستان وغيرها، قد تكالب عليهم العدو وأسلمهم إليه الصديق، فهلا نكن بدريين فنري الله من أنفسنا خيرًا في نجدتهم وغوثهم؟؟

التحذير من الحرص على الأنفال:
ولم يخصص القرآن العظيم سورة باسم موقعة بدر- كما حدث في سورة الأحزاب والفتح مثلاً، وإنما جاء الحديث عنها في سورة تحمل اسم الأنفال.. وهنا ملمح مهم ينبغي الوقوف عنده، فقد جاء العتاب الإلهي لأصحاب بدر لاختلافهم حول توزيع الغنائم- الأنفال- رقيقًا وحاسمًا في آنٍ واحد، وجاء تسمية السورة بهذا الاسم ليطيلوا تدبر ذلك العتاب وما وراءه.. بالرغم من أن اختلافهم كان في أمر لا نص فيه من الله تعالى ورسوله، وأنه لما نزل القرآن الكريم ببيان قسمة الغنائم لم يبق لخلافهم أثر، بل قالوا سمعنا وأطعنا.. بل أكثر من هذا تنازلوا عن حقوقهم بعد أن كانوا يطمعون فيما فى أيدي غيرهم.

والحق أن المعالجة القرآنية للأمر عجيبة؛ إذ تذكر اختلافهم في أول آية من سورة الأنفال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَنْفَالِ قُلْ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ (1)﴾ (الأنفال)، ولكنها لا تحسم ذلك الاختلاف إلا بعد أربعين آية من السورة الكريمة: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (41)﴾ (الأنفال).. وتمضي الآيات الأربعون في ذكر وقائع المعركة والتركيز على البناء العقدي للأمة، ثم إنها تحسم الخلاف حول الأنفال في آية واحدة، فالاختلاف حول حظ النفس لا يعالج بتشريع طويل؛ بل يعالج بعلاج النفس البشرية وتقويم المعوج منها حتى تستقيم على مراد الله للمؤمنين.. وما اهتمت به الآيات من الأمر بتقوى الله وإصلاح ذات البين وطاعة الله ورسوله هي عدة النصر التي ينبغي الاحتفال بها والاتجاه إلى تقوية دعائمها، واختلاف القلوب المؤمنة هو بداية الخذلان الذي لا ينتهي إلا بتدمير أسباب القوة والنجاة في الأمة جميعًا.

لقد اختلف المنتصرون من أهل بدر حول ما غنموه من الكافرين، أما نحن الآن فبتنا غنيمةً باردةً وأنفالاً لأعداء الأمة!!.

أصلح الله حالنا في هذا الشهر الفضيل، وجزى أصحاب بدر عن الإسلام والمسلمين خيرًا، ورزقنا محبتهم واتباعهم..

أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع

﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ (يوسف: من الآية 111).. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
القاهرة في: 16 من رمضان 1431هـ الموافق 26 من أغسطس 2010م

الأحد، 15 أغسطس 2010

رمضان.. شهر بناء الإرادة وتحريرها[12/08/2010][12:37 مكة المكرمة]


رسالة من أ. د. محمد بديع- المرشد العام للإخوان المسلمين
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد..
فمع إشراقة رمضان ونسماته العطرة، تفوح في الأفق فضائله التي منَّ الله علينا بها، فهو شهر القرآن؛ دستور الأمة.. ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ (البقرة: من الآية 185).

وفيه تضاعف الحسنات، وتفتح أبواب الجنة، وتغلق أبواب النار.. "إذا دخل رمضان فتحت أبواب السماء، وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين"، وفيه ليلة القدر؛ التي هي خير من ألف شهر، كما قال المعصوم: "فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم"، وفيه تتحقق التقوى بأجلِّ صورها، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)﴾ (البقرة)، ولقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على من أدرك رمضان ولو مرة ولم يغفر له بقوله: "رغم أنفه"، وهو شهر الانتصارات العظيمة في التاريخ الإسلامي قديمًا وحديثًَا، ففيه غزوة بدر الكبرى، وفيه فُتحت مكة، وغيرهما من الانتصارات المجيدة، كان آخرها نصر العاشر من رمضان الذي دخل الجنود معركته وهم صائمون، ولعل من أهم أسباب هذه الانتصارات هو التحلِّي بالمعاني الحقيقية التي يرسِّخها الصيام في النفوس، ومن أهمها وأبرزها تحرير الإرادة بكلِّ معانيها وعلى كل مستوياتها، فكما أن الصوم يهدف إلى تحقيق التقوى في النفوس، فهو كذلك يبني الإرادة الحرة، وكما أن جوهر الإخلاص وحقيقته هو التحرر من الخضوع لكلِّ قوة من دون الله مهما بلغت؛ فإن الصوم وسيلة لتحرير الإنسان من عبودية الإنسان والعادات والشهوات، فمن تدرَّب على أن يمتنع- باختياره- عن شهواته وملذاته، ويصرُّ على الامتناع عنها؛ لا لشيء إلا طاعة لله، فلا بد أن تخرَّ أمامه الأهواء والعادات، ويشعر بالنصر عليها.

فالمحرمات على الصائم شديدة الصلة بحياته اليومية، وذلك لتعميق الأثر في تربية الإرادة في نفسه لتجعله أقوى على ترويضها، والتحرُّر من سطوة الغريزة ومكايدها، ولتقوية عزيمته وشحذ همته، فالصوم يحدُّ من طغيان الجسد على الروح، والمادية على الإنسانية، والعبودية على الحرية، فإرادة الإنسان عندما تخضع لإرادة الله سبحانه وتعالى لا تذوب لتموت، وإنما تذوب لتحيا وتدوم، فكيف بإنسان انتصر على شهواته الحلال الضرورية أن ينهزم أمام شهوات حرام.

لذا يعدُّ الصيام من أكثر العبادات دعمًا للروح في الإنسان؛ لأن الصيام يضعف الشهوات التي يزكيها إفراطه في الطعام والشراب، وبذلك يحقق الغاية في الارتقاء بروحه إلى مرتبة كمال الخشية من الله، وتمام الالتزام بما تقتضيه تلك العبادة من ضوابط وأخلاق وآداب؛ بحيث يقيم الصائم من نفسه رقيبًا على نفسه، فلا يرائي الناس بصومه فيعالجه الصيام من هذا الداء الذي هو أخوف ما يخافه علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسماه الشرك الأصغر حتى يؤدي صومه على الوجه الأكمل الذي يريده ربنا ويرضاه، حتى يصل إلى منزلة الربانيين الذين يعظِّمون شعائر المولى عزَّ وجلَّ قولاً وعملاً، فتصير حركاتهم وسكناتهم وصلاتهم ونسكهم ومحياهم ومماتهم لله رب العالمين ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162)﴾ (الأنعام:).

وهذا هو قول النبي صلى الله عليه وسلم: "فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابَّه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم"، الذي يربي في المسلم قوة الإرادة ويجعل من الصوم وسيلةً لتحسين الأخلاق، وكظم الغيظ، ومواجهة الأذى والجهل بالعفو والصفح.

والمسلم في رمضان يخالف عاداته ويتحرَّر من أسرِها، ويترك مألوفاته التي أحلَّ الله له؛ فتراه ممتنعًا عن الطعام والشراب والشهوة في نهار رمضان امتثالاً لأوامر الله عزَّ وجلَّ، وبذلك يصبح الصوم عند المسلم مجالاً رحبًا لتقوية الإرادة؛ فيستعلي على حاجيات الجسد، إيثارًا لما عند الله تعالى من الأجر والثواب.

بين الإرادة والحرية:
فالإرادة إذن هي القوة التي تُمَكِّن الإنسان من أن يقول: (نعم) أو (لا) بكامل حريته النابعة من عبوديته لله وحده لا شريك له عندما تدعوه شهوة أو عاطفة، أو يحاول ظالم أن يوظِّفه لخدمة أغراضه ومطامعه، ويكون إمامه وقائده في ذلك تقوى الله ورضاه، فالقدرة على الرفض والامتناع أقوى من القدرة على القبول والإيجاب؛ لذا فعندما تحرَّرت إرادة المسلمين الأوائل من جواذب نفوسهم الأرضية وحققوا في أنفسهم المعاني الحقيقية للصيام استحقوا نصر الله، ودانت لهم الدنيا، فإذا كنا نريد تحقيق النصر فعلينا تحرير أنفسنا وإرادتنا كما فعل أسلافنا.

وهكذا الصيام يربي الإنسان على أن يكون حرًّا في حياته كلها؛ بحيث لا تستعبده شهوة، ولا تقهره عاطفة، ولا يملك مصيره إنسان، أيًّا كان ذلك الإنسان. وهكذا يكون سيِّد نفسه، ويملك أن يريد أو لا يريد، كما أنه ينمي استقلال الإرادة، ويمرِّن الصائم على اعتياد التحرر ليواجه التحديات والصعاب بمزيد من الثبات والعزم والجلد، فلا يذلُّ ولا يستكين، فالصوم إلى جانب كونه ترويضًا للنفس لتربيتها على الإرادة، فهو عبادة لله، يتقرب بها المسلم إلى الله.

فإذا استفاد المسلم من هذا الشهر المبارك فقويت عزيمته وإرادته، وطالت مدة التغيير فاستوعبت الشهر كله، فتترسَّخ الصفات، ويصبح متين الخلق وليس صاحب خلق فقط، ووجد العون من المجتمع؛ بحيث يكون مشاركًا له في هذه العبادات والقربات، فيكون الكل مشاركًا في عملية التغيير؛ مما يعين على امتداد الأثر ليشمل حياته كلها، وهنا فرقٌ بين أن أشارك المجتمع ويشاركني في الخير وبين أن أكون إمَّعة؛ لأن الإنسان في الحالة الأخيرة سيشارك المجتمع في الإساءة إذا وجد الناس يسيئون؛ لذا قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تكونوا إمعة تقولون: إن أحسن الناس أحسنَّا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطِّنوا أنفسكم؛ إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساءوا أن لا تظلموا".

والإنسان عمومًا تتجاذبه نزعتان: الأولى مادية.. مصدرها العنصر المادي في تكوينه، ومنها تصدر التصرفات غير السوية في سلوكه إذا أرضى ماديته فقط ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ (التوبة: من الآية 38)، والثانية روحية تدفعه دائمًا إلى أن يرتفع في تصرفاته عن كل ما ينتقص دينه أو خلقه، وهي التي يستعلي بها عن الدنايا والخطايا.

والعبادات في الإسلام تستهدف دعم العنصر الروحي في الإنسان حتى تتمَّ له الغلبة على العنصر المادي، وكلما قوِيَ العنصر الروحي فيه كانت صلته بربه أشدَّ رسوخًا وأكثر شموخًا، وهنا يأتي الصوم ليزكي النزعة الثانية ويرسخها في النفس، وبذلك يروِّض الصائم نفسه ويحرِّر إرادته من آثار النزعات والرغبات والشهوات، وبذلك تتحرَّر إرادته ذاتيًّا.

وتلك التجربة العظيمة في ترويض النفس بالجوع وتحرير الإرادة بالحرمان وتقوية العزيمة بالصيام جديرةٌ في ذاتها بالتقدير والاعتبار؛ لما لها من أثر بالغ في تربية شخصية المسلم الصائم، وصقلها، وتنقيتها من شوائب الضعف والوهن والخمول، وبهذا يتحقق فينا "المسلم القوي الأمين" الذي هو أحب إلى الله جلَّ جلاله، كما أخبر عن ذلك المصطفى صلى الله عليه وسلم في قوله: "المؤمن القويُّ خيرٌ وأحب إلى الله تعالى من المؤمن الضعيف".

تحرَّر في رمضان
فلنجعل من رمضان فرصةً لتقوية الإرادة والاستعلاء على الشهوات والمألوفات، والتحرُّر من أسر العادات، حتى نكون ممن أدركهم الله برحمته فوفِّقوا لصيام رمضان وقيامه إيمانًا واحتسابًا فغُفر لهم، فالصيام رياضة قلبية وليس حرمانًا جسديًّا، فنحن في أمسِّ الحاجة إلى أن نعرج بأرواحنا في رمضان من خلال تعزيز إرادتنا وتقويتها، وأعظم العلامات على ذلك الامتثال لما أمرنا الله به والامتناع عما نهانا عنه، حتى تشف أرواحنا وتقوى فتتعامل بتفاعل مع القرآن: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52)﴾ (الشورى:52).

إن قوة العزيمة والإرادة التي يرسِّخها الصوم في نفوسنا هي ما تحتاجه الأمة في مواجهة الأهواء والشهوات والفتن والتحديات، وتحتاجها لمواجهة ميل النفوس إلى الدعة والراحة وإيثار السلامة على الجهاد والتضحية والبذل والعطاء.

فنحن في حاجة لأن تتحرَّر إرادة الأمة وإرادة قادتها من الجواذب الأرضية والعمل الجادّ والحثيث؛ لتغليب الصالح العام على الخاص، ومناصرة قضايا الأمة والذَّود عنها، وعدم الترخُّص فيها وعدم الركون إلى الدعة وإيثار السلامة على مواجهة التحديات والتغلب عليها.

إن التغيير الذي يحدثه رمضان في النفوس ليس فرديًّا وحسب، ولكنه تغيير جماعي على كلِّ المستويات ويشمل الأمة بجميع عناصرها، فالأمة في أمسِّ الحاجة إلى تحرير إرادتها، وفي المقدمة منها رؤساؤها وزعماؤها، فهم مطالبون بتحرير إرادتهم من تأثير كل تبعية خارجية لا ترجو الخير للأمة ولا لمستقبلها، فهم لا يملكون لكم نفعًا ولا ضرًّا ولا عزًّا، كما قال ربنا عزَّ وجلَّ: ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (139)﴾ (النساء: 139)، وليعلموا أن في تحرير إرادتهم تحريرًا لإرادة الأمة جمعاء، وإن تثاقلوا وتباطئوا فسوف يبوءون بإثم الأمة جمعاء، وستتمُّ سنة الله في الكون، وسوف يتم التغيير وستتجاوزهم الأحداث، فليقُمْ كلٌّ بدوره المنوط به، وليؤدِّ واجبه المفروض عليه غير متخاذل ولا منكسر، ولتعلموا أن شعوبكم أعظم سند لكم، فانحازوا لهم واحتموا بهم.

أيها الإخوان المسلمون.. أيها الناس أجمعون..
إن الباعث الحقيقي للتغيير داخلي؛ لذلك فمن انهزم داخل نفسه كان أعجز من أن ينتصر على غيره، فلنجعل من رمضان فرصةً حقيقيةً للتغيير والانطلاق الجادِّ نحو تحرير إرادتنا على كلِّ الأصعدة، والتمسك التامِّ بما يأمرنا الله به، والعمل الجادِّ لتحقيق أوامره وتطبيقها على أنفسنا، واعلموا أن تحرير إرادتنا هو سرُّ قوتنا ونصرنا وعدم تحكم أي قوة فينا، وهو الدافع الحقيقي لرفض الإهانة والذلِّ والهوان الذي قد يرضى به بعض ضعاف النفوس ممن لا يَحيون صوم رمضان واقعًا معيشًا.

إن أول الهم إرادة، وآخر الهم همة، فلنتحركْ ولندعُ إلى الله في كلِّ وقت وحين، ولا نهدأ ولا نملّ، ولنجعل من التربية الرمضانية زادًا روحيًّا لنا؛ لتحقيق مستهدفاتنا، ولنبذل أقصى وُسع لنا في تحقيق ذلك، وليكن شعارنا كما قال بعض السلف: "أعظم الناس وسعًا أعظمهم إيمانًا"، واعلموا أن أولى الخطوات على طريق النصر هي تحرير الإرادة من كلِّ الجواذب الأرضية.

أيها القادة والرؤساء والزعماء..
إن رمضان فرصة لتحرِّروا إرادتكم، وتتحلَّوا بأخلاق الصيام وشمائله، وتنحازوا إلى مصالح أمتكم وشعوبكم؛ كي تنالوا رضا ربكم وثقة شعوبكم وأمتكم، فإن ما عليه الأمة من ذلٍّ وهوان هو نتاج سياساتكم البعيدة عن مصالح شعوبكم والمؤْثرة للمصالح الخاصة على العامة؛ فعودوا إلى ربكم في هذا الشهر الكريم، وحرِّروا إرادتكم لله رب العالمين.. ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40)﴾ (الحج).

أيها الأحباب خلف الأسوار..
لقد ضربتم بثباتكم وصبركم- ومعكم أسركم وأبناؤكم- أعظم المثل في تحرير إرادتكم، وعدم تحكُّم أحد- أيًّا كان- فيكم، وواجهتم جميعًا ما أنتم فيه بعزم لا يعرف العجز ولا الهزيمة.. اعلموا أن المنهزم هو الذي لم يستطع أن ينال من إيمانكم وفكركم، وهؤلاء هم من ستخور إرادتهم إن لم يفيئوا إلى رشدهم، ويعودوا إلى طريق ربهم.. ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (21)﴾ (يوسف).

أعانكم الله على طاعته وبرِّه، وعجَّل لكم بفرجه القريب عاجلاً غير آجل، وخَلَفَكم في دعوتكم وأمتكم وأهليكم وأبنائكم وأموالكم بخير ما يخلف به عباده الصالحين.

وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين، والله أكبر ولله الحمد.

الجمعة، 6 أغسطس 2010

رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بالأطفال

لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أرحم الناس بالأطفال، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قَبَّل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي، وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالساً، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحداً. فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: "من لا يرحم لا يُرحم" (متفق عليه) وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قدم ناسٌ من الأعراب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أتقبلون صبيانكم؟ فقالوا: نعم. قالوا: لكنا - والله - ما نُقبِّل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أو أملك إن كان الله نزع منكم الرحمة" (متفق عليه) ففي هذين الحديثين بيانٌ عظيم لشفقة النبي صلى الله عليه وسلم بالأطفال، وأن تقبيل الصبي من مظاهر الرحمة والشفقة، وفي قوله صلى الله عليه وسلم: "من لا يرحم لا يُرحم" دليلٌ على أن الجزاء من جنس العمل، فمن حرم الأطفال من الرحمة والشفقة حرمه الله تعالى منها يوم القيامة. ومن صور رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بالأطفال أنه صلى الله عليه وسلم دخل على ابنه إبراهيم، وهو يجود بنفسه - أي في سياق الموت - فجعلت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تذرفان وقال: "إن العين تدمع، وإن القلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون" (رواه البخاري) فأعطى النبي صلى الله عليه وسلم حق العبودية في الصبر والرضا والتسليم لأمر الله تعالى. وأعطى ابنه حقه في الرحمة والشفقة وذرف الدمع والحزن على فراقه وهذا من أكمل صور العبودية. ولما مات ابن ابنته فاضت عيناه صلى الله عليه وسلم، فقال له سعد بن عبادة: ما هذا يا رسول الله؟ فقال: "إنها رحمةٌ، جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء" (متفق عليه)ومن صور رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بالأطفال أنه صلى الله عليه وسلم زار غلاماً يهودياً مريضاً كان يخدمه. فقال له: "قل لا إله إلا الله" فنظر الغلام إلى أبيه. فقال له: أطع أبا القاسم. فقالها الغلام. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الحمد لله الذي أنقذه من النار" (رواه البخاري) ومن ذلك أن غلاماً لأنس بن مالك رضي الله عنه اسمه عُمَيءر، كان له نُغءر - وهو الطائر الصغير - يلعب به، فمات النَّغءرُ، فحزن عليه الصبي، فذهب إليه نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم يزوره ليواسيه ويمازحه، فقال له: "يا أبا عُمَيرء! ما فعل النُّغَيءرُ" (متفق عليه) وعن عبدالله بن شداد عن أبيه قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في إحدى صلاتي العشاء، وهو حامل حسناً أو حسيناً، فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعه ثم كبر للصلاة، فسجد بين ظهراني صلاته سجدة أطالها، فرفع شداد رأسه، فإذا الصبي على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة قال الناس: يا رسول الله! إنك سجدت بين ظهراني صلاتك سجدة أطلتها، حتى ظننا أنه قد حدث أمر، أو أنه يُوحى إليك. قال: "كل ذلك لم يكن، ولكن ابني ارتجلني، فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته" (رواه النسائي وصححه الألباني) ومن رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بالأطفال أنه كان يزور الأنصار، ويسلم على صبيانهم، ويمسح رؤوسهم (رواه النسائي وصححه الألباني) ومن رحمته صلى الله عليه وسلم بالصغار أنه كان يُؤتى بالصبيان فيُبرّكُ عليهم ويحنكهم (رواه مسلم) ومعنى يُبرّكُ عليهم: يمسحهم بيده الشريفة ويدعو لهم. وكان صلى الله عليه وسلم يصلي وهو حامل أمامة بنت زينب، فإذا سجد وضعها، وإذا قام حملها. فصلوات ربي وسلامه على هذا النبي الكريم الرحيم.

الرسول صلى الله عليه وسلم والاطفال


الرسول صلى الله عليه وسلم والاطفال إذا نظرنا للنبى صلى الله عليه و سلم فى طريقة تربيته لأولاده صلى الله عليه و سلم لرأينا العجب العجاب!!!!كيف استطاع النبى (ص) أن يبث العقيدة فى قلوب أبنائه وهم صغار حتى ترجمت هذه العقيدة نموذجاً حياً فى شخصيتهم منذ الصغر؟فهذه هي السيدة فاطمة ابنة النبى عليه الصلاة و السلام -وكانت صغيرة- حينما آذى المشركون رسول الله صلى الله عليه و سلم ووضعوا على ظهره و هو ساجد أمعاء البعير , ما استطاع أحد من الناس أن يزيل هذه الأمعاء أو يرفعها عن النبى صلى الله عليه و سلم , فأتت فاطمة رضى الله عنها و رفعت هذا الأذى عن أبيها ثم قالت " أتقتلون رجلاً أن يقول ربى الله " .هل يستطيع ولد من أولادنا أو بنت من بناتنا إذا كانوا فى هذا السن الصغير أن يتكلموا بمثل هذة الكلمة؟....بل و انظر إلى الجرأة.. كيف تستطيع أن تقف عند الكعبة و تخاطب أقوام غلاظ القلوب عندهم من القسوة ما بلغوا , و كانت البنت فى الجزيرة العربية تخشى مواقع الرجال , إلا أن الموقف شديد , فانطلقت بلا أدنى خوف و بلا ارتياب تقول " أتقتلون رجلاً أن يقول ربى الله " فهل نستطيع أن نربى أبناءنا هذة التربية التى رباها النبى صلى الله عليه و سلم لأبنائه؟؟؟فالنبى عليه الصلاة و السلام لم يكن يعامل أبنائه كما يفهم بعض الناس فى منهج التربية و التطبيق بالغلظة و الجفاء........... أبداً !!** فانظر إلى النبى صلى الله عليه و سلم مع فاطمة:كان النبى صلى الله عليه و سلم يرفع فاطمه رضى الله عنها و هى صغيرة إلى السماء ثم ينزلها إلى يده , ثم بفعل ذلك مرة أخرى ثم مرة أخرى , ثم يقول " ريحانة أشمُها و رِزقُها على ربها "النبى صلى الله عليه وسلم بهذا القدر و هذة المكانة و رغم انشغاله الشديد يصنع ذلك مع ابنته رضى الله عنها و أرضَاها !!!فانظر كيف كان النبى يربى أبنائه و هم صغارفهذا هو رسولنا !** وانظر إلى النبى صلى الله عليه و سلم مع الحسن و الحسين :فحينما كان الحسن و الحسين يلعبان فى بيت النبى عليه الصلاة و السلام كان النبى صلى الله عليه و سلم يُخرج لهما طرف لسانه ثم يدخله و يخرجه لهم ثم يدخله , فيأتى الحسن و الحسين بأفواههم الصغيرة فيُريدان أن يلتقما لسان النبى صلى الله عليه و سلم فيدخله النبى إلى فمه و يغلق أسنانه , فيضحكون , ثم يعود النبى فيخرج لهم طرف لسانه و هكذا ......., يداعبهم و يلاعبهم .فهل يستطيع أحد منا أن يتفهم كيف كان يصنع النبى صلى الله عليه و سلم ذلك؟فالنبى صلى الله عليه و سلم كان رحمة مع أولاده و للعالمين** وانظر إليه عليه الصلاة و السلام مع إحدى بناته :حيث كان ابن إحدى بنات النبي صلى الله عليه وسلم يحتضر و كان مع النبى وفود من العرب يدعوهم إلى الإسلام فأرسلت إليه " ابنتك تريدك" فانتظر النبي, فأرسلت مرة أخرى قالت " أقسم عليك يا أبت أن تأتنا " فقام النبى و ترك المجلس تلبية لرغبة ابنته,,,,,,, صلى الله على سيدنا محمد.** وانظر إليه عليه الصلاة و السلام مع ابنته زينب :حيث كانت زينب فى مكة و لم تستطع الهجرة لما هاجر النبى عليه الصلاة و السلام , و أحبت أن تهاجر معه لكن منعها أهل مكة لأنها كانت متزوجة برجل من قريش منعها من الهجرة مع رسول الله صلى الله عليه و سلم , ثم أُسر زوجها فى غزوة بدر , فأرسلت السيدة زينب عقد كان لأمها خديجة فعرفه النبى عليه الصلاة و السلام فلما رآه بكى و قال " هذا عقد خديجة رضى الله عنها " و أستأذن الصحابة أن يفكوا أسر زوج ابنته عليه الصلاة و السلام وأن يعيدوا إليها عقدها.كان النبى صلى الله عليه و سلم يحب أبنائهو كان يحسن معاملتهم رضى الله عنهمو حتى أن الأئمة رضى الله عنهم يحكوا لنا أمثلة عديدة و عجيبة من تصرفات النبى منها ** أن النبى صلى الله عليه و سلم كان يخطب يوما فوق المنبر يوم الجمعة و فى المسجد عدة آلاف من المسلمين رجالاً و غلماناً و نساءَ , فإذا بالحسن و الحسين يخرجان من حجرة من حجرات النبى فيتعثران فى أثواب لهما كبيرة عليهما , فيرى النبى هذا المنظر , فإذا به ينزل من على المنبر فيحتضنهما بين يديه صلى الله عليه وسلم و يصعد بهما المنبر , ثم يقول للناس " و الله ما أحسست إلا حينما حملتهما " ** و هذا موقف آخر له عليه الصلاة و السلام :كان النبى عليه الصلاة و السلام يصلى بالناس يوماً فأتت أمامة ابنة ابنته و زحفت حتى و صلت إلى مكان صلاة النبى, فماذا يفعل رسول الله؟؟ , هل يتركها تبكى؟؟ هل يتركها و يكمل صلاته؟؟ , لا بل حملها بين يديه!! حملها بين يديه وهو فى الصلاة إذا ركع و ضعها و إذا سجد و ضعها و إذا قام حملها بين يديه صلى الله عليه و سلم. أي حنون أنت يا رسول الله** ووصل هذا الحنان إلى أن النبي عليه الصلاة و السلام كان يركب أحفاده الحسن و الحسين على ظهره , فدخل رجلاً فقال " يا رسول الله نعم الدابة أنت " فقال الرسول " و نعم الفارسان ولدىَّ هذان "من يفعل ذلك؟؟أنها النبوة , النبوة الصادقةمن سيد البشر صلى الله عليه و سلم** ولما دخل رجل من أجلاف العرب و أصحاب الغلظة فى القلوب على النبى صلى الله عليه و سلم و هو يلاعب أحفاده و أبنائه الصغار ,فقال: " أتلاعبون أبنائكم إن لى عشرة من الولد ما لعبت واحدٍا منهم " فقال السول صلى الله عليه و سلم " أو أملك لك إن كان الله قد نزع الرحمة من قلبك " و لقد كان النبى صلى الله عليه و سلم يربى أبناءه على العقيدة الصحيحة و حسن الخلق والسمو الأخلاقي ** فها هو يدخل يوماً صلى الله عليه و سلم على حفيده الحسن بن علي ابن السيدة فاطمة رضى الله عنها فيجد في فمه تمرة , فيخلعها النبى عليه الصلاة و السلام من فمه , و يقول " إنها من الصدقة لا تحل لآل محمد ".لا يفهم هذا الصغير , كان بإستطاعة النبي أن يأتي بتمرة أخرى مما اشتراه من ماله أو مما أهدى له صلى الله عليه و سلم و يضعها بدلاً من هذه التمرة .و لكن لماذا لم يفعل الرسول هذا؟؟لأنه يربيه على حسن الفهم لهذا الدينفصلى الله على سيدنا محمد و على أله و صحبه أجمعين