
يا ليلَ أُمَّتِنا الطويلَ مَتَى نَرَى فَجْـرًا تُغرِّد فَوْقَهُ الأمْجَادُ
أَجْـدَادُنَا كَتَبُوا مَـآثِرَ عِزِّهَا فَمَحَـا مَآثِرَ عِزِّهَا الأَحْفَادُ
دَعْنَا نُسـافِرُ فِي دُرُوبِ إِبَائِنَا وَلَنَا مِنَ الْهِمَمِ الْعَظِيمَةِ زَادُ
1- معركة بدر كانت أول مراحل الكفاح الجدي الدامي الذي خاضه الإسلام ضد الشرك؛ حيث إنها أول معركة- على الإطلاق- يتقابل فيها المسلمون والمشركون ويقذفون فيها بكتائب لم يسبق لهم أن قذفوا بمثلها، منذ أن ظهرت دعوة الإسلام ونشبت الخصومة بينها وبين الكفر، ويُضاف لذلك أنها كانت المعركة الفاصلة الأولى والحاسمة في تاريخ الإسلام والمسلمين؛ لذا فهي تحمل من المفاهيم التربوية والعظات والعبر الكثير والكثير، ولكننا هنا نذكر القليل منها:
2- خف الرسول- صلى الله عليه وسلم- وخرج من المدينة في مائتي مقاتل لاعتراض قافلة قريش التي يقودها أبو سفيان- وذلك في غزوة العشيرة- ولكن القافلة تمكَّنت من الإفلات إلى الشام، فأرسل الرسول- صلى الله عليه وسلم- دوريةً تراقب وصول القافلة حتى مر بها أبو سفيان بن حرب عائدًا من الشام فأخبرت الرسول- صلى الله عليه وسلم- بذلك.. فهل ما فعله الرسول- صلى الله عليه وسلم- يعد ضربًا من قطع الطريق، وعملاً من أعمال السلب والنهب المجردة كما يزعم الحاقدون على الإسلام؟
مثل هذا التساؤل لا يخرج إلا من قلوبٍ حاقدة كارهة للإسلام والمسلمين يتحكم فيها الهوى والرغبة في التشويه.. أليس الذي أعلن الحرب بغيًا وعدوانًا على المدينة ومن بها من المسلمين هم أهل مكة وأصحاب هذه القافلة؟.. أليس أصحاب تلك القافلة هم الذين صادروا أموال المهاجرين واستولوا على ممتلكاتهم بغيًا وعدوانًا لا لشيء إلا أنهم آمنوا بالدين الجديد؟.. أليس من حق مَن أعلنت عليه الحرب وصودرت أمواله أن يقاتل من أعلنها ويستولي على كل ما تصل إليه يده من ممتلكاته؟. أليست المدينة في حالة حربٍ مع مكة؟، وقاعدة الحرب وقانونها في عرف جميع البشر يؤيد ويقر ويبارك الضربة العسكرية أو السياسية أو الاقتصادية القاصمة؟.
وأيضًا ما السبب الذي من أجله أخرج هؤلاء المؤمنون من ديارهم، أليس لأنهم خالفوا قومهم في اعتناق الوثنية وعبادة الآلهة الباطلة وعبدوا الله الواحد الأحد؟. إذًا فهم اضطهدوا من أجل العقيدة لا لشيء آخر كالتخريب أو الفساد، إذًا فمن حقهم البحث عن وسائل تحقق لهم حرية الاعتقاد السليم والصحيح، وإن أدَّى ذلك إلى قتال؛ لذلك كان من حقهم- المهاجرين- أن يطلبوا حقوقهم من قريش وأن يسعوا للحصول على أموالهم المنهوبة ولم يكن سبيل إلى ذلك إلا بالوقوف في طريق قوافل قريش.
ومن أجل كل هذا فما أراده النبي- صلى الله عليه وسلم- في الحصول على تلك القافلة، وهذه الثروة الهائلة يعد ضربةً عسكريةً وسياسيةً واقتصاديةً قاصمةً تنزل بأهل مكة وينتج عنها زيادة قوة المسلمين ورفع روحهم المعنوية.
فما كان المسلمون ليقطعوا الطريق على قافلة ولكنهم أرادوا أن يقطعوا الطريق على الكفر المستشري والشرك المتفشي وأرادوا بخروجهم هذا أن يقطعوا دابر هذا الكفر وأن ينالوا بعض ما أخذ منهم من أموال.
3- عندما سمع الرسول- صلى الله عليه وسلم- بدخول قافلة قريش إلى التراب الحجازي أصدر نداءه:- "هذه عير قريش فيها أموالهم فأخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها".. وقال- صلى الله عليه وسلم:- "من كان ظهره حاضرًا- أي جواده موجودًا- فليركب معنا".
من هذا النداء نرى أن استنفار الرسول- صلى الله عليه وسلم- للجيش الإسلامي لم يكن إجبارًا بل كان بمثابة الترغيب فقط، لذلك تخلَّف كثيرٌ من الصحابة عن هذا النداء، ولم ينكر الرسول- صلى الله عليه وسلم- على أحد من المتخلفين بل ولم يستحثه على الخروج بل ترك الأمر للرغبة الخاصة والاختيار المحض، وكان الأمر يخص المهاجرين أكثر من غيرهم؛ لأن الأنصار غير ملزمين بالخروج مع الرسول- صلى الله عليه وسلم- بناءً على بنود بيعة العقبة الثانية التي جاء فيها: "وعلى أن تنصروني إذا قدمت عليكم يثرب، وتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم" (أخرجه أحمد بإسناد حسن، وصححه الحاكم وابن حبان عن جابر).
ولكن الإيمان العميق بالإسلام ونصرته الموجود بقلوب الأنصار جعل الكثيرين منهم يسارعون بالاستجابة لدعوة الرسول- صلى الله عليه وسلم- حتى بلغ بهم الحماس للخروج أن الرجل منهم كان يساهم ابنه ليخرج منهما واحد ويبقى الآخر مثل ما حدث بين سعد بن خيثمة وابيه ليخرج هو للقتال، ويبقى الابن في البيت. فيقول سعد:- والله يا أبي لو كان غير الجنة لأثرتك به، إني لأرجو الشهادة في وجهي هذا. فلم يرض خيثمة إلا لأن يقترع بينه وبين سعد على الخروج، وخرج سهم سعد دون سهم أبيه.
هل الجنة تستحق كل هذا؟
نعم، وفيها يتنافس المتنافسون، فمَن تنافس في أمرها ارتفعت رُوحه، ومَن تنافس في غيرها انحطَّ وخسر، وهي التي دندن حولها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم؛ لذا فهي مناط العمل، ومكان رضا الرحمن، فمن أجلها تذرف الدموع، وتراق الدماء، والعاقل مَن سلك الطريق المؤدي لها، والعاجز مَن تمناها وقصر في العمل، وأضمن طريق للجنة هو الجهاد، وللمجاهد فيها درجات، فعن أبي هريرة- رضي الله عنه- عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض" رواه البخاري، والجنة ليست علو مكانة ورفع منزلة فحسب بل نعيم دائم وسعادة مطلقة. وأفضل عطاء لأهل الجنة هو قول النبي- صلى الله عليه وسلم-: "إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول الله- عزَّ وجل- تريدون شيئًا أزيدكم، فيقولون ألم تبيض وجوهنا، ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار، قال فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم، ثم تلا هذه الآية- ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (رواه مسلم عن صهيب رضي الله عنه).. إنها الجنة، دار كرامة الرحمن فهل من مشمرٍ لها؟
فاحذر أن تقدم على جنةٍ عرضها السماوات والأرض وليس لك فيها موضع قدم، وكن كسعد بن خيثمة- رضي الله عنه- وقل للدنيا كلها: "إنها الجنة".
4- تجمع من الجيش الإسلامي بالبقيع ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً منهم مائتان وواحد وثلاثون من الأنصار، أما المهاجرون فقد كانوا ستة وثمانين رجلاً.. وتجمَّع للجيش الإسلامي سبعون بعيرًا وفرسان (واحد مع المقداد بن الأسود، والثاني مع الزبير بن العوام)، وجاءت لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- أم ورقة بنت نوفل فقالت:- يا رسول الله، أأذن لي في الغزو معك، امرض مرضاكم لعل الله يرزقني الشهادة. فقال لها- صلى الله عليه وسلم:- "قري في بيتك فإن الله يرزقك الشهادة"
* حضور أم ورقة بنت نوفل- رضي الله عنها- للنبي- صلى الله عليه وسلم- ليأذن لها في الغزو معه دليل قوي يبين لنا أن للمرأة المسلمة منذ اللحظة الأولى دورًا بارزًا في حمل دعوة الإسلام والذود عنه في أعلى درجاته وهو الغزو في سبيل الله؛ لذا كانت النساء المسلمات يخرجن في عهد النبوة والراشدين مع الجيش الذاهب للقتال، فقد ورد في صحيح البخاري (عن الربيع بنت معوذ- رضي الله عنها- قالت: كنا نغزو مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لنسقي القوم ونخدمهم ونرد القتلى والجرحى إلى المدينة)، والأمثلة على اشتراك المرأة في الجيوش الذاهبة للقتال كثيرة؛ حيث كان دورها الأكبر هو خدمة المقاتلين من حفظ للمتاع، وإعداد للطعام، وتقديم للشراب، وإسعاف للجرحى، ومداواة للمرضى، ونقل للجثث من منطقة العمليات وغير ذلك من الأمور التي تتناسب مع طبيعتها، وكان لها أيضًا دور احتياطي وهو حمل السلاح وممارسة القتال؛ حينما يصبح القتال فرض عين عليهن، وذلك للدفاع عن أنفسهن كما جاء في صحيح مسلم، عن أنس- رضي الله عنه- أن أم سليم- رضي الله عنها- اتخذت يوم حنين خنجرًا فكان معها، فرأها أبو طلحة فقال: يا رسول الله هذه أم سليم معها خنجر! فقال لها رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "ما هذا الخنجر؟". قالت: اتخذته إن دنا مني أحد من المشركين بقرت بطنه، فجعل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يضحك.. أو للدفاع عن النبي- صلى الله عليه وسلم- أو الدفاع عن الوطن وقيادة المسلمين إذا تتطلب الأمر ذلك، وقد تجلَّى في دفاع نسيبه بنت كعب (أم عمارة الأنصارية) رضي الله عنها يوم أحد.
5- حينما فصل الرسول- صلى الله عليه وسلم- عن المدينة أمر بإحصاء عدد المسلمين فلما أخبر أن العدد بضعة عشر وثلاثمائة حمد الله وقال: "عدة أصحاب طالوت". وتفقد أفرادًا، فرد مَن استصغر منهم، وكان ممن ردهم أسامة بن زيد، ورافع بن خديج، وغيرهم، ورد عمير بن أبي وقاص فبكى عمير فأجازه النبي- صلى الله عليه وسلم- (كان عمير وهو ابن ست عشرة سنة يتوارى بين أفراد الجيش حتى لا يراه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال له أخوه سعد بن أبي وقاص:- مالك يا أخي؟. قال: أني أخاف أن يراني رسول الله فيستصغرني، ويردني وأنا أحب الخروج لعل الله أن يرزقني الشهادة، فكان سعد يقول: "كنت أعقد له حمائل سيفه". فأصبح عدد الجيش خمسة وثلاثمائة رجل من المهاجرين، أربعة وستون رجلاً والباقون من الأنصار.
من المعلوم أن الصبيان الصغار الذين لم يبلغوا الحلم، عادةً ما يخافون من الدماء، ويفزعون من سماع القتال والقتل فما بالنا نراهم هنا؟. فخروج أسامة بن زيد وعبد الله بن عمر وغيرهم مع الجيش بالرغم من صغر سنهم يدل على رغبتهم في المشاركة في أعمال الجهاد التي يقوم بها الرجال المسلمون. ومعنى ذلك أنهم لقيا تربيةً إسلاميةً حببت إليهم الجهاد بحيث إنهم صاروا يتطلعون إليه وهو درس للأمة الإسلامية وبخاصة الدعاة منها أن يولوا الكثير من عنايتهم وما يرشدون إليه الناس في تربية الأولاد- أولاد المسلمين عامة، وأولاد الدعاة خاصة- تربيةً إسلاميةً تحبب إليهم أعمال الجهاد بجميع صوره وأنواعه.. فمن المؤسف في هذا العصر أنك تجد انفصامًا كبيرًا بين بعض الدعاة وما يدعون إليه الناس من الجهاد ومكارم الأخلاق وما يفعله أبناء هؤلاء الدعاة من منكراتٍ أو تقاعسٍ عن الجهاد ونصرة الحق؛ حتى إن بعضهم إذا أراد ابنه أن يشارك في نصرة الحق منعه أبوه بحجة الخوف عليه!!!
* إرجاع النبي- صلى الله عليه وسلم- لهؤلاء الأبناء مع رغبتهم الشديدة في الجهاد درسٌ مهمٌ ودليلٌ قويٌ على أن الرغبة وحدها- في الجهاد وفي أي عملٍ من أعمال البر ومنها ما يتعلق بالدعوة- لا تكفي لأن يستجيب القائد إلى طلبات الراغبين في المشاركة في أي نوعٍ من الأنواع السابقة (الجهاد، الدعوة، أعمال البر)، بل لا بد من تحقق القدرة في أداء ما يرغب عمله، والقدرة على العمل المرغوب فيه لا تقف عند حد القدرة البدنية فقط، وإنما تشمل القدرة على كل ما هو لازم وضروري لإنجاز العمل المرغوب فيه. فعلى القيادة في جميع المستويات ملاحظة ذلك جيدًا، ولا تضع خططها على أساس رغبات أتباعها فقط دون التأكد من قدرتهم على تنفيذ ما يرغبون فيه، سواء أكانت القدرة المطلوبة قدرة مادية كالقدرة البدنية أو معنوية وأعلاها القدرة الإيمانية التي تهون على صاحبها الصعاب التي يلقاها، وما يتطلبه تنفيذ العمل المرغوب فيه.
6- وفي الطريق إلى بدر أتى حذيفة بن اليمان وأبوه إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وقالا له إنهما عند خروجهما من مكة أخذت قريش عليهما عهدًا من الله وميثاقه ليصيرن إلى المدينة ولا يقاتلان مع محمد. فقالا: يا رسول الله فما ترى؟.. فقال- صلى الله عليه وسلم-: "نستعين الله عليهم"، ونفي بعهدهم". فانطلق حذيفة وأبوه إلى المدينة ولم يذهبا مع الرسول- صلى الله عليه وسلم- إلى بدر.
* هكذا يعلم الرسول- صلى الله عليه وسلم- أفراد الفئة المؤمنة وقادتها أهمية الوفاء بالعهد، فالوفاء بالعهد وإن ظهر في بعض صوره مجحفًا بالمسلمين، مفوتًا لهم بعض الفرص السانحة فإنه بركة في جهدهم المبذول وإن قل. كما أن الوفاء بالعهد تطبيق لمكارم الأخلاق العالية؛ حيث يرسم للفئة المؤمنة صورة صادقة مشرقة أمام الناس فيكون ذلك سببًا في تقوية الدعوة الإسلامية؛ وذلك في جذب الناس إلى الدخول إلى الإسلام والحرص على تطبيق تعاليمه، وفوق كل هذا فهو طاعة لربهم الذي قال لهم: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً﴾ (الإسراء: من الآية 34)، مع العلم أن هذا يترك للقيادة تقدره حيث هي أدرى باحتياجات المرحلة؛ لأنه لا يجب أن يتعلل الأفراد بترك الجهاد مع الإمام ونائبه وفاءً للعهد.. فالرسول- صلى الله عليه وسلم- والله أعلم- أراد أن لا يشيع عن أصحابه نقض العهد في تلك المرحلة- وإن كان لا يلزمه ذلك- لأن المشيع عليهم لا يذكر تأويلاً.
7- لما سار الرسول- صلى الله عليه وسلم- نحو بدر صام يومًا أو يومين ثم أمرهم أن يفطروا ولا يصوموا، ولكن بعضهم تحرَّج فلم يستجب للأمر، فلما علم بذلك الرسول- صلى الله عليه وسلم- نادى مناديه بقوله- صلى الله عليه وسلم-: "يا معشر العصاة، إني مفطرٌ فأفطروا".
* هنا يضع الرسول- صلى الله عليه وسلم- قاعدة صلتنا بالدين، وهي عدم الغلو والتنطع في الأخذ بالدين، فالغلو أو الإفراط وكذلك التهاون أو التفريط من سجايا النفس في تناولها للأشياء، ولا سيما ما يتصل بموضوع القلوب والاعتقادات، وخطة الإسلام في كلِّ أموره العملية والنفسية خطة القصد والتوسط؛ لذلك جعل مقابل عزائمه رخصة التي تيسر على المسلم تناول شئون الدين، وحبب إلى المسلمين الأخذ بها كحبه لأخذهم بالعزائم.
ومن ثم كان نداء الرسول- صلى الله عليه وسلم- على المتشددين الذين تحرجوا من الرخصة- رخصة الفطر في نهار رمضان- بقوله: "يا معشر العصاة، إني مفطر".. فمَن الذي يرغب بنفسه عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم؟
8- نقلت عيون أبو سفيان إليه أيضًا أن محمدًا قد استنفر أصحابه للقافلة، وأنهم قد غادروا المدينة للإيقاع بها، هنا قرر أبو سفيان إبلاغ قادة قريش في مكة فكلف ضمضم بن عمرو الغفاري بتلك المهمة ولم ينتظر أبو سفيان نجدة قريش له بل ظل يواصل سيره نحو مكة، في حذرٍ وتيقظٍ وكاد أبو سفيان أن يقع في قبضة الجيش الإسلامي عندما اقترب من بدر لولا أن أسعفه القدر حينما تناول بعيرات البعيرين وعند فحصها وجد فيها نوى يثرب فقال: "والله علائف يثرب". وتأكد بذلك أن محمدًا وجيشه قريبٌ من هنا.
* استفاد أبو سفيان من بعر البعير بمعلومةٍ غيَّرت مجرى الأحداث كاملة؛ حيث استطاع أن يعرف تحركات عدوه حتى خبر السرية الاستطلاعية عن طريق غذاء دوابها بفحصه البعر الذي خلَّفته الإبل، إذ عرف أن الراكبين من المدينة أي من المسلمين، وبالتالي فقافلته في خطر؛ لذلك ينبغي على القائد الناجح أو من كُلِّف بمهمةٍ أن يخفي على عدوه كل شيء يمكن أن يستفيد منه في استخلاص المعلومات، وقد يبدو أحيانًا أن هذا الشيء تافه إلا أنه ينبغي ألا يتهاون فيه، فمثلاً كمية الغذاء اليومي المستهلكة تحدد عدد السكان، وكمية الوقود تحدد عدد السيارات ونوعها، وهكذا وما ضاعت الخلافة ولا تفككت الأمة ولا تقاتلت الدول الإسلامية والعربية إلا حينما اخترقت من عدوها وتسربت أسرارها فعلم العدو كيف يُوقع بينهم العداوة والبغضاء.
9- تحرك قادة مكة بسرعة لتجهيز جيش قوي لإنقاذ العير.. وتجهز الناس وشغل بعضهم بعضًا، حتى ضم جيش المشركين جميع زعماء قريش وقادتها ما عدا صفوان بن أمية، وأبي لهب الذي بعث عنه بديلاً وهو العاص بن هشام بن المغيرة بدينٍ عليه.
* ما فعله أبو لهب بإرسال العاص بن هشام بن المغيرة مكانه في الجيش مقابل أن يسقط الدين الذي على العاص يدل على أن بعض الرجال في كل العصور- حتى في الجاهلية المتعصبة- يجودون بالمال ولكنهم يضنون بالنفس، ويصعب عليهم الجود بها؛ لأن ضياع المال يمكن تعويضه أما ضياع النفس فهو الفناء؛ لذلك ربى الإسلام المسلمَ الصادق على أن يبذل في سبيل الله كل شيء، يجود بالمال وبالنفس معًا، ولا يبخل بجانبٍ من جوانب الحياة، ما دام يصل بهذا البذل إلى حياةٍ أخرى هي النعيم الدائم والاستقرار الخالد والطمأنينة الأبدية، والسبب في ذلك أن الدعوة التي يؤمنون بها لكي تحقق أهدافها وغايتها لا بد من أن تخوض معارك في كل الميادين؛ لذا نادهم ربهم بالنداء المحبب إلى النفوس وهو تاج الرؤوس: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (11)﴾ (الصف)، والمسلمون نجحوا في بذل المال يوم المؤاخاة يوم الهجرة، فكان لا بد من أن يخوضوا تجربةً في البذل بالنفس فكانت الغزوات.
جيش العدو
10- جهَّزت قريش الجيش بسرعةٍ فكان جيشًا ضخمًا بلغ تعداده حوالي ألف وثلاثمائة مقاتل، معهم مائة فرس وستمائة درع وعدد كبير من الإبل حوالي سبعمائة، وبينما جيش المشركين بالجحفة إذ جاءتهم رسالة أبي سفيان بن حرب، طالبًا منهم الرجوع، ولكنَّ أبا جهل قال في كبرياءٍ وغطرسة: "والله، لا نرجع حتى نرد بدرًا، فنقيم بها ثلاثًا فننحر الجزور ونطعم الطعام ونُسقَى الخمر وتعزف لنا القيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرتنا وجمعنا، ويرانا مَن غشينا من أهل الحجاز، فإنه لن يرانا أحدٌ من العرب وما جمعنا فيقاتلنا بعد".
* كان من الممكن أن يرتد هذان الجيشان دون قتال، ولكن عدواة أبي جهل للإسلام قديمة ومترسبة في أعماقه ورثها عن عمه الوليد، فمن الضروري أن يحرس هذه المخلفات الجاهلية (هبل واللات والعزى)، ويحرس معها أمواله وأموال قريش ويُفرِّغ حقده وكرهه لمحمد بالقضاء- كما يظن- على محمد وأصحابه الذين جثموا في الطريق يهددون التجارة الهابطة والصاعدة، لذلك لم ينصت لنصح الناصحين.
11- بلغ المسلمين خبر نجاة أبي سفيان بالقافلة، وبلغ الخبر الأهم وهو خروج جيش المشركين الضخم من مكة وزحفه نحو بدر، لهذا اهتمَّ الرسول- صلى الله عليه وسلم- بتلك التطورات الخطيرة المفاجئة غاية الاهتمام، وبالرغم من أنه الرسول المرسل من عند الله، وبالرغم من أنه القائد الأعلى للجيش الذي لن يخالف أحد أمره، إلا أنه- صلى الله عليه وسلم- لم ينفرد بالقول الفاصل ولم ينفرد بالرأي بل أسرع- صلى الله عليه وسلم- وعقد مجلسًا استشاريًّا عسكريًّا لتبادل الرأي مع قادة الجيش ليعرف وجهات نظرهم حيال هذا الموقف الخطير؛ وذلك بعد خروج الجيش من وادي الذفران قرب بدر.
قال الرسول- صلى الله عليه وسلم- لمجلسه العسكري: "إن القوم قد خرجوا إليكم من مكة على كل صعب وذلول مسرعين، أيها الناس إن الله وعدني إحدى الطائفتين أنها لكم، إما العير وإما النفير بالغلبة عليهم، فما تقولون؟، العير أحب إليكم من النفير؟". فقال بعضهم: يا رسول الله عليك بالعير ودع العدو. وقال البعض: هلا ذكرت لنا العدو فنتأهب له؟. فتغيَّر وجه الرسول- صلى الله عليه وسلم- فلما رأى أبو بكر الصديق ذلك، قام فتكلم وأحسن، ثم قام عمر بن الخطاب قام فتكلَّم وأحسن. ثم قام بالمقداد بن الأسود خطيبًا في المجلس قائلاً: يا رسول الله أمضِ لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون وعلَّق الرسول- صلى الله عليه وسلم- على مقولة المقداد قائلاً: "خيرًا". ودعا له بخير، وفتحت الكلمة الطريق أمام الناس ليقولوا قولته ويصولوا صولته. لذلك قال عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- عن موقف المقداد: شهدت من المقداد بن الأسود مشهدًا، لأن أكون صاحبه أحب إلى مما عدل به.
* هكذا تحتاج الدعوات في المواقف الصعبة المفاجئة أصحاب العزائم القوية والآراء السديدة التي تنبع مما آمن به في وقت السلم والراحة، فرجل الدعوة يتربَّى سنوات طوالاً من أجل الثبات في تلك اللحظات الحرجة التي تعد فاصلاً قويًّا في حياة دعوته وما آمن به، فلا يعقل أن ينادي إلى الجهاد ورفع راية الإسلام وحب الشهادة والتغني بأن الموت في سيبل الله أسمى أمانيه ثم إذا بدا له شعاع مما نادى به أو تغنى به إذا هو أول المترددين المتعللين الذين يبحثون عن كافة الأعذار والمبررات التي تدفع للركون أو الهروب أو التأخر (نسأل الله الثبات عند المحن والابتلاء).
كما أن قول المقداد (والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى...)، دلالة على معدن الصحابة ومعدن مَن كان مع موسى، فالجيل الذي كان مع موسى، على كثرتهم تمردوا على أمر الله لهم حينما أمرهم بالدخول إلى الأرض المقدسة فلم ينظروا من الأمر، ولكن نظروا مَن سيلقون فقالوا متعللين متحججين خائفين:﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾، ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ (المائدة: من الآيتين 22، 24).
أما جيل الصحابة على قلتهم فكانوا صبرًا عند الحرب وصدقًا عند اللقاء، ولكن للأسف الشديد في أيامنا هذه تنقلب الصورة ويتغير الوضع ويتبدل الحال فإذا بذراري الجبناء- اليهود- الذين تمردوا على أوامر ربهم وعصوا نبيهم وخافوا من عدوهم يعتدون على الحرمات وكأنهم أبناء أسود، ويحتلون المقدسات وكأنهم جبارون ويسفكون الدماء وكأنهم عطشى، ويستولون على بلاد المسلمين بالقوة ويلوحون بقوتهم في كل مكان.
وفي نفس الوقت واللحظة نجد مَن ينتسب لهذه الأمة ويعد من أبناء خير سلف يعتذر عن استخدام القوة ويشجبها عمليًّا كطريق لاستعادة حقه وتأديب عدوه بل وإن تلفظ يومًا بكلمة (جهاد) سارع بتكذيبها وحط من قدرها وحجم مفهومها، وصحح ما اقترفه من ذنبٍ عظيمٍ وخطأ فادح فيعلن أنه يقصد جهاد النفس لا جهاد القتال والحرب؛ حيث إنه من دعاة السلم والسلام، فتجده يجري وراء الحل السلمي لهثًا ولسان حاله يقول ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ (المائدة: من الآية 22). أما آن لهذا الجيل أن ينقرض ويخرج جيل ينتسب إلى أولئك الأعلام الليوث قولاً وعملاً.
12- الملاحظ أن كل المتحدثين من المهاجرين وهم أقلية في الجيش وقد عرف الرسول- صلى الله عليه وسلم- رأيهم، ولكنه لم يعرف بعد حقيقة موقف الأنصار الذين سيدور ثقل المعركة على كواهلهم؛ حيث إنهم أكثرية الجيش.. فقال صلى الله عليه وسلم: "أشيروا عليَّ أيها الناس". فنهض سعد بن معاذ فقال: لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "أجل". فقال سعد مخاطبًا الرسول- صلى الله عليه وسلم-: قد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامضِ يا رسول الله لما أردت، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر لخضناه معك ما تخلَّف منا رجلٌ واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا، وإننا لصبرٌ في الحرب صدقٌ في اللقاء، فاظعن حيث شئت، فصل حبال مَن شئت، واقطع حبال مَن شئت، وعادِ مَن شئت، وسالم مَن شئت، وخذ من أموالنا ما شئت وأعطنا ما شئت، وما أخذت منا أحب إلينا مما تركت، وما أمرت به من أمرٍ فأمرنا تبع لأمرك، ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله ونحن معك.
* نجاة العير وقرب النفير تلك الأخبار جعلت الموقف بالنسبة للجيش الإسلامي امتحانًا مباغتًا، فقد خرجوا من أجل الاستيلاء على قافلةٍ لا يزيد عدد حراسها على أربعين مقاتلاً، وهو أمرٌ لا يحتاج إلى أكثر مما قام به الجيش من استعدادات، ولكن أفلت الأربعون ونجوا بقافلتهم وأصبح الجيش الإسلامي أمام جيشٍ قوي كبير تقوده الخيلاء وتدفعه الكبرياء والتحدي، به صناديد مكة وفرسانها.. وهكذا على مرِّ العصور تواجه الجماعة المسلمة مثل هذا الموقف وهي في طريق دعوتها سواء في السلم أو في الحرب، فهي تخطط وتدرس وتستشير وتحدد نطاق العمل ومتطلباته المادية والبشرية، وفي بداية انطلاقها ينقلب الموقف فأعداء الدعوة وأعوانهم يفاجئونهم بما لا يتوقعون من شجاعةٍ على محاربة الله وإعلان التمرد على كل قيم وتضليل لمَن حولهم، ومواجهة أفراد الجماعة المسلمة بكل قسوةٍ وبلا رحمةٍ أو هوادة، هنا فعلى الجماعة المسلمة أن تتذكر قول سعد بن معاذ: "قد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامضِ فصل حبال مَن شئت واقطع حبال مَن شئت، وعاد وسالم مَن شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركت...).
* سعد بن معاذ الأوسي بكلمته نقل البيعة مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى كل مكانٍ في الأرض خارج المدينة، وأكد على حرب الأحمر والأصفر والأسود وغيرهم من الناس (وصل حبال مَن شئت، واقطع حبال مَن شئت)، وأكد بكلمته أن البيعة ليست بيعة مغنم ويعود عليهم متاع دنيوي، ولكنها بيعة للمغرم وعن حب (وخذ من أموالنا ما شئت، وما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركت)، وأكد أن قوله هذا ليس اندفاعًا ولا كبرًا ولا غرورًا ولكنه كلام أبناء الحرب الذين اصطلوا بنارها وخاضوا غمراتها وليس يوم بعاث (الحرب بين الأوس والخزرج التي استمرت سنوات طوالاً)، عنهم ببعيد ولكن الفرق هائل وشاسع، كانوا هناك يذبحون بعضهم بعضا ويكاد يفني أولهم آخرهم، أما اليوم وهم بين سيدهم وحبيبهم وقائدهم محمد- صلى الله عليه وسلم- صبرٌ في الحرب صدقٌ عند اللقاء.
ولكن ما الذي دفع سعد بن معاذ إلى هذا القول؟ وما الذي جعل الأنصار يقرون ما قال سعد؟. إنه مطلع قول سعد بن معاذ "قد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة".. فهذا هو العهد الذي أخذه كل مسلم مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حيًّا وميتًا، ولو أدركت الفئة المؤمنة حقيقة هذا العهد- كما أدركته الأنصار- وما يتطلبه لعلموا أن قول سعد بن معاذ حدد العلاقة الحقيقية بين أفراد الفئة المؤمنة وبين قائدهم الأول محمد- صلى الله عليه وسلم- ومَن ينوب عنه بعد ذلك. والنبي- صلى الله عليه وسلم- أصرَّ على رأي الأنصار حتى لا يترك الأمر فيه احتمالات أو غموض أو التباس، فطالما أخذ رأيهم وذكروا تأييدهم فهم أشد تمسكًا بالأمر والتزامًا به.
13- أخذ النبي- صلى الله عليه وسلم- بعض أصحابه وقام بعملية استكشاف بنفسه لمعرفة أخبار جيش المشركين، وبينما كان يتجول إذا به يقف على شيخ من العرب يسمى (سفيان الضمري) فاحتاط الرسول- صلى الله عليه وسلم- حتى لا يشتبه فيه أو يظنه من جيش المسلمين فسأله عن جيش المشركين وجيش المسلمين معًا فقال لهما الشيخ: لا أخبركما حتى تخبراني ممن أنتما؟. فقال الرسول- صلى الله عليه وسلم-: "إذا أخبرتنا أخبرناك". قال الشيخ: أو ذاك بذاك.. قال صلى الله عليه وسلم: "نعم". فقال:- فإنه بلغني أن محمدًا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا، فإن صدق الذي أخبرني فهم اليوم بمكان كذا وكذا- وحدد المكان الذي به جيش المسلمين-، وأنه بلغني أن قريشًا خرجت يوم كذا وكذا، فإن كان الذي أخبرني صدقني فهم اليوم بمكان كذا وكذا- المكان الذي به جيش قريش-.
ولما فرغ من خبره قال: ممن أنتما؟. فقال- صلى الله عليه وسلم- وهو ينصرف: "نحن من ماء". فقال الشيخ: من ماء، أمن ماء العراق. ولكن الرسول- صلى الله عليه وسلم- قد انصرف دون أن يعلم الشيخ مَن هو. والرسول- صلى الله عليه وسلم- قصد من الجنس الذي خُلق من ماء إشارةً إلى قوله تعالى ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ (الأنبياء: من الآية 30).
* أولاً قد تحلَّى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بصفة الكتمان في عامة غزواته، فعن كعب بن مالك رضي الله عنه قال: "ولم يكن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يريد غزوة إلا ورى بغيرها" رواه البخاري- وقد ظهر في هذه الغزوة هذا الخلق الكريم في الآتي:
1- سؤاله- صلى الله عليه وسلم- للشيخ الذي لقيه عن محمد وجيشه وعن قريش وجيشها.
2- تورية الرسول- صلى الله عليه وسلم- في إجابته عن سؤال الشيخ: ممن أنتما؟ بقوله- صلى الله عليه وسلم-: "نحن من ماء" وهو جواب يقتضيه المقام حيث أراد الرسول- صلى الله عليه وسلم- كتمان أخبار جيش المسلمين عن قريش.
3- وفي انصرافه- صلى الله عليه وسلم- فور استجوابه كتمان- أيضًا- وهو دليل على ما يتمتع به رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من الحكمة، فلو أنه أجاب هذا الشيخ ثم وقف عنده لكان هذا سببًا في طلب الشيخ المقصود من قوله- صلى الله عليه وسلم- (من ماء).
* ثانيًا هذا تشريع حربي شرعه الرسول- صلى الله عليه وسلم- يجوز أو يجب بموجبه الحصول على أخبار العدو بأية وسيله حتى ولو أدَّى إلى التمويه ما دام في ذلك مصلحة المسلمين وسلامتهم. فالتورية مع العدو والظلمة الذين يحاربون الإسلام وانتشاره وتمكينه في الأرض مشروعة بل مستحبة وأحيانًا تكون واجبة إذا أدَّت إلى إنقاذ نفس أو دفع ظلم عن المسلمين، بل الإسلام ذهب إلى أبعد من هذا فأباح للمسلم أن يوري في يمينه إذا طلب اليمين منه عدو أو ظالم وخشى على نفسه ظلمًا أو هلاكًا أو هلاك غيره من المسلمين أو تعذيبهم أو سجنهم فقد روى أبو داود في سننه عن سويد بن حنظلة قال: خرجنا نريد رسول الله ومعنا وائل بن حجر فأخذه عدو له، فتحرَّج القوم أن يحلفوا وحلفت أنه أخي، فخلى سبيله، فأتينا الرسول- صلى الله عليه وسلم- فأخبرته أن القوم تحرَّجوا أن يحلفوا وحلفت أنه أخي. فقال الرسول- صلى الله عليه وسلم-: "صدقت، المسلم أخو المسلم". وفي رواية لابن ماجة قال الرسول- صلى الله عليه وسلم-: "أنت كنت أبرهم وأصدقهم، صدقت، المسلم أخو المسلم"؛ لذلك فالظلمة والأعداء يعرفون أثر اليمين على نفس المسلم فيطلبون منه أن يقسم بالله تعالى بأن يجيبهم بالحق والصدق عن أسرار وأسماء المسلمين وعوراتهم فليستجب ويقسم ويواري في قسمه ولا شيء عليه بل هو مأجور بنيته الصالحة- إن شاء الله- وهي المحافظة على أعراض المسلمين وأسرارهم ودمائهم.
وقد روى مسلم في صحيحه وأحمد في مسنده عن أم كلثوم- رضي الله عنها- قالت: لم أسمع النبي- صلى الله عليه وسلم- يرخص في شيء من الكذب مما يقول الناس إلا في الحرب والإصلاح بين الناس وحديث الرجل لامرأته وحديث المرأة لزوجها. فالعلاقة بين الفئة المؤمنة وأعداء الله من اليهود والنصارى وأذنابهم من المسلمين علاقة حرب يريدون من خلالها رد الفئة المؤمنة عن دينهم إن استطاعوا لذلك سبيلاً؛ لذا فليعلم المسلم أن من أهم العوامل في إحراز النصر هو كتمان السر وإيهام العدو بغير ما يتوقع حدوثه عن قرب أو عن بعد، وقد كان الكتمان والتعمية على العدو من شأن النبي- صلى الله عليه وسلم- في الحروب وهو- صلى الله عليه وسلم- المعلم الذي وضع للمسلمين دستور الحرب وقواعده وفنونه كلها بما يتفق مع روح الإسلام وضرورة كل عصر، وقد روى أبو داود قول النبي- صلى الله عليه وسلم-: "والحرب خدعة".
14- رجع الرسول- صلى الله عليه وسلم- بعد معرفة مكان جيش قريش إلى مقر قيادته في الجيش، وفي المساء تم أسر غلامين تابعين لجيش المشركين يستقيان فاقتادوهما إلى مقر الجيش الإسلامي فوجدوا الرسول- صلى الله عليه وسلم- يصلي، فجعل الصحابة يسألونهما: لمَن أنتما؟. فيقولان: نحن سقاة لقريش بعثونا نسقيهم الماء. فارتاب القوم في كلامهما وظنوا أنهما يكذبان في كلامهما فضربوهما فلما اشتد الضرب عليهما قالا:- نحن لأبي سفيان. فتركوهما.
ولما فرغ الرسول- صلى الله عليه وسلم- من صلاته قال: "إذا صدقاكم ضربتموهما، وإذا كذباكم تركتموهما، صدقا والله إنهما لقريش". ثم قال للغلامين: "أين مكان الجيش؟". قالا:- هم وراء هذا الكثيب- الكثيب هو الرمل المستطيل المحدوب- فقال: "كم القوم؟"، قالا: كثير. فقال: "ما عددهم؟". قالا: لا نعرف. فقال: "كم ينحرون كل يوم؟"- أي من الإبل-. قالا: يومًا تسعًا ويومًا عشرًا. فقال- صلى الله عليه وسلم- لأصحابه: القوم فيما بين التسعمائة والألف ثم سأل الغلامين عمَّن في الجيش من أشراف مكة وقادتها، فقال صلى الله عليه وسلم: "فمن فيهم من أشراف قريش"، فقالا: عتبة بن ربيعة، وأخوه شيبة بن ربيعة، وأبو البحتري بن هشام- وذكروا كثيرًا من قريش-. التفت النبي- صلى الله عليه وسلم- بعد إخبار الغلامين بأسمائهم إلى أصحابه فقال: "هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها".
* الحوار الذي دار بين الرسول- صلى الله عليه وسلم- والأسيرين على مسمعٍ من الصحابة، وما قاله الرسول- صلى الله عليه وسلم- لأصحابه حيث علموا كل جوانب الموقف وأبعاده ولم يخف عليهم شيئًا درس مهم للقادة، حيث القيادة الرشيدة هي التي تبصر شعبها بالحقائق وحجم التحدي الذي تواجهه وشدة الخطر الذي يتهددهم، ثم تتخذ في الوقت نفسه من التدابير ما يمكنها من مواجهة الخطر بثبات واقتدار، ومن الوسائل ما يمكنها من التغلب على تفوق العدو أو بتجريده من فاعليته.. فمن الخطأ الفاحش الذي يقع فيه القادة الذين يخفون الحقائق في مثل هذه المواقف عن رجالهم، فلا يعلنون شيئًا عن تفوق العدو بحجة الخشية من هبوط الروح المعنوية ويستخدمون الكذب وسيلةً لهم بإظهار قوة لهم غير حقيقة- علمًا بأن العدو يعلم كذبهم والشعب يظن صدقهم- دون استعداد بأنهم سيرمون العدو ومَنَ وراءه في البحر وهم لا يدركون أن هذه السياسة الإعلامية القاصرة المضللة لن تغير من الواقع شيئًا وسوف تكون وبالاً عليهم عند خوض المعركة فينكشف المستور ويكون وقع المفاجأة شديدًا لا يمكن تلافيه وما حدث عام 1967م ليس ببعيد، والقائد الذي استخدم وسيلة الكذب على شعبه كطريق سهل لتمجيده نجده حتى في المعاهدات- التي له مطلق الحرية في التفاوض فيها وقبول ورفض ما يشاء وما يفيد شعبه وأمته- قد يبيع شعبه أو أمته ثم يخفي ذلك ويتغنى بإنجازاته.
ثم انظر كيف استخلص الرسول- صلى الله عليه وسلم- من هذا الجواب- يومًا تسعًا ويومًا عشرًا- عدد القوم، فالمائة منهم يكفيهم جمل ينحرونه كل يوم، فسؤال الرسول- صلى الله عليه وسلم- عما يذبح يبدو لغير المتأمل لا يترتب عليه شيء ذو بال ولكنه سؤال له ما بعده. وهذا درس من دروس الحرب لا يستوعبه إلا خيار القادة من أهل الحرب والسياسة. فعلى القادة والمسئولين الاستدلال بالقرائن (الجمل يكفي مائة تقريبًا) على ما يريدون معرفته من الأمور، وأن لا يتحرجوا من الأخذ بها بحجة أن القرائن لا تعطينا يقينًا وإنما ظنًّا، وإن الظن لا يغني من الحق شيئًا؛ لأن غلبة الظن تنزل في المعاملات منزلة اليقين، والقرائن تعطينا غلبة الظن وهذا يكفي، كما أن الأخذ بالقرائن محمولٌ على الأخذ بالاحتياط وبالحذر، وهما من الأمور المشروعة فمثلاً أعطى الله سبحانه وتعالى قرينةً لمعرفة المنافق في قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (29) وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ (30)﴾ (محمد). ففي قوله تعالى ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ أي في لحنه وأسلوبه.
15- تحرك الرسول- صلى الله عليه وسلم- بالجيش ليسبق المشركين إلى ماء بدر ويحول بينهم وبين الاستيلاء عليه حتى جاء أدنى بئرٍ من بدر فنزل بها. ولكن الصحابي الجليل الحباب بن المنذر الخزرجي توجَّه إلى الرسول- صلى الله عليه وسلم- وقال:- أرأيت هذا المنزل أمنزلاً أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر؟ أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال- صلى الله عليه وسلم-: "بل هو الرأي والحرب والمكيدة". قال الحباب: يا رسول الله فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله- أي أقرب ما يكون من قريش- فإني أعرف عذوبة مائه وكثرته، ثم نبني عليه حوضًا فنملأه، ونقذف فيه الآنية، ونغور- أي نخرب ونردم- ما وراءه من القُلُب- جمع قليب وهو البئر قبل أن تطوى- لئلا يأتوها من خلفنا ويشربوا، ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربوا؛ فقال الرسول- صلى الله عليه وسلم-: "لقد أشرت بالرأي يا حباب".
عظمة التربية
تستوقفنا هنا عظمة التربية التي تلقاها الحباب ابن الثلاث والثلاثين سنةً- رضي الله عنه- خلال هاتين السنتين، فهو متأدب مع قائده وحبيبه- صلى الله عليه وسلم- ومتأدب مع الوحي إذ يعلم أن لا رأي مع الوحي، ولهذا أحب أن يتأكد ابتداءً إن كان هذا المنزل وحيًا، فإن كان كذلك كان هو الخير المحض وليس لأحد منا مقال وعلينا السمع والطاعة، بل والالتزام والانضباط لأن الأمر إلهي فقال: أرأيت هذا المنزل أمنزلاً أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر؟ أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟، فلما علم أنه ليس وحيًا أو أمرًا وأن هناك مجالاً للرأي والمشورة عرض رأيه بكل أبعاده متأدبًا مستشرفًا الساحة كلها واستشرف الزمان والمكان وقدم الخطة البديلة بكل أبعادها.
فكانت لفتته هذه لفتة خبيرٍ عليمٍ بقيمة الماء وأهميته في الصحراء فجيش يفقد الماء في مثل طبيعة أرض الجزيرة، يفقد السيطرةَ على تصرفاته لأنه كاد يفقد حياته، وهذا ما يجب على الفرد المؤمن حينما يطلب منه الرأي أو يرى شيئًا في نظره غير صواب أن يعرضه كما عرضه الحباب، ولا يجب أن تكون السلبية والكسل هما مانعي رأيه ولا الخوف أو الظهور هما دافعي قوله، ولكن رضى ربه وحب دينه، ولا شك أن الجندي إذا كتم النصيحة عن قيادته وهو يعلم قيمتها يكون خائنًا لقيادته ودعوته؛ لأنه قد يترتب على كتمانها من المفاسد ما يمكن أن تتجنبه لو فطنت لذلك.
* هنا وقفة إعجاب وتقدير فلم يكن الرسول- صلى الله عليه وسلم- مستبدًا برأيه ولا راكبًا متن الغرور ولا يريد لمن يكونوا معه إمعات لا رأي لهم، بل يريد رجالاً يحملون مسئولية قيادة العالم بعده؛ لذا كان يشاور أصحابه يتلمس وجه الخير والرشاد، وكان الأفراد حوله كل يدلي برأيه حتى في أخطر القضايا ولا يكون في شعوره احتمال غضب القائد الأعلى، وكان- صلى الله عليه وسلم- يحترم الرأي الصائب وينفذه ولو تعارض مع رأيه، لأنه- صلى الله عليه وسلم- كان يبعد أصحابه عن تقديس شخصه وتنزيه رأيه عن الخطأ، فأما وحي الله فقد بلغه صلى الله عليه وسلم كاملاً، ونحن نشهد بذلك، وأما فيما سوى ذلك ﴿سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَرًا رَسُولاً﴾ (الإسراء: من الآية 93)، وهو بذلك يستخرج كل ما يمكن من إبداع وذكاء عند أصحابه، ويحرر عقولهم من الوقوع في الحرفية أمام النصوص غير القطعية، بل الحكمة ضالة المؤمن إن وجدها فهو أحق الناس بها.
إن القادة والرؤساء اليوم كثيرًا ما يعميهم التعصب الممقوت والاستبداد بالرأي فينزلقون إلى الشر ويجرون وراءهم الأمم والشعوب إلى مهاوي الفناء فمَن أبدى رأيًّا يخالف رأي القائد تعرَّض للغضب وتأخير الترقية، وربما البعد من الوظيفة مما جعل المنافقين وأصحاب المصالح يتربَّعون على قلوب القادة؛ لأنهم يؤلهونهم فجعلوا قراراتهم- أيًّا كانت- قرارات حكيمة وإشارتهم آراء سديدة ونظراتهم تعليمات رشيدة فضلوا وأضلوا، حتى قال أحدهم (تشغبيط سيادتكم خطة مستقبلية، وشلوت سيادتكم دفعة للأمام).. فلو استطاع هؤلاء القادة والرؤساء- في جميع المستويات- السادرون في عماية الكبرياء والأنانية أن ينتفعوا بهذا الدرس العملي من المربي الأول محمد- صلى الله عليه وسلم- لتغيَّر مجرى التاريخ في كثيرٍ من الأزمنة والعصور؛ لأن الحرية التي ربَّى عليها الرسول- صلى الله عليه وسلم- أصحابه مكَّنت مجتمعهم من الاستفادة من عقول جميع أهل الرأي السديد والمنطق الرشيد.
فالقائد منهم ينجح نجاحًا باهرًا وإن كان حديث السن؛ لأنه لم يكن يفكر برأيه المجرَّد أو آراء عصبة مهيمنة عليه- قد تنظر لمصالحها الخاصة قبل أن تنظر لمصلحة المسلمين العامة- وإنما يُفكِّر بآراء جميع أفراد جنده وقد يحصل له الرأي السديد من أقلهم شهرةً وأبعدهم منزلةً من ذلك القائد؛ لأنه ليس هناك ما يحول بين أي فردٍ منهم والوصول برأيه إلى قائده، ومن أعظم الأمثلة الجيش الذي أعدَّه الرسول- صلى الله عليه وسلم- لغزو الروم وانتدب فيه وجوه المهاجرين والأنصار أمثال أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح وسعد بن أبي وقاص وغيرهم وأَمَّرَ عليهم أسامة بن زيد بن حارثة، وهو لم يتجاوز العشرين من عمره.
16- استعدَّ جيش قريش وتهيَّأ للقتال وخرج أبو جهل يحث الناس على القتال ويُثير في نفوسهم حمية الجاهلية ويذكرهم بدين آبائهم ومقتل حليفهم، ثم دعا الله قائلاً: اللهم اقطعنا للرحم، وأتينا بما لا نعرف فأحنه الغداة- أي أهلكه اليوم- اللهم أينا أحب إليك وأرضى عندك، فانصره اليوم.
* أبو جهل استفتح بهذه الكلمة وهي كاشفة عن منهج التفكير الجاهلي في كل زمانٍ يمثله في كلمته فرعون هذه الأمة كما مثله فرعون عندما تعجَّب من دعوة سيدنا موسى (عليه السلام) إلى الله تعالى فقال يخاطب الملأ من قومه ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ (غافر: من الآية 26). لذلك كانت الاستقامة على صراط الله الواحد- عند رأس الجهل والكفر- قطيعة الرحم، ودعوة إلى ما لا يعرف.. أكان كل ما لا يعرف منكرًا باطلاً؟ وهذا هو منطق المعاندين في كل حين، فالدعوة إلى الحق والخروج من الباطل قطع للرحم وتفريق للجماعة وتمزيق لوحدة الأمة وردة للخلف ومعاداة للتقدم ومعطلة للإنتاج والانفتاح ومقيدة للحريات ومضيعة للإنجازات وإنكار لما تعارف عليه الناس، وكأنَّ الاتفاق- بين المعاندين وأصحاب المصالح- على الباطل يجعله حقًّا، وكأن معرفة وعلم المعاندين قد أحاط بكل شيء علمًا فما لا تعرفه باطل مرفوض.
تنظيم الجيش
17- أخذ الرسول- صلى الله عليه وسلم- يهيئ أفراد جيشه للقتال فجعلهم صفوفًا وبذلك كان جيش المسلمين يمثل نظامًا لم يشاهده أرباب القتال حتى ذلك الحين ولم يعرفه أحد من قبل، وكان هذا هو الأمر الذي قصم ظهر قريش؛ حيث كان نظام الجيش جيدًا، ووضع الرسول- صلى الله عليه وسلم- أسلوب حركته وقتاله، فالجنود كانوا يعرفون جيدًا أين يستعملون النبال وأين يستعملون الرماح وأين يستعملون السيوف، ومتى تدخل ميمنة الجيش وميسرته المعركة، ومتى تتدخل القوة الموجودة في الخلف، كل هذه الأمور كانت مؤقتة توقيتًا ممتازًا.
* أسلوب القتال بنظام الصفوف هو ابتكار للرسول- صلى الله عليه وسلم- وهذا الأسلوب يجعل المقاتلين على هيئة صفوف الصلاة، وتقل تلك الصفوف أو تكثر تبعًا لقلة المقاتلين أو كثرتهم، وتكون الصفوف الأولى من أصحاب الرماح لصدِّ هجمات الفرسان، وتكون الصفوف التي خلفها من أصحاب النبال لتسددها على المهاجمين من الأعداء، وهذا الأسلوب يعد سبقًا عسكريًّا تميزت به المدرسة الإسلامية على غيرها منذ أربعة عشر قرنًا من الزمان، وكان لهذا الأسلوب فوائده يوم بدر:
1- إرهاب الأعداء ودلالة على حسن وترتيب النظام عند المسلمين.
2- جعل في يد القائد الأعلى- صلى الله عليه وسلم- قوة احتياطية، عالج بها المواقف المفاجئة في صد هجوم معاكس، أو ضرب كمين غير متوقع، واستفاد منه في حماية الأجنحة من خطر المشاة والفرسان.
18- أخذ الرسول- صلى الله عليه وسلم- يعدل صفوف الجيش، فمر بسواد بن غزية وهو خارج من الصف، فضربه على بطنه بعودٍ كان في يده قائلاً: "استو يا سواد". فتظاهر سواد بالألم وقال: أوجعتني يا رسول الله، وقد بعثك الله بالحق والعدل، أقدني- أي اجعلني أقتص لنفسي منك-. فلم يتردد الرسول- صلى الله عليه وسلم- وكشف عن بطنه ليقتص منه سواد قائلاً: "استقد"- أي اضربني كما ضربتك -، ولكن سواد بدلاً من أن يطعن بطن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قصاصًا أخذ يقبلها فقال له الرسول- صلى الله عليه وسلم-: "ما حملك على هذا يا سواد؟" قال: يا رسول الله، حضر ما ترى- يعني القتال- فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك". فدعا له الرسول- صلى الله عليه وسلم- بخير.
* وإن لنا هنا لوقفة ترينا كيف يبلغ السمو النفسي والخلقي بصاحبه، وترينا كيف قبل الرسول- صلى الله عليه وسلم- على جلالته عن طيبِ خاطرٍ أن يقتصَّ أحد المسلمين منه، وهو غاية ما يطمع فيه من عدلٍ في هذه الحياة، وقد أعطى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- نماذج متعددة لمثل هذا العدل فقد قال سلمة عن محمد ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر: أن رجلاً ممن شهد حنينًا قال: والله إني لأسير إلى جنب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على ناقةٍ لي، وفي رجلي نعل غليظة، إذ زحمت ناقتي ناقة رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، ويقع حرف نعلي على ساق رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فأوجعه، فقرع قدمي بالسوط وقال: أوجعتنى فتأخر عني. فانصرفت، فلما كان الغد إذا رسول الله يلتمسني قال: هذا والله لما كنت أصبت من رجل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بالأمس. قال: فجئته وأنا أتوقع. فقال- صلى الله عليه وسلم-: "إنك أصبت رجلي بالأمس فأوجعتني، فقرعتُ قدمك بالسوط، فدعوتك لأعوضك منها". فأعطاني ثمانين نعجة بالضربة التي ضربني.
وترينا كيف بلغ حب هؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم للرسول- صلى الله عليه وسلم- وتكريمه وتقديسه في نفوسهم قداسةً لا تخل بدين ولا عقيدة، فقد أرادوا أن يسجدوا له فقال: "أنا عبد الله ورسوله"، كسفت الشمس ومات ابنه إبراهيم في وقتٍ واحدٍ فقالت الصحابة: كسفت الشمس لموت إبراهيم، فصحح- صلى الله عليه وسلم- المفهوم وقال: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته". فجعلهم في حدود المنطق والعقل وجعل لحبهم حدًّا لا يتعدونه، وحددت الآية الشريفة مكانته- صلى الله عليه وسلم- ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ (فصلت: من الآية 6) ومع كوني بشرًا، أتيكم بهذا القرآن العظيم، وهو فوق طاقة البشر فهو إذن ﴿يُوحَى إِلَيَّ﴾.. فهذا سواد وقد حضر موطن الشهادة يريد أن يحظى بلمسةٍ من جسد الرسول- صلى الله عليه وسلم- لأنه يرى فيها ثلج الصدر وطمأنينة القلب وغذاء الروح.
وترينا أن جسد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- مبارك، ومسه فيه بركة، ولهذا حرص عليها سواد، وتعلمنا أن بطن الرجل ليس بعورةٍ بدليل أن النبي- صلى الله عليه وسلم- كشف عنه، ولو كان عورة لما كشف عنه- صلى الله عليه وسلم-.
19- عدل الرسول- صلى الله عليه وسلم- الصفوف وهيَّأها للقتال وجعل الجيش كتيبتين إحداهما للمهاجرين بقيادة علي بن أبي طالب والأخرى للأنصار بقيادة سعد بن معاذ، ثم أصدر أوامره إلى الجيش بأن لا يبدءوا القتال حتى يتلقوا منه الأوامر الأخيرة فقال صلى الله عليه وسلم: "إن اكتنفكم العدو- أي أحاط بكم- فانضحوهم بالنبل ولا تحملوا حتى تُؤذنوا". وقال صلى الله عليه وسلم أيضًا: "ولا تسلوا السيوف حتى يغشوكم، واستبقوا نبلكم".
* الرسول- صلى الله عليه وسلم- استخدم هنا أسلوب القيادة التوجيهية وقد تجلَّت بعض الأمور منها:
الأمر الأول: أمره- صلى الله عليه وسلم- الصحابة برمي الأعداء إذا اقتربوا منهم؛ لأن الرمي يكون أقرب إلى الإصابة في هذه الحالة "إن اكتنفكم العدو- أي أحاط بكم- فانضحوهم بالنبل".
الأمر الثاني: نهيه- صلى الله عليه وسلم- عن سل السيوف إلى أن تتداخل الصفوف "ولا تسلوا السيوف حتى يغشوكم".
الأمر الثالث: أمره- صلى الله عليه وسلم- بالاقتصاد في الرمي "واستبقوا نبلكم".وهذه التوجيهات أو التعليمات الحربية هي المبادئ الحربية الحديثة في الدفاع التي تستخدم الآن وتعرف بأسلوب كبت النيران إلى اللحظة التي يصبح فيها العدو في المدى المؤثر لهذه الأسلحة، وهذا ما قصده- صلى الله عليه وسلم- في قوله: "واستبقوا نبلكم".
عمليات استشهادية
20- خرج من صفوف جيش المشركين ثلاثة من فرسانها ومن خيرة محاربيها ومن عائلة واحدة، وهم شيبة وعتبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة، وتحرَّك الثلاثة حتى وقفوا بين الصفين ودعوا المسلمين إلى المبارزة، ولما علم الرسول- صلى الله عليه وسلم- برغبة فرسان قريش بمبارزة أهلهم أصدر أمره إلى ثلاثة من أسرتهم بالخروج إلى أقربائهم وهم حمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب.
فخرجوا إليهم في الحال نشبت المبارزة بينهم، أما علي فلم يمهل صاحبه فقتله وكذلك حمزة، أما عبيدة وعتبة فقد ضرب كل واحدٍ منهما صاحبه ضربةً مميتةً لم يقوا على التحرك بعدها من مكانهما فكرَّ حمزة وعلي على عتبة بأسيافهما فقتلاه.
* المبارزة هي أخطر أنواع الحرب؛ حيث إنها مواجهة لخطر الموت المباشر- فهي كالعمليات الاستشهادية- لذلك لا يتقدم إليها إلا الشجعان المعدودون لذلك ما فعله الأنصار يعد من فضائلهم وتسابقهم لحماية هذا الدين. وأيضًا كون الرسول- صلى الله عليه وسلم- يقدم ثلاثةً من أقاربه المقربين يعتبر تضحيةً كبيرةً وتوجهًا لقادة الدعوة من أمته أن يعتبروا من أهم عوامل نجاحهم أن يكون القائد هو وأقاربه في مقدمة الكفاح والقيام بالمهام الشاقة؛ حيث يشجع هذا البقية على البذل والفداء، لذا يقول منير الغضبان: لن تنصر دعوة في الأرض إلا إذا كان الدعاة وأهلهم وأقاربهم وذووهم هم الوقود الأول فيها ويوم تبحث عن الإخفاق الذي يواجهه قائد في أي مرحلة في التاريخ نجد من أهم أسبابه هو ضن القادة بأقاربهم وذويهم في الجهاد والمعركة.
21- توترت الحالة وأربد جو المعركة بدخان الموت، وضح الصحابة بصنوف الدعاء إلى ربِّ الأرض والسماء سامع الدعاء وكاشف البلاء، أما المشركون فقد استشاطوا غضبًا بعد فقدهم أربعة من خيرة فرسانهم في أول مرحلة فهاجموا المسلمين وأخذ الصحابة يتسابقون إلى الشهادة كما تتسابق الفراشات نحو النور.
* النبي- صلى الله عليه وسلم- يهتم قبل بداية القتال برفع القوى المعنوية لرجاله؛ حيث إنه من الضروري على القائد أن يهتم بالقوى المعنوية لرجاله فيوجه النصيب الأوفر من جهده لتقويتها ورفعها، ولا عجب في ذلك فإن القوى المعنوية تخلق في الفرد نوعًا من الاعتقاد والإيمان بالغرض الذي يقاتل من أجله، فالجندي الذي يقف مدافعًا عن دينه ووطنه وهو ممتلئ النفس بالإيمان والعاطفة الوطنية تتضاعف قوته، والجندي بشر قبل أن يكون مقاتلاً، فهو لا يحب الموت ولكن الذي يدفعه لمواجهته دون أن يخشاه هو أن يجد في قائدة القدوة الحسنة. فها هو النبي- صلى الله عليه وسلم- يغذي جنده بتلك الروح حتى عرفوا أن الموت في سبيل الله أسمى الأمنيات، وأن الآخرة هي أفضل المستقرات، وبخاصة إذا أدخلت عن طريق الشهادة لأنهم سمعوا من نبيهم- صلى الله عليه وسلم- قوله:"للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة- أي عند أول دفعة دم تسيل- ويُرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار الياقوتة منها خير من الدنيا وما فيها، ويتزوج اثنتين وسبعين من الحور، ويُشفَّع في سبعين من أقاربه" (رواه الترمذي بسند صحيح عن أبي الدرداء)؛ لذا اشتاقت أنفسهم للشهادة وللجنة، فتضاعف عزمهم وشدت عزيمتهم وقوت سواعدهم وأصبحوا رجالاً مجاهدين يهاجمون وهم مطمئنون وما أزعج أعداء الله على مختلف الأزمنة إلا مثل هذا الإيمان حتى كانت تلك المعادلة (إذا عرف المسلم ربَّه أحبه، وإذا أحبه أحبَّ لقاءه، وإذا أحبَّ لقاءه هانت عليه الدنيا، وإذا هانت عليه الدنيا لم يقف في وجهه شيء)، فحينما تحمل أفراد الفئة المؤمنة تلك المعادلة بين طيات قلوبها ستتحطم أمامهم (بإذن الله) كل قوى العالم، وهنا سيحققون أستاذية العالم.
النبي يقاتل
22- عندما اشتدَّ لهيب المعركة اقتحمها النبي- صلى الله عليه وسلم- بنفسه ومعه حرس قيادته فاندفع عامة الصحابة نحو عدوهم كالسيل يدمرون كل قوة تقف في طريقهم والنبي- صلى الله عليه وسلم- في مقدمتهم وهو يقول ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (45) بَلْ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (46)﴾ (القمر)، ويقول علي: "لقد رأيتنا يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو أقربنا، كنا إذا حمي البأس ولقينا القوم اتقينا برسول الله- صلى الله عليه وسلم".
* ما أراد النبي الكريم- صلى الله عليه وسلم- حربًا، ولكن عندما كان يحين وقتها، كان- صلى الله عليه وسلم- رجلها، وقائدًا مثاليًّا منتصرًا، فاقتحام الرسول- صلى الله عليه وسلم- المعركة بنفسه وعدم إعفاء نفسه من المشاركة الفعلية، وأن يبقى في مؤخرة الجيش- ولو فعل الرسول ذلك لرضي المسلمون بهذا؛ حيث كانوا يؤثرونه على أنفسهم ويشترون سلامته بأرواحهم- دليل على أن مكان القيادة لا يحتله إلا الشجاع المتثبت، وإن الجبناء خائري القوى لا يصلحون لرئاسة الشعوب ولا لقيادة الجيوش ولا لزعامة حركات الإصلاح ودعوات الخير، فشجاعة القائد أو الداعية بفعله وعمله يفيد في جنوده وأنصاره في إثارة حماسهم واندفاعهم ما لا يفيده ألف خطابٍ حماسي يلقيه عليهم- من خلال المذياع أو من خلف الزجاج- يسب فيه الأعداء ويصفهم بالجبن والانحطاط- ولا أحد يعلم من منهم الجبان- ومن عادة الجنود والأنصار أن يستمدوا قوتهم من قوة قائدهم ورائدهم، فإذا جبن في مواقف اللقاء وضعف في مواطن الشدة أضرَّ بالقضية التي يحمل لواءها ضررًا بالغًا.
وقد رأينا في العصر الحالي من هؤلاء القادة الأفذاذ من علمٍ بتدبير قتله واغتياله- كحسن البنا- وطلب منه أعوانه أن يختفي حفاظًا على حياته فكان رده: كيف أربيكم على الموت في سبيل الله، وأفر منه؟؛ لذلك فقد ثبت بالبرهان القاطع أن القوات والجنود والأنصار تتأثر لدرجةٍ كبيرةٍ بسلوك قائدها، وبالمثل الذي يضربه لها، ولهذا يجب أن يكون القائد واسع الاطلاع قوي الإرادة شديد الثقة بالنفس، سريع التصرف، كما يجب أن يتحلَّى بصفة إنكار الذات ويحب العدالة ويكون عنده حسن تقدير للأمور واستهانة بالأخطار التي قد يتعرَّض لها واستعداده لمشاركة رجاله في آلامهم ومتاعبهم.
23- لقد ظهرت من المسلمين بطولات نادرة وفريدة تدل على روح التضحية والفداء وتشير إلى ما تحلَّى به المؤمنون الصادقون من يقينٍ وإيمانٍ وتسابقٍ إلى الاستشهاد في سبيل الدين القويم ورسوله الكريم- صلى الله عليه وسلم-، كما ظهرت آيات باهرة تدل على أن الله يؤيد المسلمين في جهادهم.
وحاول أبو جهل أن يوقف سيل الهزيمة النازلة بجيش المشركين ويشد من أزرهم ويحمسهم على القتال وثبتت معه جماعة من أعوانه وأخذوا يذبون عنه وأقاموا حواليه غابة من رماحهم يصدون بها كل مَن حاول الوصول إليه واشتدت عاصفة الجيش الإسلامي نحو أبي جهل فطارت غابة الرماح أمام حماس المسلمين وقوة بأسهم وتخلى الأعوان عن قائدهم وكان هناك مَن يترقبه حتى سنحت له الفرصة فانقض نحوه كالصقر ثم ضربه ضربةً أطنَّت قدمه- أطارتها وبترتها- بنصف ساقه، فخرَّ صريعًا يتخبط في دمه إنها ضربة معاذ بن عفراء ابن الحارث الأنصاري.
وشُغِل القوم عن قائدهم بالفرار والدفاع عن النفس وتفرقوا في الجبال وتركوه صريعًا فمرَّ به معوذ بن عفراء فضربه حتى أثبته وتركه به رمق يجود بنفسه.
* لينظر أفراد الفئة المؤمنة لتلك الروح القوية والحماس الإيماني والحيوية الإسلامية والحمية للحق والاستهانة بالحياة والرغبة القوية في الاستشهاد في سبيل الدعوة وحب الرسول- صلى الله عليه وسلم- وتفديته بالنفس- حيًّا وميتًا- وهي تتمثل في هذين الشابين حديثي السن الذي يغلب على مثلهما الأمل والحرص على الحياة، ولكن هكذا الإيمان وفهم الإسلام يُغيرا ما ألفه الناس في الإنسان؛ حيث ارتباطه بالحياة فقط- ففي الطفولة لعب وفي الشباب هوى ومرح وأمل وفي الرجولة عمل وشهوة ومجد وفي الشيخوخة فراغ وهموم- فيسمو به طفلاً وشابًا ورجلاً وشيخًا فيعيش حياته مرتبطًا بآخرته ويجد عزته في حياته مرتبطة بدينه، وفي آخرته مرتبطة بربه وكل هذا يتمثَّل في اتباع نبيه- صلى الله عليه وسلم- فإن أصبح هكذا هانت أمامه قوة الأعداء وصغرت في نفسه لذة الشهوات وطاقت نفسه إلى الجنات، ومن هنا نعلم السر وراء تآمر قوى الغرب والشرق على الشباب المسلم- ذكرًا أو أنثى- حتى استطاعوا- أعداء الأمة والمنافقين منها- أن يباعدوا بينهم وبين دينهم ففرضوا عليهم أفكارهم حتى ضعف إيمان الشباب وتخلل في نفوسهم الجبن وحب القعود، فأصبح الشاب المثقف منهم يُقدِّم مبارة كرة القدم على الصلاة، ويحزن إن هُزم مَن يُشجِّعه ولا يحزن أن ذُبحت أمته.
كما استطاع الفريقان- أعداء الأمة والمنافقون منها- أن يُزهدوا الشباب في دينهم وأن يشينوا في أعينهم فضائله حتى ظنوا أن هذا الدين هو علة التخلف والجمود فناموا عن جهاد القلم وجهاد الفكر وجهاد السيف وانغمسوا في الشهوات وتحولوا لعبيد تسير بأمر سيدها.. فما أحوجنا اليوم أن نُعيد للمسلمين بصفةٍ عامةٍ وللشباب بصفةٍ خاصة هذه الحمية الإسلامية والصفات الإيمانية والعودة إلى طبيعة القرآن؛ لأن الإسلام جيش الشباب، وخلق منهم رجالاً أكفاء لكل ما ينتدبهم له، لا تهولهم المعارك ولا تخيفهم الدماء، يتنافسون في الخيرات ويتسابقون إلى جنةٍ عرضها الأرض والسماوات، وكل هذا يقع على عاتق الفئة المؤمنة التي وعت وحملت لواء تلك الدعوة عن رغبةٍ وحب، فعليهم أن يتعلموا ويُعلِّموا المسلمين كيف غضب شابان حديثا السن- معاذ ومعوذ- لدينهما ولنبيهما حتى كان شعارهما- لقد عاهدت الله إن رأيته أن أقتله أو أموت دونه-، ويعلمهما أن ميادين الجهاد في سبيل الله أفسح مجالاً لإدراك ما عند الله من النعيم.
فرار العدو
24- بعد قتالٍ شديدٍ ومريرٍ بدأ في الصباح واستمرَّ حتى الظهر، أخذت جموع جيش قريش في الفرار من سيوف الجيش الإسلامي فتاهوا في الوديان.. انتهى القتال وهُزم المشركون بعد مقتل سبعين رجلاً من صناديدهم وأَسْرِ سبعين آخرين، وانتصار المسلمين بعد استشهاد أربعة عشر رجلاً- ستة من المهاجرين، وثمانية من الأنصار- وبعد أن انتهت المعركة أمر الرسول- صلى الله عليه وسلم- بجمع الغنائم والأسلحة كما أمر بالتحقق من مصير فرعون هذه الأمة الطاغية أبي جهل بن هشام، فانتشر الجند في أرجاء أرض المعركة يبحثون عنه، فإذا عبد الله بن مسعود يعثر عليه وبه رمق. فوضع رجله على عنقه ليجتز رأسه قائلاً له: هل أخزاك الله يا عدو الله؟. وأخذ عبد الله ابن مسعود يقطع رأسه بسيف أبي جهل، جرَّ ابن مسعود رأس أبي جهل ووضعها بين يدي الرسول- صلى الله عليه وسلم- قائلاً: هذه رأس عدو الله أبي جهل بن هشام. فقال- صلى الله عليه وسلم-:"الله أكبر، الحمدُ لله الذي صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده" (رواية أبو داود والنسائي) فخرج الرسول- صلى الله عليه وسلم- حتى وقف على رأس الطاغية وقال: "الحمد لله الذي أعزَّ الإسلام وأهله- ثلاث مرات-أخزاك الله يا عدو الله، وإن لكل أمةٍ فرعون، وإن فرعون هذه الأمة أبو جهل".
حكم حمل الرءوس إلى الولاة؟
ما فعله عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- حينما حمل رأس الطاغية أبي جهل إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- جعل العلماء يختلفون في هذه المسألة بين الجواز والمنع. فمَن أجاز ذلك استدل بما ورد في السير من أخبار كحمل محمد بن مسلمة- رضي الله عنه- رأس كعب الأشرف بعد قتله إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وما فعله عبد الله بن أنيس مع سفيان بن عبد الله حيث قتله، أخذ رأسه وصعد إلى الجبل واختبأ فيه حتى إذا رجع الطلب- مَن يطلبونه لقتله- جاء بالرأس إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، وقد ورد عن محمد بن الحسن الشيباني (أنه إذا كان في ذلك كبت وغيظ للمشركين أو إفراغ قلب للمسلمين بأن كان المقتول من قواد المشركين أو عظماء المبارزين فلا بأس بذلك).
أما من منع ذلك ونهى عنه فقد اعتبر ذلك من ضروب المثلة المنهي عنها واستدلوا بقول الرسول: "اغزوا في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تقتلوا وليدًا" (رواه مسلم والترمذي)، قال الشوكاني: في الحديث دلالة على تحريم المثلة، كما استدلوا بما رواه البيهقي عن سمرة بن جندب- رضي الله عنه- قال: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يحثنا على الصدقة وينهانا عن المثلة، وأيضًا عن عبد الله بن عامر أنه قدم على أبي بكر- رضي الله عنه- برأس البطريق فأنكر ذلك فقال: يا خليفة رسول الله إنهم يفعلون ذلك بنا. قال أبو بكر: لا يُحمل إليَّ رأس فإنه يكفي الكتاب والخبر.
وقد ورد عن الشافعى قوله: "وإذا أسر المسلمون المشركين فأرادوا قتلهم قتلوهم بضرب الأعناق، ولم يجاوزوا ذلك إلى أن يمثلوا بقطع يد ولا رجل ولا عضو ولا مفصل ولا بقر بطن ولا تحريق ولا تفريق ولا شيء يعدو ما وصفت؛ لأن الرسول- صلى الله عليه وسلم- نهى عن المثلة وقتل مَن قتل كما وصفت".
والذي نخلص إليه- والله أعلم- أن الأصل فيه عدم الجواز إلا إذا كان في ذلك مصلحة عامة كتثبيت قلوب المسلمين عند اشتداد خوفهم من قائدٍ معينٍ أو عدو له أثر في ذلك هزًّا لثقة العدو المتكالب بنفسه.
تكريم قتلى المشركين
25- أمر الرسول- صلى الله عليه وسلم- بنقل جثث المشركين وطرحها في قليب مهجور بالقرب من ساحة المعركة.. فقام بعض أفراد الجيش بسحب تلك الجثث وإلقائها في القليب ووقف الباقي يشاهد تلك الجثث.
* الرسول- صلى الله عليه وسلم- أصدر أوامره بدفن قتلى المشركين إعلانًا منه أن حرب الإسلام هي حرب الفضيلة، لا يُستباح فيها إلا الدماء ولا تُباح فيها المثلة تكريمًا للإنسان إلا إذا كان قصاصًا بأن مثَّل العدو بواحدٍ من المسلمين لعموم قوله تعالى﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (النحل: منم الآية 126)، وعموم قوله تعالى:﴿فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (البقرة: من الآية 194)؛ لذلك كان الرسول- صلى الله عليه وسلم- يقول لجنوده فيما رواه أحمد وابن ماجة عن صفوان بن عسال قال: بعثنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في سريةٍ فقال: "سيروا بسم الله وفي سبيل الله، قاتلوا مَن كفر بالله ولا تُمثلوا ولا تغدروا ولا تقتلوا وليدًا".
كما أن الرسول- صلى الله عليه وسلم- يزداد في تكريم الإنسان فلم يترك تلك الجثث الكافرة النجسة تنهشها الذئاب والغربان بل أمر بدفنها لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً (70)﴾ (الإسراء).
أَجْـدَادُنَا كَتَبُوا مَـآثِرَ عِزِّهَا فَمَحَـا مَآثِرَ عِزِّهَا الأَحْفَادُ
دَعْنَا نُسـافِرُ فِي دُرُوبِ إِبَائِنَا وَلَنَا مِنَ الْهِمَمِ الْعَظِيمَةِ زَادُ
1- معركة بدر كانت أول مراحل الكفاح الجدي الدامي الذي خاضه الإسلام ضد الشرك؛ حيث إنها أول معركة- على الإطلاق- يتقابل فيها المسلمون والمشركون ويقذفون فيها بكتائب لم يسبق لهم أن قذفوا بمثلها، منذ أن ظهرت دعوة الإسلام ونشبت الخصومة بينها وبين الكفر، ويُضاف لذلك أنها كانت المعركة الفاصلة الأولى والحاسمة في تاريخ الإسلام والمسلمين؛ لذا فهي تحمل من المفاهيم التربوية والعظات والعبر الكثير والكثير، ولكننا هنا نذكر القليل منها:
2- خف الرسول- صلى الله عليه وسلم- وخرج من المدينة في مائتي مقاتل لاعتراض قافلة قريش التي يقودها أبو سفيان- وذلك في غزوة العشيرة- ولكن القافلة تمكَّنت من الإفلات إلى الشام، فأرسل الرسول- صلى الله عليه وسلم- دوريةً تراقب وصول القافلة حتى مر بها أبو سفيان بن حرب عائدًا من الشام فأخبرت الرسول- صلى الله عليه وسلم- بذلك.. فهل ما فعله الرسول- صلى الله عليه وسلم- يعد ضربًا من قطع الطريق، وعملاً من أعمال السلب والنهب المجردة كما يزعم الحاقدون على الإسلام؟
مثل هذا التساؤل لا يخرج إلا من قلوبٍ حاقدة كارهة للإسلام والمسلمين يتحكم فيها الهوى والرغبة في التشويه.. أليس الذي أعلن الحرب بغيًا وعدوانًا على المدينة ومن بها من المسلمين هم أهل مكة وأصحاب هذه القافلة؟.. أليس أصحاب تلك القافلة هم الذين صادروا أموال المهاجرين واستولوا على ممتلكاتهم بغيًا وعدوانًا لا لشيء إلا أنهم آمنوا بالدين الجديد؟.. أليس من حق مَن أعلنت عليه الحرب وصودرت أمواله أن يقاتل من أعلنها ويستولي على كل ما تصل إليه يده من ممتلكاته؟. أليست المدينة في حالة حربٍ مع مكة؟، وقاعدة الحرب وقانونها في عرف جميع البشر يؤيد ويقر ويبارك الضربة العسكرية أو السياسية أو الاقتصادية القاصمة؟.
وأيضًا ما السبب الذي من أجله أخرج هؤلاء المؤمنون من ديارهم، أليس لأنهم خالفوا قومهم في اعتناق الوثنية وعبادة الآلهة الباطلة وعبدوا الله الواحد الأحد؟. إذًا فهم اضطهدوا من أجل العقيدة لا لشيء آخر كالتخريب أو الفساد، إذًا فمن حقهم البحث عن وسائل تحقق لهم حرية الاعتقاد السليم والصحيح، وإن أدَّى ذلك إلى قتال؛ لذلك كان من حقهم- المهاجرين- أن يطلبوا حقوقهم من قريش وأن يسعوا للحصول على أموالهم المنهوبة ولم يكن سبيل إلى ذلك إلا بالوقوف في طريق قوافل قريش.
ومن أجل كل هذا فما أراده النبي- صلى الله عليه وسلم- في الحصول على تلك القافلة، وهذه الثروة الهائلة يعد ضربةً عسكريةً وسياسيةً واقتصاديةً قاصمةً تنزل بأهل مكة وينتج عنها زيادة قوة المسلمين ورفع روحهم المعنوية.
فما كان المسلمون ليقطعوا الطريق على قافلة ولكنهم أرادوا أن يقطعوا الطريق على الكفر المستشري والشرك المتفشي وأرادوا بخروجهم هذا أن يقطعوا دابر هذا الكفر وأن ينالوا بعض ما أخذ منهم من أموال.
3- عندما سمع الرسول- صلى الله عليه وسلم- بدخول قافلة قريش إلى التراب الحجازي أصدر نداءه:- "هذه عير قريش فيها أموالهم فأخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها".. وقال- صلى الله عليه وسلم:- "من كان ظهره حاضرًا- أي جواده موجودًا- فليركب معنا".
من هذا النداء نرى أن استنفار الرسول- صلى الله عليه وسلم- للجيش الإسلامي لم يكن إجبارًا بل كان بمثابة الترغيب فقط، لذلك تخلَّف كثيرٌ من الصحابة عن هذا النداء، ولم ينكر الرسول- صلى الله عليه وسلم- على أحد من المتخلفين بل ولم يستحثه على الخروج بل ترك الأمر للرغبة الخاصة والاختيار المحض، وكان الأمر يخص المهاجرين أكثر من غيرهم؛ لأن الأنصار غير ملزمين بالخروج مع الرسول- صلى الله عليه وسلم- بناءً على بنود بيعة العقبة الثانية التي جاء فيها: "وعلى أن تنصروني إذا قدمت عليكم يثرب، وتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم" (أخرجه أحمد بإسناد حسن، وصححه الحاكم وابن حبان عن جابر).
ولكن الإيمان العميق بالإسلام ونصرته الموجود بقلوب الأنصار جعل الكثيرين منهم يسارعون بالاستجابة لدعوة الرسول- صلى الله عليه وسلم- حتى بلغ بهم الحماس للخروج أن الرجل منهم كان يساهم ابنه ليخرج منهما واحد ويبقى الآخر مثل ما حدث بين سعد بن خيثمة وابيه ليخرج هو للقتال، ويبقى الابن في البيت. فيقول سعد:- والله يا أبي لو كان غير الجنة لأثرتك به، إني لأرجو الشهادة في وجهي هذا. فلم يرض خيثمة إلا لأن يقترع بينه وبين سعد على الخروج، وخرج سهم سعد دون سهم أبيه.
هل الجنة تستحق كل هذا؟
نعم، وفيها يتنافس المتنافسون، فمَن تنافس في أمرها ارتفعت رُوحه، ومَن تنافس في غيرها انحطَّ وخسر، وهي التي دندن حولها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم؛ لذا فهي مناط العمل، ومكان رضا الرحمن، فمن أجلها تذرف الدموع، وتراق الدماء، والعاقل مَن سلك الطريق المؤدي لها، والعاجز مَن تمناها وقصر في العمل، وأضمن طريق للجنة هو الجهاد، وللمجاهد فيها درجات، فعن أبي هريرة- رضي الله عنه- عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض" رواه البخاري، والجنة ليست علو مكانة ورفع منزلة فحسب بل نعيم دائم وسعادة مطلقة. وأفضل عطاء لأهل الجنة هو قول النبي- صلى الله عليه وسلم-: "إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول الله- عزَّ وجل- تريدون شيئًا أزيدكم، فيقولون ألم تبيض وجوهنا، ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار، قال فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم، ثم تلا هذه الآية- ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (رواه مسلم عن صهيب رضي الله عنه).. إنها الجنة، دار كرامة الرحمن فهل من مشمرٍ لها؟
فاحذر أن تقدم على جنةٍ عرضها السماوات والأرض وليس لك فيها موضع قدم، وكن كسعد بن خيثمة- رضي الله عنه- وقل للدنيا كلها: "إنها الجنة".
4- تجمع من الجيش الإسلامي بالبقيع ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً منهم مائتان وواحد وثلاثون من الأنصار، أما المهاجرون فقد كانوا ستة وثمانين رجلاً.. وتجمَّع للجيش الإسلامي سبعون بعيرًا وفرسان (واحد مع المقداد بن الأسود، والثاني مع الزبير بن العوام)، وجاءت لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- أم ورقة بنت نوفل فقالت:- يا رسول الله، أأذن لي في الغزو معك، امرض مرضاكم لعل الله يرزقني الشهادة. فقال لها- صلى الله عليه وسلم:- "قري في بيتك فإن الله يرزقك الشهادة"
* حضور أم ورقة بنت نوفل- رضي الله عنها- للنبي- صلى الله عليه وسلم- ليأذن لها في الغزو معه دليل قوي يبين لنا أن للمرأة المسلمة منذ اللحظة الأولى دورًا بارزًا في حمل دعوة الإسلام والذود عنه في أعلى درجاته وهو الغزو في سبيل الله؛ لذا كانت النساء المسلمات يخرجن في عهد النبوة والراشدين مع الجيش الذاهب للقتال، فقد ورد في صحيح البخاري (عن الربيع بنت معوذ- رضي الله عنها- قالت: كنا نغزو مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لنسقي القوم ونخدمهم ونرد القتلى والجرحى إلى المدينة)، والأمثلة على اشتراك المرأة في الجيوش الذاهبة للقتال كثيرة؛ حيث كان دورها الأكبر هو خدمة المقاتلين من حفظ للمتاع، وإعداد للطعام، وتقديم للشراب، وإسعاف للجرحى، ومداواة للمرضى، ونقل للجثث من منطقة العمليات وغير ذلك من الأمور التي تتناسب مع طبيعتها، وكان لها أيضًا دور احتياطي وهو حمل السلاح وممارسة القتال؛ حينما يصبح القتال فرض عين عليهن، وذلك للدفاع عن أنفسهن كما جاء في صحيح مسلم، عن أنس- رضي الله عنه- أن أم سليم- رضي الله عنها- اتخذت يوم حنين خنجرًا فكان معها، فرأها أبو طلحة فقال: يا رسول الله هذه أم سليم معها خنجر! فقال لها رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "ما هذا الخنجر؟". قالت: اتخذته إن دنا مني أحد من المشركين بقرت بطنه، فجعل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يضحك.. أو للدفاع عن النبي- صلى الله عليه وسلم- أو الدفاع عن الوطن وقيادة المسلمين إذا تتطلب الأمر ذلك، وقد تجلَّى في دفاع نسيبه بنت كعب (أم عمارة الأنصارية) رضي الله عنها يوم أحد.
5- حينما فصل الرسول- صلى الله عليه وسلم- عن المدينة أمر بإحصاء عدد المسلمين فلما أخبر أن العدد بضعة عشر وثلاثمائة حمد الله وقال: "عدة أصحاب طالوت". وتفقد أفرادًا، فرد مَن استصغر منهم، وكان ممن ردهم أسامة بن زيد، ورافع بن خديج، وغيرهم، ورد عمير بن أبي وقاص فبكى عمير فأجازه النبي- صلى الله عليه وسلم- (كان عمير وهو ابن ست عشرة سنة يتوارى بين أفراد الجيش حتى لا يراه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال له أخوه سعد بن أبي وقاص:- مالك يا أخي؟. قال: أني أخاف أن يراني رسول الله فيستصغرني، ويردني وأنا أحب الخروج لعل الله أن يرزقني الشهادة، فكان سعد يقول: "كنت أعقد له حمائل سيفه". فأصبح عدد الجيش خمسة وثلاثمائة رجل من المهاجرين، أربعة وستون رجلاً والباقون من الأنصار.
من المعلوم أن الصبيان الصغار الذين لم يبلغوا الحلم، عادةً ما يخافون من الدماء، ويفزعون من سماع القتال والقتل فما بالنا نراهم هنا؟. فخروج أسامة بن زيد وعبد الله بن عمر وغيرهم مع الجيش بالرغم من صغر سنهم يدل على رغبتهم في المشاركة في أعمال الجهاد التي يقوم بها الرجال المسلمون. ومعنى ذلك أنهم لقيا تربيةً إسلاميةً حببت إليهم الجهاد بحيث إنهم صاروا يتطلعون إليه وهو درس للأمة الإسلامية وبخاصة الدعاة منها أن يولوا الكثير من عنايتهم وما يرشدون إليه الناس في تربية الأولاد- أولاد المسلمين عامة، وأولاد الدعاة خاصة- تربيةً إسلاميةً تحبب إليهم أعمال الجهاد بجميع صوره وأنواعه.. فمن المؤسف في هذا العصر أنك تجد انفصامًا كبيرًا بين بعض الدعاة وما يدعون إليه الناس من الجهاد ومكارم الأخلاق وما يفعله أبناء هؤلاء الدعاة من منكراتٍ أو تقاعسٍ عن الجهاد ونصرة الحق؛ حتى إن بعضهم إذا أراد ابنه أن يشارك في نصرة الحق منعه أبوه بحجة الخوف عليه!!!
* إرجاع النبي- صلى الله عليه وسلم- لهؤلاء الأبناء مع رغبتهم الشديدة في الجهاد درسٌ مهمٌ ودليلٌ قويٌ على أن الرغبة وحدها- في الجهاد وفي أي عملٍ من أعمال البر ومنها ما يتعلق بالدعوة- لا تكفي لأن يستجيب القائد إلى طلبات الراغبين في المشاركة في أي نوعٍ من الأنواع السابقة (الجهاد، الدعوة، أعمال البر)، بل لا بد من تحقق القدرة في أداء ما يرغب عمله، والقدرة على العمل المرغوب فيه لا تقف عند حد القدرة البدنية فقط، وإنما تشمل القدرة على كل ما هو لازم وضروري لإنجاز العمل المرغوب فيه. فعلى القيادة في جميع المستويات ملاحظة ذلك جيدًا، ولا تضع خططها على أساس رغبات أتباعها فقط دون التأكد من قدرتهم على تنفيذ ما يرغبون فيه، سواء أكانت القدرة المطلوبة قدرة مادية كالقدرة البدنية أو معنوية وأعلاها القدرة الإيمانية التي تهون على صاحبها الصعاب التي يلقاها، وما يتطلبه تنفيذ العمل المرغوب فيه.
6- وفي الطريق إلى بدر أتى حذيفة بن اليمان وأبوه إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وقالا له إنهما عند خروجهما من مكة أخذت قريش عليهما عهدًا من الله وميثاقه ليصيرن إلى المدينة ولا يقاتلان مع محمد. فقالا: يا رسول الله فما ترى؟.. فقال- صلى الله عليه وسلم-: "نستعين الله عليهم"، ونفي بعهدهم". فانطلق حذيفة وأبوه إلى المدينة ولم يذهبا مع الرسول- صلى الله عليه وسلم- إلى بدر.
* هكذا يعلم الرسول- صلى الله عليه وسلم- أفراد الفئة المؤمنة وقادتها أهمية الوفاء بالعهد، فالوفاء بالعهد وإن ظهر في بعض صوره مجحفًا بالمسلمين، مفوتًا لهم بعض الفرص السانحة فإنه بركة في جهدهم المبذول وإن قل. كما أن الوفاء بالعهد تطبيق لمكارم الأخلاق العالية؛ حيث يرسم للفئة المؤمنة صورة صادقة مشرقة أمام الناس فيكون ذلك سببًا في تقوية الدعوة الإسلامية؛ وذلك في جذب الناس إلى الدخول إلى الإسلام والحرص على تطبيق تعاليمه، وفوق كل هذا فهو طاعة لربهم الذي قال لهم: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً﴾ (الإسراء: من الآية 34)، مع العلم أن هذا يترك للقيادة تقدره حيث هي أدرى باحتياجات المرحلة؛ لأنه لا يجب أن يتعلل الأفراد بترك الجهاد مع الإمام ونائبه وفاءً للعهد.. فالرسول- صلى الله عليه وسلم- والله أعلم- أراد أن لا يشيع عن أصحابه نقض العهد في تلك المرحلة- وإن كان لا يلزمه ذلك- لأن المشيع عليهم لا يذكر تأويلاً.
7- لما سار الرسول- صلى الله عليه وسلم- نحو بدر صام يومًا أو يومين ثم أمرهم أن يفطروا ولا يصوموا، ولكن بعضهم تحرَّج فلم يستجب للأمر، فلما علم بذلك الرسول- صلى الله عليه وسلم- نادى مناديه بقوله- صلى الله عليه وسلم-: "يا معشر العصاة، إني مفطرٌ فأفطروا".
* هنا يضع الرسول- صلى الله عليه وسلم- قاعدة صلتنا بالدين، وهي عدم الغلو والتنطع في الأخذ بالدين، فالغلو أو الإفراط وكذلك التهاون أو التفريط من سجايا النفس في تناولها للأشياء، ولا سيما ما يتصل بموضوع القلوب والاعتقادات، وخطة الإسلام في كلِّ أموره العملية والنفسية خطة القصد والتوسط؛ لذلك جعل مقابل عزائمه رخصة التي تيسر على المسلم تناول شئون الدين، وحبب إلى المسلمين الأخذ بها كحبه لأخذهم بالعزائم.
ومن ثم كان نداء الرسول- صلى الله عليه وسلم- على المتشددين الذين تحرجوا من الرخصة- رخصة الفطر في نهار رمضان- بقوله: "يا معشر العصاة، إني مفطر".. فمَن الذي يرغب بنفسه عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم؟
8- نقلت عيون أبو سفيان إليه أيضًا أن محمدًا قد استنفر أصحابه للقافلة، وأنهم قد غادروا المدينة للإيقاع بها، هنا قرر أبو سفيان إبلاغ قادة قريش في مكة فكلف ضمضم بن عمرو الغفاري بتلك المهمة ولم ينتظر أبو سفيان نجدة قريش له بل ظل يواصل سيره نحو مكة، في حذرٍ وتيقظٍ وكاد أبو سفيان أن يقع في قبضة الجيش الإسلامي عندما اقترب من بدر لولا أن أسعفه القدر حينما تناول بعيرات البعيرين وعند فحصها وجد فيها نوى يثرب فقال: "والله علائف يثرب". وتأكد بذلك أن محمدًا وجيشه قريبٌ من هنا.
* استفاد أبو سفيان من بعر البعير بمعلومةٍ غيَّرت مجرى الأحداث كاملة؛ حيث استطاع أن يعرف تحركات عدوه حتى خبر السرية الاستطلاعية عن طريق غذاء دوابها بفحصه البعر الذي خلَّفته الإبل، إذ عرف أن الراكبين من المدينة أي من المسلمين، وبالتالي فقافلته في خطر؛ لذلك ينبغي على القائد الناجح أو من كُلِّف بمهمةٍ أن يخفي على عدوه كل شيء يمكن أن يستفيد منه في استخلاص المعلومات، وقد يبدو أحيانًا أن هذا الشيء تافه إلا أنه ينبغي ألا يتهاون فيه، فمثلاً كمية الغذاء اليومي المستهلكة تحدد عدد السكان، وكمية الوقود تحدد عدد السيارات ونوعها، وهكذا وما ضاعت الخلافة ولا تفككت الأمة ولا تقاتلت الدول الإسلامية والعربية إلا حينما اخترقت من عدوها وتسربت أسرارها فعلم العدو كيف يُوقع بينهم العداوة والبغضاء.
9- تحرك قادة مكة بسرعة لتجهيز جيش قوي لإنقاذ العير.. وتجهز الناس وشغل بعضهم بعضًا، حتى ضم جيش المشركين جميع زعماء قريش وقادتها ما عدا صفوان بن أمية، وأبي لهب الذي بعث عنه بديلاً وهو العاص بن هشام بن المغيرة بدينٍ عليه.
* ما فعله أبو لهب بإرسال العاص بن هشام بن المغيرة مكانه في الجيش مقابل أن يسقط الدين الذي على العاص يدل على أن بعض الرجال في كل العصور- حتى في الجاهلية المتعصبة- يجودون بالمال ولكنهم يضنون بالنفس، ويصعب عليهم الجود بها؛ لأن ضياع المال يمكن تعويضه أما ضياع النفس فهو الفناء؛ لذلك ربى الإسلام المسلمَ الصادق على أن يبذل في سبيل الله كل شيء، يجود بالمال وبالنفس معًا، ولا يبخل بجانبٍ من جوانب الحياة، ما دام يصل بهذا البذل إلى حياةٍ أخرى هي النعيم الدائم والاستقرار الخالد والطمأنينة الأبدية، والسبب في ذلك أن الدعوة التي يؤمنون بها لكي تحقق أهدافها وغايتها لا بد من أن تخوض معارك في كل الميادين؛ لذا نادهم ربهم بالنداء المحبب إلى النفوس وهو تاج الرؤوس: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (11)﴾ (الصف)، والمسلمون نجحوا في بذل المال يوم المؤاخاة يوم الهجرة، فكان لا بد من أن يخوضوا تجربةً في البذل بالنفس فكانت الغزوات.
جيش العدو
10- جهَّزت قريش الجيش بسرعةٍ فكان جيشًا ضخمًا بلغ تعداده حوالي ألف وثلاثمائة مقاتل، معهم مائة فرس وستمائة درع وعدد كبير من الإبل حوالي سبعمائة، وبينما جيش المشركين بالجحفة إذ جاءتهم رسالة أبي سفيان بن حرب، طالبًا منهم الرجوع، ولكنَّ أبا جهل قال في كبرياءٍ وغطرسة: "والله، لا نرجع حتى نرد بدرًا، فنقيم بها ثلاثًا فننحر الجزور ونطعم الطعام ونُسقَى الخمر وتعزف لنا القيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرتنا وجمعنا، ويرانا مَن غشينا من أهل الحجاز، فإنه لن يرانا أحدٌ من العرب وما جمعنا فيقاتلنا بعد".
* كان من الممكن أن يرتد هذان الجيشان دون قتال، ولكن عدواة أبي جهل للإسلام قديمة ومترسبة في أعماقه ورثها عن عمه الوليد، فمن الضروري أن يحرس هذه المخلفات الجاهلية (هبل واللات والعزى)، ويحرس معها أمواله وأموال قريش ويُفرِّغ حقده وكرهه لمحمد بالقضاء- كما يظن- على محمد وأصحابه الذين جثموا في الطريق يهددون التجارة الهابطة والصاعدة، لذلك لم ينصت لنصح الناصحين.
11- بلغ المسلمين خبر نجاة أبي سفيان بالقافلة، وبلغ الخبر الأهم وهو خروج جيش المشركين الضخم من مكة وزحفه نحو بدر، لهذا اهتمَّ الرسول- صلى الله عليه وسلم- بتلك التطورات الخطيرة المفاجئة غاية الاهتمام، وبالرغم من أنه الرسول المرسل من عند الله، وبالرغم من أنه القائد الأعلى للجيش الذي لن يخالف أحد أمره، إلا أنه- صلى الله عليه وسلم- لم ينفرد بالقول الفاصل ولم ينفرد بالرأي بل أسرع- صلى الله عليه وسلم- وعقد مجلسًا استشاريًّا عسكريًّا لتبادل الرأي مع قادة الجيش ليعرف وجهات نظرهم حيال هذا الموقف الخطير؛ وذلك بعد خروج الجيش من وادي الذفران قرب بدر.
قال الرسول- صلى الله عليه وسلم- لمجلسه العسكري: "إن القوم قد خرجوا إليكم من مكة على كل صعب وذلول مسرعين، أيها الناس إن الله وعدني إحدى الطائفتين أنها لكم، إما العير وإما النفير بالغلبة عليهم، فما تقولون؟، العير أحب إليكم من النفير؟". فقال بعضهم: يا رسول الله عليك بالعير ودع العدو. وقال البعض: هلا ذكرت لنا العدو فنتأهب له؟. فتغيَّر وجه الرسول- صلى الله عليه وسلم- فلما رأى أبو بكر الصديق ذلك، قام فتكلم وأحسن، ثم قام عمر بن الخطاب قام فتكلَّم وأحسن. ثم قام بالمقداد بن الأسود خطيبًا في المجلس قائلاً: يا رسول الله أمضِ لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون وعلَّق الرسول- صلى الله عليه وسلم- على مقولة المقداد قائلاً: "خيرًا". ودعا له بخير، وفتحت الكلمة الطريق أمام الناس ليقولوا قولته ويصولوا صولته. لذلك قال عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- عن موقف المقداد: شهدت من المقداد بن الأسود مشهدًا، لأن أكون صاحبه أحب إلى مما عدل به.
* هكذا تحتاج الدعوات في المواقف الصعبة المفاجئة أصحاب العزائم القوية والآراء السديدة التي تنبع مما آمن به في وقت السلم والراحة، فرجل الدعوة يتربَّى سنوات طوالاً من أجل الثبات في تلك اللحظات الحرجة التي تعد فاصلاً قويًّا في حياة دعوته وما آمن به، فلا يعقل أن ينادي إلى الجهاد ورفع راية الإسلام وحب الشهادة والتغني بأن الموت في سيبل الله أسمى أمانيه ثم إذا بدا له شعاع مما نادى به أو تغنى به إذا هو أول المترددين المتعللين الذين يبحثون عن كافة الأعذار والمبررات التي تدفع للركون أو الهروب أو التأخر (نسأل الله الثبات عند المحن والابتلاء).
كما أن قول المقداد (والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى...)، دلالة على معدن الصحابة ومعدن مَن كان مع موسى، فالجيل الذي كان مع موسى، على كثرتهم تمردوا على أمر الله لهم حينما أمرهم بالدخول إلى الأرض المقدسة فلم ينظروا من الأمر، ولكن نظروا مَن سيلقون فقالوا متعللين متحججين خائفين:﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾، ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ (المائدة: من الآيتين 22، 24).
أما جيل الصحابة على قلتهم فكانوا صبرًا عند الحرب وصدقًا عند اللقاء، ولكن للأسف الشديد في أيامنا هذه تنقلب الصورة ويتغير الوضع ويتبدل الحال فإذا بذراري الجبناء- اليهود- الذين تمردوا على أوامر ربهم وعصوا نبيهم وخافوا من عدوهم يعتدون على الحرمات وكأنهم أبناء أسود، ويحتلون المقدسات وكأنهم جبارون ويسفكون الدماء وكأنهم عطشى، ويستولون على بلاد المسلمين بالقوة ويلوحون بقوتهم في كل مكان.
وفي نفس الوقت واللحظة نجد مَن ينتسب لهذه الأمة ويعد من أبناء خير سلف يعتذر عن استخدام القوة ويشجبها عمليًّا كطريق لاستعادة حقه وتأديب عدوه بل وإن تلفظ يومًا بكلمة (جهاد) سارع بتكذيبها وحط من قدرها وحجم مفهومها، وصحح ما اقترفه من ذنبٍ عظيمٍ وخطأ فادح فيعلن أنه يقصد جهاد النفس لا جهاد القتال والحرب؛ حيث إنه من دعاة السلم والسلام، فتجده يجري وراء الحل السلمي لهثًا ولسان حاله يقول ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ (المائدة: من الآية 22). أما آن لهذا الجيل أن ينقرض ويخرج جيل ينتسب إلى أولئك الأعلام الليوث قولاً وعملاً.
12- الملاحظ أن كل المتحدثين من المهاجرين وهم أقلية في الجيش وقد عرف الرسول- صلى الله عليه وسلم- رأيهم، ولكنه لم يعرف بعد حقيقة موقف الأنصار الذين سيدور ثقل المعركة على كواهلهم؛ حيث إنهم أكثرية الجيش.. فقال صلى الله عليه وسلم: "أشيروا عليَّ أيها الناس". فنهض سعد بن معاذ فقال: لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "أجل". فقال سعد مخاطبًا الرسول- صلى الله عليه وسلم-: قد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامضِ يا رسول الله لما أردت، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر لخضناه معك ما تخلَّف منا رجلٌ واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا، وإننا لصبرٌ في الحرب صدقٌ في اللقاء، فاظعن حيث شئت، فصل حبال مَن شئت، واقطع حبال مَن شئت، وعادِ مَن شئت، وسالم مَن شئت، وخذ من أموالنا ما شئت وأعطنا ما شئت، وما أخذت منا أحب إلينا مما تركت، وما أمرت به من أمرٍ فأمرنا تبع لأمرك، ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله ونحن معك.
* نجاة العير وقرب النفير تلك الأخبار جعلت الموقف بالنسبة للجيش الإسلامي امتحانًا مباغتًا، فقد خرجوا من أجل الاستيلاء على قافلةٍ لا يزيد عدد حراسها على أربعين مقاتلاً، وهو أمرٌ لا يحتاج إلى أكثر مما قام به الجيش من استعدادات، ولكن أفلت الأربعون ونجوا بقافلتهم وأصبح الجيش الإسلامي أمام جيشٍ قوي كبير تقوده الخيلاء وتدفعه الكبرياء والتحدي، به صناديد مكة وفرسانها.. وهكذا على مرِّ العصور تواجه الجماعة المسلمة مثل هذا الموقف وهي في طريق دعوتها سواء في السلم أو في الحرب، فهي تخطط وتدرس وتستشير وتحدد نطاق العمل ومتطلباته المادية والبشرية، وفي بداية انطلاقها ينقلب الموقف فأعداء الدعوة وأعوانهم يفاجئونهم بما لا يتوقعون من شجاعةٍ على محاربة الله وإعلان التمرد على كل قيم وتضليل لمَن حولهم، ومواجهة أفراد الجماعة المسلمة بكل قسوةٍ وبلا رحمةٍ أو هوادة، هنا فعلى الجماعة المسلمة أن تتذكر قول سعد بن معاذ: "قد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامضِ فصل حبال مَن شئت واقطع حبال مَن شئت، وعاد وسالم مَن شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركت...).
* سعد بن معاذ الأوسي بكلمته نقل البيعة مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى كل مكانٍ في الأرض خارج المدينة، وأكد على حرب الأحمر والأصفر والأسود وغيرهم من الناس (وصل حبال مَن شئت، واقطع حبال مَن شئت)، وأكد بكلمته أن البيعة ليست بيعة مغنم ويعود عليهم متاع دنيوي، ولكنها بيعة للمغرم وعن حب (وخذ من أموالنا ما شئت، وما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركت)، وأكد أن قوله هذا ليس اندفاعًا ولا كبرًا ولا غرورًا ولكنه كلام أبناء الحرب الذين اصطلوا بنارها وخاضوا غمراتها وليس يوم بعاث (الحرب بين الأوس والخزرج التي استمرت سنوات طوالاً)، عنهم ببعيد ولكن الفرق هائل وشاسع، كانوا هناك يذبحون بعضهم بعضا ويكاد يفني أولهم آخرهم، أما اليوم وهم بين سيدهم وحبيبهم وقائدهم محمد- صلى الله عليه وسلم- صبرٌ في الحرب صدقٌ عند اللقاء.
ولكن ما الذي دفع سعد بن معاذ إلى هذا القول؟ وما الذي جعل الأنصار يقرون ما قال سعد؟. إنه مطلع قول سعد بن معاذ "قد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة".. فهذا هو العهد الذي أخذه كل مسلم مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حيًّا وميتًا، ولو أدركت الفئة المؤمنة حقيقة هذا العهد- كما أدركته الأنصار- وما يتطلبه لعلموا أن قول سعد بن معاذ حدد العلاقة الحقيقية بين أفراد الفئة المؤمنة وبين قائدهم الأول محمد- صلى الله عليه وسلم- ومَن ينوب عنه بعد ذلك. والنبي- صلى الله عليه وسلم- أصرَّ على رأي الأنصار حتى لا يترك الأمر فيه احتمالات أو غموض أو التباس، فطالما أخذ رأيهم وذكروا تأييدهم فهم أشد تمسكًا بالأمر والتزامًا به.
13- أخذ النبي- صلى الله عليه وسلم- بعض أصحابه وقام بعملية استكشاف بنفسه لمعرفة أخبار جيش المشركين، وبينما كان يتجول إذا به يقف على شيخ من العرب يسمى (سفيان الضمري) فاحتاط الرسول- صلى الله عليه وسلم- حتى لا يشتبه فيه أو يظنه من جيش المسلمين فسأله عن جيش المشركين وجيش المسلمين معًا فقال لهما الشيخ: لا أخبركما حتى تخبراني ممن أنتما؟. فقال الرسول- صلى الله عليه وسلم-: "إذا أخبرتنا أخبرناك". قال الشيخ: أو ذاك بذاك.. قال صلى الله عليه وسلم: "نعم". فقال:- فإنه بلغني أن محمدًا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا، فإن صدق الذي أخبرني فهم اليوم بمكان كذا وكذا- وحدد المكان الذي به جيش المسلمين-، وأنه بلغني أن قريشًا خرجت يوم كذا وكذا، فإن كان الذي أخبرني صدقني فهم اليوم بمكان كذا وكذا- المكان الذي به جيش قريش-.
ولما فرغ من خبره قال: ممن أنتما؟. فقال- صلى الله عليه وسلم- وهو ينصرف: "نحن من ماء". فقال الشيخ: من ماء، أمن ماء العراق. ولكن الرسول- صلى الله عليه وسلم- قد انصرف دون أن يعلم الشيخ مَن هو. والرسول- صلى الله عليه وسلم- قصد من الجنس الذي خُلق من ماء إشارةً إلى قوله تعالى ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ (الأنبياء: من الآية 30).
* أولاً قد تحلَّى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بصفة الكتمان في عامة غزواته، فعن كعب بن مالك رضي الله عنه قال: "ولم يكن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يريد غزوة إلا ورى بغيرها" رواه البخاري- وقد ظهر في هذه الغزوة هذا الخلق الكريم في الآتي:
1- سؤاله- صلى الله عليه وسلم- للشيخ الذي لقيه عن محمد وجيشه وعن قريش وجيشها.
2- تورية الرسول- صلى الله عليه وسلم- في إجابته عن سؤال الشيخ: ممن أنتما؟ بقوله- صلى الله عليه وسلم-: "نحن من ماء" وهو جواب يقتضيه المقام حيث أراد الرسول- صلى الله عليه وسلم- كتمان أخبار جيش المسلمين عن قريش.
3- وفي انصرافه- صلى الله عليه وسلم- فور استجوابه كتمان- أيضًا- وهو دليل على ما يتمتع به رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من الحكمة، فلو أنه أجاب هذا الشيخ ثم وقف عنده لكان هذا سببًا في طلب الشيخ المقصود من قوله- صلى الله عليه وسلم- (من ماء).
* ثانيًا هذا تشريع حربي شرعه الرسول- صلى الله عليه وسلم- يجوز أو يجب بموجبه الحصول على أخبار العدو بأية وسيله حتى ولو أدَّى إلى التمويه ما دام في ذلك مصلحة المسلمين وسلامتهم. فالتورية مع العدو والظلمة الذين يحاربون الإسلام وانتشاره وتمكينه في الأرض مشروعة بل مستحبة وأحيانًا تكون واجبة إذا أدَّت إلى إنقاذ نفس أو دفع ظلم عن المسلمين، بل الإسلام ذهب إلى أبعد من هذا فأباح للمسلم أن يوري في يمينه إذا طلب اليمين منه عدو أو ظالم وخشى على نفسه ظلمًا أو هلاكًا أو هلاك غيره من المسلمين أو تعذيبهم أو سجنهم فقد روى أبو داود في سننه عن سويد بن حنظلة قال: خرجنا نريد رسول الله ومعنا وائل بن حجر فأخذه عدو له، فتحرَّج القوم أن يحلفوا وحلفت أنه أخي، فخلى سبيله، فأتينا الرسول- صلى الله عليه وسلم- فأخبرته أن القوم تحرَّجوا أن يحلفوا وحلفت أنه أخي. فقال الرسول- صلى الله عليه وسلم-: "صدقت، المسلم أخو المسلم". وفي رواية لابن ماجة قال الرسول- صلى الله عليه وسلم-: "أنت كنت أبرهم وأصدقهم، صدقت، المسلم أخو المسلم"؛ لذلك فالظلمة والأعداء يعرفون أثر اليمين على نفس المسلم فيطلبون منه أن يقسم بالله تعالى بأن يجيبهم بالحق والصدق عن أسرار وأسماء المسلمين وعوراتهم فليستجب ويقسم ويواري في قسمه ولا شيء عليه بل هو مأجور بنيته الصالحة- إن شاء الله- وهي المحافظة على أعراض المسلمين وأسرارهم ودمائهم.
وقد روى مسلم في صحيحه وأحمد في مسنده عن أم كلثوم- رضي الله عنها- قالت: لم أسمع النبي- صلى الله عليه وسلم- يرخص في شيء من الكذب مما يقول الناس إلا في الحرب والإصلاح بين الناس وحديث الرجل لامرأته وحديث المرأة لزوجها. فالعلاقة بين الفئة المؤمنة وأعداء الله من اليهود والنصارى وأذنابهم من المسلمين علاقة حرب يريدون من خلالها رد الفئة المؤمنة عن دينهم إن استطاعوا لذلك سبيلاً؛ لذا فليعلم المسلم أن من أهم العوامل في إحراز النصر هو كتمان السر وإيهام العدو بغير ما يتوقع حدوثه عن قرب أو عن بعد، وقد كان الكتمان والتعمية على العدو من شأن النبي- صلى الله عليه وسلم- في الحروب وهو- صلى الله عليه وسلم- المعلم الذي وضع للمسلمين دستور الحرب وقواعده وفنونه كلها بما يتفق مع روح الإسلام وضرورة كل عصر، وقد روى أبو داود قول النبي- صلى الله عليه وسلم-: "والحرب خدعة".
14- رجع الرسول- صلى الله عليه وسلم- بعد معرفة مكان جيش قريش إلى مقر قيادته في الجيش، وفي المساء تم أسر غلامين تابعين لجيش المشركين يستقيان فاقتادوهما إلى مقر الجيش الإسلامي فوجدوا الرسول- صلى الله عليه وسلم- يصلي، فجعل الصحابة يسألونهما: لمَن أنتما؟. فيقولان: نحن سقاة لقريش بعثونا نسقيهم الماء. فارتاب القوم في كلامهما وظنوا أنهما يكذبان في كلامهما فضربوهما فلما اشتد الضرب عليهما قالا:- نحن لأبي سفيان. فتركوهما.
ولما فرغ الرسول- صلى الله عليه وسلم- من صلاته قال: "إذا صدقاكم ضربتموهما، وإذا كذباكم تركتموهما، صدقا والله إنهما لقريش". ثم قال للغلامين: "أين مكان الجيش؟". قالا:- هم وراء هذا الكثيب- الكثيب هو الرمل المستطيل المحدوب- فقال: "كم القوم؟"، قالا: كثير. فقال: "ما عددهم؟". قالا: لا نعرف. فقال: "كم ينحرون كل يوم؟"- أي من الإبل-. قالا: يومًا تسعًا ويومًا عشرًا. فقال- صلى الله عليه وسلم- لأصحابه: القوم فيما بين التسعمائة والألف ثم سأل الغلامين عمَّن في الجيش من أشراف مكة وقادتها، فقال صلى الله عليه وسلم: "فمن فيهم من أشراف قريش"، فقالا: عتبة بن ربيعة، وأخوه شيبة بن ربيعة، وأبو البحتري بن هشام- وذكروا كثيرًا من قريش-. التفت النبي- صلى الله عليه وسلم- بعد إخبار الغلامين بأسمائهم إلى أصحابه فقال: "هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها".
* الحوار الذي دار بين الرسول- صلى الله عليه وسلم- والأسيرين على مسمعٍ من الصحابة، وما قاله الرسول- صلى الله عليه وسلم- لأصحابه حيث علموا كل جوانب الموقف وأبعاده ولم يخف عليهم شيئًا درس مهم للقادة، حيث القيادة الرشيدة هي التي تبصر شعبها بالحقائق وحجم التحدي الذي تواجهه وشدة الخطر الذي يتهددهم، ثم تتخذ في الوقت نفسه من التدابير ما يمكنها من مواجهة الخطر بثبات واقتدار، ومن الوسائل ما يمكنها من التغلب على تفوق العدو أو بتجريده من فاعليته.. فمن الخطأ الفاحش الذي يقع فيه القادة الذين يخفون الحقائق في مثل هذه المواقف عن رجالهم، فلا يعلنون شيئًا عن تفوق العدو بحجة الخشية من هبوط الروح المعنوية ويستخدمون الكذب وسيلةً لهم بإظهار قوة لهم غير حقيقة- علمًا بأن العدو يعلم كذبهم والشعب يظن صدقهم- دون استعداد بأنهم سيرمون العدو ومَنَ وراءه في البحر وهم لا يدركون أن هذه السياسة الإعلامية القاصرة المضللة لن تغير من الواقع شيئًا وسوف تكون وبالاً عليهم عند خوض المعركة فينكشف المستور ويكون وقع المفاجأة شديدًا لا يمكن تلافيه وما حدث عام 1967م ليس ببعيد، والقائد الذي استخدم وسيلة الكذب على شعبه كطريق سهل لتمجيده نجده حتى في المعاهدات- التي له مطلق الحرية في التفاوض فيها وقبول ورفض ما يشاء وما يفيد شعبه وأمته- قد يبيع شعبه أو أمته ثم يخفي ذلك ويتغنى بإنجازاته.
ثم انظر كيف استخلص الرسول- صلى الله عليه وسلم- من هذا الجواب- يومًا تسعًا ويومًا عشرًا- عدد القوم، فالمائة منهم يكفيهم جمل ينحرونه كل يوم، فسؤال الرسول- صلى الله عليه وسلم- عما يذبح يبدو لغير المتأمل لا يترتب عليه شيء ذو بال ولكنه سؤال له ما بعده. وهذا درس من دروس الحرب لا يستوعبه إلا خيار القادة من أهل الحرب والسياسة. فعلى القادة والمسئولين الاستدلال بالقرائن (الجمل يكفي مائة تقريبًا) على ما يريدون معرفته من الأمور، وأن لا يتحرجوا من الأخذ بها بحجة أن القرائن لا تعطينا يقينًا وإنما ظنًّا، وإن الظن لا يغني من الحق شيئًا؛ لأن غلبة الظن تنزل في المعاملات منزلة اليقين، والقرائن تعطينا غلبة الظن وهذا يكفي، كما أن الأخذ بالقرائن محمولٌ على الأخذ بالاحتياط وبالحذر، وهما من الأمور المشروعة فمثلاً أعطى الله سبحانه وتعالى قرينةً لمعرفة المنافق في قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (29) وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ (30)﴾ (محمد). ففي قوله تعالى ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ أي في لحنه وأسلوبه.
15- تحرك الرسول- صلى الله عليه وسلم- بالجيش ليسبق المشركين إلى ماء بدر ويحول بينهم وبين الاستيلاء عليه حتى جاء أدنى بئرٍ من بدر فنزل بها. ولكن الصحابي الجليل الحباب بن المنذر الخزرجي توجَّه إلى الرسول- صلى الله عليه وسلم- وقال:- أرأيت هذا المنزل أمنزلاً أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر؟ أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال- صلى الله عليه وسلم-: "بل هو الرأي والحرب والمكيدة". قال الحباب: يا رسول الله فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله- أي أقرب ما يكون من قريش- فإني أعرف عذوبة مائه وكثرته، ثم نبني عليه حوضًا فنملأه، ونقذف فيه الآنية، ونغور- أي نخرب ونردم- ما وراءه من القُلُب- جمع قليب وهو البئر قبل أن تطوى- لئلا يأتوها من خلفنا ويشربوا، ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربوا؛ فقال الرسول- صلى الله عليه وسلم-: "لقد أشرت بالرأي يا حباب".
عظمة التربية
تستوقفنا هنا عظمة التربية التي تلقاها الحباب ابن الثلاث والثلاثين سنةً- رضي الله عنه- خلال هاتين السنتين، فهو متأدب مع قائده وحبيبه- صلى الله عليه وسلم- ومتأدب مع الوحي إذ يعلم أن لا رأي مع الوحي، ولهذا أحب أن يتأكد ابتداءً إن كان هذا المنزل وحيًا، فإن كان كذلك كان هو الخير المحض وليس لأحد منا مقال وعلينا السمع والطاعة، بل والالتزام والانضباط لأن الأمر إلهي فقال: أرأيت هذا المنزل أمنزلاً أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر؟ أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟، فلما علم أنه ليس وحيًا أو أمرًا وأن هناك مجالاً للرأي والمشورة عرض رأيه بكل أبعاده متأدبًا مستشرفًا الساحة كلها واستشرف الزمان والمكان وقدم الخطة البديلة بكل أبعادها.
فكانت لفتته هذه لفتة خبيرٍ عليمٍ بقيمة الماء وأهميته في الصحراء فجيش يفقد الماء في مثل طبيعة أرض الجزيرة، يفقد السيطرةَ على تصرفاته لأنه كاد يفقد حياته، وهذا ما يجب على الفرد المؤمن حينما يطلب منه الرأي أو يرى شيئًا في نظره غير صواب أن يعرضه كما عرضه الحباب، ولا يجب أن تكون السلبية والكسل هما مانعي رأيه ولا الخوف أو الظهور هما دافعي قوله، ولكن رضى ربه وحب دينه، ولا شك أن الجندي إذا كتم النصيحة عن قيادته وهو يعلم قيمتها يكون خائنًا لقيادته ودعوته؛ لأنه قد يترتب على كتمانها من المفاسد ما يمكن أن تتجنبه لو فطنت لذلك.
* هنا وقفة إعجاب وتقدير فلم يكن الرسول- صلى الله عليه وسلم- مستبدًا برأيه ولا راكبًا متن الغرور ولا يريد لمن يكونوا معه إمعات لا رأي لهم، بل يريد رجالاً يحملون مسئولية قيادة العالم بعده؛ لذا كان يشاور أصحابه يتلمس وجه الخير والرشاد، وكان الأفراد حوله كل يدلي برأيه حتى في أخطر القضايا ولا يكون في شعوره احتمال غضب القائد الأعلى، وكان- صلى الله عليه وسلم- يحترم الرأي الصائب وينفذه ولو تعارض مع رأيه، لأنه- صلى الله عليه وسلم- كان يبعد أصحابه عن تقديس شخصه وتنزيه رأيه عن الخطأ، فأما وحي الله فقد بلغه صلى الله عليه وسلم كاملاً، ونحن نشهد بذلك، وأما فيما سوى ذلك ﴿سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَرًا رَسُولاً﴾ (الإسراء: من الآية 93)، وهو بذلك يستخرج كل ما يمكن من إبداع وذكاء عند أصحابه، ويحرر عقولهم من الوقوع في الحرفية أمام النصوص غير القطعية، بل الحكمة ضالة المؤمن إن وجدها فهو أحق الناس بها.
إن القادة والرؤساء اليوم كثيرًا ما يعميهم التعصب الممقوت والاستبداد بالرأي فينزلقون إلى الشر ويجرون وراءهم الأمم والشعوب إلى مهاوي الفناء فمَن أبدى رأيًّا يخالف رأي القائد تعرَّض للغضب وتأخير الترقية، وربما البعد من الوظيفة مما جعل المنافقين وأصحاب المصالح يتربَّعون على قلوب القادة؛ لأنهم يؤلهونهم فجعلوا قراراتهم- أيًّا كانت- قرارات حكيمة وإشارتهم آراء سديدة ونظراتهم تعليمات رشيدة فضلوا وأضلوا، حتى قال أحدهم (تشغبيط سيادتكم خطة مستقبلية، وشلوت سيادتكم دفعة للأمام).. فلو استطاع هؤلاء القادة والرؤساء- في جميع المستويات- السادرون في عماية الكبرياء والأنانية أن ينتفعوا بهذا الدرس العملي من المربي الأول محمد- صلى الله عليه وسلم- لتغيَّر مجرى التاريخ في كثيرٍ من الأزمنة والعصور؛ لأن الحرية التي ربَّى عليها الرسول- صلى الله عليه وسلم- أصحابه مكَّنت مجتمعهم من الاستفادة من عقول جميع أهل الرأي السديد والمنطق الرشيد.
فالقائد منهم ينجح نجاحًا باهرًا وإن كان حديث السن؛ لأنه لم يكن يفكر برأيه المجرَّد أو آراء عصبة مهيمنة عليه- قد تنظر لمصالحها الخاصة قبل أن تنظر لمصلحة المسلمين العامة- وإنما يُفكِّر بآراء جميع أفراد جنده وقد يحصل له الرأي السديد من أقلهم شهرةً وأبعدهم منزلةً من ذلك القائد؛ لأنه ليس هناك ما يحول بين أي فردٍ منهم والوصول برأيه إلى قائده، ومن أعظم الأمثلة الجيش الذي أعدَّه الرسول- صلى الله عليه وسلم- لغزو الروم وانتدب فيه وجوه المهاجرين والأنصار أمثال أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح وسعد بن أبي وقاص وغيرهم وأَمَّرَ عليهم أسامة بن زيد بن حارثة، وهو لم يتجاوز العشرين من عمره.
16- استعدَّ جيش قريش وتهيَّأ للقتال وخرج أبو جهل يحث الناس على القتال ويُثير في نفوسهم حمية الجاهلية ويذكرهم بدين آبائهم ومقتل حليفهم، ثم دعا الله قائلاً: اللهم اقطعنا للرحم، وأتينا بما لا نعرف فأحنه الغداة- أي أهلكه اليوم- اللهم أينا أحب إليك وأرضى عندك، فانصره اليوم.
* أبو جهل استفتح بهذه الكلمة وهي كاشفة عن منهج التفكير الجاهلي في كل زمانٍ يمثله في كلمته فرعون هذه الأمة كما مثله فرعون عندما تعجَّب من دعوة سيدنا موسى (عليه السلام) إلى الله تعالى فقال يخاطب الملأ من قومه ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ (غافر: من الآية 26). لذلك كانت الاستقامة على صراط الله الواحد- عند رأس الجهل والكفر- قطيعة الرحم، ودعوة إلى ما لا يعرف.. أكان كل ما لا يعرف منكرًا باطلاً؟ وهذا هو منطق المعاندين في كل حين، فالدعوة إلى الحق والخروج من الباطل قطع للرحم وتفريق للجماعة وتمزيق لوحدة الأمة وردة للخلف ومعاداة للتقدم ومعطلة للإنتاج والانفتاح ومقيدة للحريات ومضيعة للإنجازات وإنكار لما تعارف عليه الناس، وكأنَّ الاتفاق- بين المعاندين وأصحاب المصالح- على الباطل يجعله حقًّا، وكأن معرفة وعلم المعاندين قد أحاط بكل شيء علمًا فما لا تعرفه باطل مرفوض.
تنظيم الجيش
17- أخذ الرسول- صلى الله عليه وسلم- يهيئ أفراد جيشه للقتال فجعلهم صفوفًا وبذلك كان جيش المسلمين يمثل نظامًا لم يشاهده أرباب القتال حتى ذلك الحين ولم يعرفه أحد من قبل، وكان هذا هو الأمر الذي قصم ظهر قريش؛ حيث كان نظام الجيش جيدًا، ووضع الرسول- صلى الله عليه وسلم- أسلوب حركته وقتاله، فالجنود كانوا يعرفون جيدًا أين يستعملون النبال وأين يستعملون الرماح وأين يستعملون السيوف، ومتى تدخل ميمنة الجيش وميسرته المعركة، ومتى تتدخل القوة الموجودة في الخلف، كل هذه الأمور كانت مؤقتة توقيتًا ممتازًا.
* أسلوب القتال بنظام الصفوف هو ابتكار للرسول- صلى الله عليه وسلم- وهذا الأسلوب يجعل المقاتلين على هيئة صفوف الصلاة، وتقل تلك الصفوف أو تكثر تبعًا لقلة المقاتلين أو كثرتهم، وتكون الصفوف الأولى من أصحاب الرماح لصدِّ هجمات الفرسان، وتكون الصفوف التي خلفها من أصحاب النبال لتسددها على المهاجمين من الأعداء، وهذا الأسلوب يعد سبقًا عسكريًّا تميزت به المدرسة الإسلامية على غيرها منذ أربعة عشر قرنًا من الزمان، وكان لهذا الأسلوب فوائده يوم بدر:
1- إرهاب الأعداء ودلالة على حسن وترتيب النظام عند المسلمين.
2- جعل في يد القائد الأعلى- صلى الله عليه وسلم- قوة احتياطية، عالج بها المواقف المفاجئة في صد هجوم معاكس، أو ضرب كمين غير متوقع، واستفاد منه في حماية الأجنحة من خطر المشاة والفرسان.
18- أخذ الرسول- صلى الله عليه وسلم- يعدل صفوف الجيش، فمر بسواد بن غزية وهو خارج من الصف، فضربه على بطنه بعودٍ كان في يده قائلاً: "استو يا سواد". فتظاهر سواد بالألم وقال: أوجعتني يا رسول الله، وقد بعثك الله بالحق والعدل، أقدني- أي اجعلني أقتص لنفسي منك-. فلم يتردد الرسول- صلى الله عليه وسلم- وكشف عن بطنه ليقتص منه سواد قائلاً: "استقد"- أي اضربني كما ضربتك -، ولكن سواد بدلاً من أن يطعن بطن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قصاصًا أخذ يقبلها فقال له الرسول- صلى الله عليه وسلم-: "ما حملك على هذا يا سواد؟" قال: يا رسول الله، حضر ما ترى- يعني القتال- فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك". فدعا له الرسول- صلى الله عليه وسلم- بخير.
* وإن لنا هنا لوقفة ترينا كيف يبلغ السمو النفسي والخلقي بصاحبه، وترينا كيف قبل الرسول- صلى الله عليه وسلم- على جلالته عن طيبِ خاطرٍ أن يقتصَّ أحد المسلمين منه، وهو غاية ما يطمع فيه من عدلٍ في هذه الحياة، وقد أعطى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- نماذج متعددة لمثل هذا العدل فقد قال سلمة عن محمد ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر: أن رجلاً ممن شهد حنينًا قال: والله إني لأسير إلى جنب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على ناقةٍ لي، وفي رجلي نعل غليظة، إذ زحمت ناقتي ناقة رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، ويقع حرف نعلي على ساق رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فأوجعه، فقرع قدمي بالسوط وقال: أوجعتنى فتأخر عني. فانصرفت، فلما كان الغد إذا رسول الله يلتمسني قال: هذا والله لما كنت أصبت من رجل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بالأمس. قال: فجئته وأنا أتوقع. فقال- صلى الله عليه وسلم-: "إنك أصبت رجلي بالأمس فأوجعتني، فقرعتُ قدمك بالسوط، فدعوتك لأعوضك منها". فأعطاني ثمانين نعجة بالضربة التي ضربني.
وترينا كيف بلغ حب هؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم للرسول- صلى الله عليه وسلم- وتكريمه وتقديسه في نفوسهم قداسةً لا تخل بدين ولا عقيدة، فقد أرادوا أن يسجدوا له فقال: "أنا عبد الله ورسوله"، كسفت الشمس ومات ابنه إبراهيم في وقتٍ واحدٍ فقالت الصحابة: كسفت الشمس لموت إبراهيم، فصحح- صلى الله عليه وسلم- المفهوم وقال: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته". فجعلهم في حدود المنطق والعقل وجعل لحبهم حدًّا لا يتعدونه، وحددت الآية الشريفة مكانته- صلى الله عليه وسلم- ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ (فصلت: من الآية 6) ومع كوني بشرًا، أتيكم بهذا القرآن العظيم، وهو فوق طاقة البشر فهو إذن ﴿يُوحَى إِلَيَّ﴾.. فهذا سواد وقد حضر موطن الشهادة يريد أن يحظى بلمسةٍ من جسد الرسول- صلى الله عليه وسلم- لأنه يرى فيها ثلج الصدر وطمأنينة القلب وغذاء الروح.
وترينا أن جسد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- مبارك، ومسه فيه بركة، ولهذا حرص عليها سواد، وتعلمنا أن بطن الرجل ليس بعورةٍ بدليل أن النبي- صلى الله عليه وسلم- كشف عنه، ولو كان عورة لما كشف عنه- صلى الله عليه وسلم-.
19- عدل الرسول- صلى الله عليه وسلم- الصفوف وهيَّأها للقتال وجعل الجيش كتيبتين إحداهما للمهاجرين بقيادة علي بن أبي طالب والأخرى للأنصار بقيادة سعد بن معاذ، ثم أصدر أوامره إلى الجيش بأن لا يبدءوا القتال حتى يتلقوا منه الأوامر الأخيرة فقال صلى الله عليه وسلم: "إن اكتنفكم العدو- أي أحاط بكم- فانضحوهم بالنبل ولا تحملوا حتى تُؤذنوا". وقال صلى الله عليه وسلم أيضًا: "ولا تسلوا السيوف حتى يغشوكم، واستبقوا نبلكم".
* الرسول- صلى الله عليه وسلم- استخدم هنا أسلوب القيادة التوجيهية وقد تجلَّت بعض الأمور منها:
الأمر الأول: أمره- صلى الله عليه وسلم- الصحابة برمي الأعداء إذا اقتربوا منهم؛ لأن الرمي يكون أقرب إلى الإصابة في هذه الحالة "إن اكتنفكم العدو- أي أحاط بكم- فانضحوهم بالنبل".
الأمر الثاني: نهيه- صلى الله عليه وسلم- عن سل السيوف إلى أن تتداخل الصفوف "ولا تسلوا السيوف حتى يغشوكم".
الأمر الثالث: أمره- صلى الله عليه وسلم- بالاقتصاد في الرمي "واستبقوا نبلكم".وهذه التوجيهات أو التعليمات الحربية هي المبادئ الحربية الحديثة في الدفاع التي تستخدم الآن وتعرف بأسلوب كبت النيران إلى اللحظة التي يصبح فيها العدو في المدى المؤثر لهذه الأسلحة، وهذا ما قصده- صلى الله عليه وسلم- في قوله: "واستبقوا نبلكم".
عمليات استشهادية
20- خرج من صفوف جيش المشركين ثلاثة من فرسانها ومن خيرة محاربيها ومن عائلة واحدة، وهم شيبة وعتبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة، وتحرَّك الثلاثة حتى وقفوا بين الصفين ودعوا المسلمين إلى المبارزة، ولما علم الرسول- صلى الله عليه وسلم- برغبة فرسان قريش بمبارزة أهلهم أصدر أمره إلى ثلاثة من أسرتهم بالخروج إلى أقربائهم وهم حمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب.
فخرجوا إليهم في الحال نشبت المبارزة بينهم، أما علي فلم يمهل صاحبه فقتله وكذلك حمزة، أما عبيدة وعتبة فقد ضرب كل واحدٍ منهما صاحبه ضربةً مميتةً لم يقوا على التحرك بعدها من مكانهما فكرَّ حمزة وعلي على عتبة بأسيافهما فقتلاه.
* المبارزة هي أخطر أنواع الحرب؛ حيث إنها مواجهة لخطر الموت المباشر- فهي كالعمليات الاستشهادية- لذلك لا يتقدم إليها إلا الشجعان المعدودون لذلك ما فعله الأنصار يعد من فضائلهم وتسابقهم لحماية هذا الدين. وأيضًا كون الرسول- صلى الله عليه وسلم- يقدم ثلاثةً من أقاربه المقربين يعتبر تضحيةً كبيرةً وتوجهًا لقادة الدعوة من أمته أن يعتبروا من أهم عوامل نجاحهم أن يكون القائد هو وأقاربه في مقدمة الكفاح والقيام بالمهام الشاقة؛ حيث يشجع هذا البقية على البذل والفداء، لذا يقول منير الغضبان: لن تنصر دعوة في الأرض إلا إذا كان الدعاة وأهلهم وأقاربهم وذووهم هم الوقود الأول فيها ويوم تبحث عن الإخفاق الذي يواجهه قائد في أي مرحلة في التاريخ نجد من أهم أسبابه هو ضن القادة بأقاربهم وذويهم في الجهاد والمعركة.
21- توترت الحالة وأربد جو المعركة بدخان الموت، وضح الصحابة بصنوف الدعاء إلى ربِّ الأرض والسماء سامع الدعاء وكاشف البلاء، أما المشركون فقد استشاطوا غضبًا بعد فقدهم أربعة من خيرة فرسانهم في أول مرحلة فهاجموا المسلمين وأخذ الصحابة يتسابقون إلى الشهادة كما تتسابق الفراشات نحو النور.
* النبي- صلى الله عليه وسلم- يهتم قبل بداية القتال برفع القوى المعنوية لرجاله؛ حيث إنه من الضروري على القائد أن يهتم بالقوى المعنوية لرجاله فيوجه النصيب الأوفر من جهده لتقويتها ورفعها، ولا عجب في ذلك فإن القوى المعنوية تخلق في الفرد نوعًا من الاعتقاد والإيمان بالغرض الذي يقاتل من أجله، فالجندي الذي يقف مدافعًا عن دينه ووطنه وهو ممتلئ النفس بالإيمان والعاطفة الوطنية تتضاعف قوته، والجندي بشر قبل أن يكون مقاتلاً، فهو لا يحب الموت ولكن الذي يدفعه لمواجهته دون أن يخشاه هو أن يجد في قائدة القدوة الحسنة. فها هو النبي- صلى الله عليه وسلم- يغذي جنده بتلك الروح حتى عرفوا أن الموت في سبيل الله أسمى الأمنيات، وأن الآخرة هي أفضل المستقرات، وبخاصة إذا أدخلت عن طريق الشهادة لأنهم سمعوا من نبيهم- صلى الله عليه وسلم- قوله:"للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة- أي عند أول دفعة دم تسيل- ويُرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار الياقوتة منها خير من الدنيا وما فيها، ويتزوج اثنتين وسبعين من الحور، ويُشفَّع في سبعين من أقاربه" (رواه الترمذي بسند صحيح عن أبي الدرداء)؛ لذا اشتاقت أنفسهم للشهادة وللجنة، فتضاعف عزمهم وشدت عزيمتهم وقوت سواعدهم وأصبحوا رجالاً مجاهدين يهاجمون وهم مطمئنون وما أزعج أعداء الله على مختلف الأزمنة إلا مثل هذا الإيمان حتى كانت تلك المعادلة (إذا عرف المسلم ربَّه أحبه، وإذا أحبه أحبَّ لقاءه، وإذا أحبَّ لقاءه هانت عليه الدنيا، وإذا هانت عليه الدنيا لم يقف في وجهه شيء)، فحينما تحمل أفراد الفئة المؤمنة تلك المعادلة بين طيات قلوبها ستتحطم أمامهم (بإذن الله) كل قوى العالم، وهنا سيحققون أستاذية العالم.
النبي يقاتل
22- عندما اشتدَّ لهيب المعركة اقتحمها النبي- صلى الله عليه وسلم- بنفسه ومعه حرس قيادته فاندفع عامة الصحابة نحو عدوهم كالسيل يدمرون كل قوة تقف في طريقهم والنبي- صلى الله عليه وسلم- في مقدمتهم وهو يقول ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (45) بَلْ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (46)﴾ (القمر)، ويقول علي: "لقد رأيتنا يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو أقربنا، كنا إذا حمي البأس ولقينا القوم اتقينا برسول الله- صلى الله عليه وسلم".
* ما أراد النبي الكريم- صلى الله عليه وسلم- حربًا، ولكن عندما كان يحين وقتها، كان- صلى الله عليه وسلم- رجلها، وقائدًا مثاليًّا منتصرًا، فاقتحام الرسول- صلى الله عليه وسلم- المعركة بنفسه وعدم إعفاء نفسه من المشاركة الفعلية، وأن يبقى في مؤخرة الجيش- ولو فعل الرسول ذلك لرضي المسلمون بهذا؛ حيث كانوا يؤثرونه على أنفسهم ويشترون سلامته بأرواحهم- دليل على أن مكان القيادة لا يحتله إلا الشجاع المتثبت، وإن الجبناء خائري القوى لا يصلحون لرئاسة الشعوب ولا لقيادة الجيوش ولا لزعامة حركات الإصلاح ودعوات الخير، فشجاعة القائد أو الداعية بفعله وعمله يفيد في جنوده وأنصاره في إثارة حماسهم واندفاعهم ما لا يفيده ألف خطابٍ حماسي يلقيه عليهم- من خلال المذياع أو من خلف الزجاج- يسب فيه الأعداء ويصفهم بالجبن والانحطاط- ولا أحد يعلم من منهم الجبان- ومن عادة الجنود والأنصار أن يستمدوا قوتهم من قوة قائدهم ورائدهم، فإذا جبن في مواقف اللقاء وضعف في مواطن الشدة أضرَّ بالقضية التي يحمل لواءها ضررًا بالغًا.
وقد رأينا في العصر الحالي من هؤلاء القادة الأفذاذ من علمٍ بتدبير قتله واغتياله- كحسن البنا- وطلب منه أعوانه أن يختفي حفاظًا على حياته فكان رده: كيف أربيكم على الموت في سبيل الله، وأفر منه؟؛ لذلك فقد ثبت بالبرهان القاطع أن القوات والجنود والأنصار تتأثر لدرجةٍ كبيرةٍ بسلوك قائدها، وبالمثل الذي يضربه لها، ولهذا يجب أن يكون القائد واسع الاطلاع قوي الإرادة شديد الثقة بالنفس، سريع التصرف، كما يجب أن يتحلَّى بصفة إنكار الذات ويحب العدالة ويكون عنده حسن تقدير للأمور واستهانة بالأخطار التي قد يتعرَّض لها واستعداده لمشاركة رجاله في آلامهم ومتاعبهم.
23- لقد ظهرت من المسلمين بطولات نادرة وفريدة تدل على روح التضحية والفداء وتشير إلى ما تحلَّى به المؤمنون الصادقون من يقينٍ وإيمانٍ وتسابقٍ إلى الاستشهاد في سبيل الدين القويم ورسوله الكريم- صلى الله عليه وسلم-، كما ظهرت آيات باهرة تدل على أن الله يؤيد المسلمين في جهادهم.
وحاول أبو جهل أن يوقف سيل الهزيمة النازلة بجيش المشركين ويشد من أزرهم ويحمسهم على القتال وثبتت معه جماعة من أعوانه وأخذوا يذبون عنه وأقاموا حواليه غابة من رماحهم يصدون بها كل مَن حاول الوصول إليه واشتدت عاصفة الجيش الإسلامي نحو أبي جهل فطارت غابة الرماح أمام حماس المسلمين وقوة بأسهم وتخلى الأعوان عن قائدهم وكان هناك مَن يترقبه حتى سنحت له الفرصة فانقض نحوه كالصقر ثم ضربه ضربةً أطنَّت قدمه- أطارتها وبترتها- بنصف ساقه، فخرَّ صريعًا يتخبط في دمه إنها ضربة معاذ بن عفراء ابن الحارث الأنصاري.
وشُغِل القوم عن قائدهم بالفرار والدفاع عن النفس وتفرقوا في الجبال وتركوه صريعًا فمرَّ به معوذ بن عفراء فضربه حتى أثبته وتركه به رمق يجود بنفسه.
* لينظر أفراد الفئة المؤمنة لتلك الروح القوية والحماس الإيماني والحيوية الإسلامية والحمية للحق والاستهانة بالحياة والرغبة القوية في الاستشهاد في سبيل الدعوة وحب الرسول- صلى الله عليه وسلم- وتفديته بالنفس- حيًّا وميتًا- وهي تتمثل في هذين الشابين حديثي السن الذي يغلب على مثلهما الأمل والحرص على الحياة، ولكن هكذا الإيمان وفهم الإسلام يُغيرا ما ألفه الناس في الإنسان؛ حيث ارتباطه بالحياة فقط- ففي الطفولة لعب وفي الشباب هوى ومرح وأمل وفي الرجولة عمل وشهوة ومجد وفي الشيخوخة فراغ وهموم- فيسمو به طفلاً وشابًا ورجلاً وشيخًا فيعيش حياته مرتبطًا بآخرته ويجد عزته في حياته مرتبطة بدينه، وفي آخرته مرتبطة بربه وكل هذا يتمثَّل في اتباع نبيه- صلى الله عليه وسلم- فإن أصبح هكذا هانت أمامه قوة الأعداء وصغرت في نفسه لذة الشهوات وطاقت نفسه إلى الجنات، ومن هنا نعلم السر وراء تآمر قوى الغرب والشرق على الشباب المسلم- ذكرًا أو أنثى- حتى استطاعوا- أعداء الأمة والمنافقين منها- أن يباعدوا بينهم وبين دينهم ففرضوا عليهم أفكارهم حتى ضعف إيمان الشباب وتخلل في نفوسهم الجبن وحب القعود، فأصبح الشاب المثقف منهم يُقدِّم مبارة كرة القدم على الصلاة، ويحزن إن هُزم مَن يُشجِّعه ولا يحزن أن ذُبحت أمته.
كما استطاع الفريقان- أعداء الأمة والمنافقون منها- أن يُزهدوا الشباب في دينهم وأن يشينوا في أعينهم فضائله حتى ظنوا أن هذا الدين هو علة التخلف والجمود فناموا عن جهاد القلم وجهاد الفكر وجهاد السيف وانغمسوا في الشهوات وتحولوا لعبيد تسير بأمر سيدها.. فما أحوجنا اليوم أن نُعيد للمسلمين بصفةٍ عامةٍ وللشباب بصفةٍ خاصة هذه الحمية الإسلامية والصفات الإيمانية والعودة إلى طبيعة القرآن؛ لأن الإسلام جيش الشباب، وخلق منهم رجالاً أكفاء لكل ما ينتدبهم له، لا تهولهم المعارك ولا تخيفهم الدماء، يتنافسون في الخيرات ويتسابقون إلى جنةٍ عرضها الأرض والسماوات، وكل هذا يقع على عاتق الفئة المؤمنة التي وعت وحملت لواء تلك الدعوة عن رغبةٍ وحب، فعليهم أن يتعلموا ويُعلِّموا المسلمين كيف غضب شابان حديثا السن- معاذ ومعوذ- لدينهما ولنبيهما حتى كان شعارهما- لقد عاهدت الله إن رأيته أن أقتله أو أموت دونه-، ويعلمهما أن ميادين الجهاد في سبيل الله أفسح مجالاً لإدراك ما عند الله من النعيم.
فرار العدو
24- بعد قتالٍ شديدٍ ومريرٍ بدأ في الصباح واستمرَّ حتى الظهر، أخذت جموع جيش قريش في الفرار من سيوف الجيش الإسلامي فتاهوا في الوديان.. انتهى القتال وهُزم المشركون بعد مقتل سبعين رجلاً من صناديدهم وأَسْرِ سبعين آخرين، وانتصار المسلمين بعد استشهاد أربعة عشر رجلاً- ستة من المهاجرين، وثمانية من الأنصار- وبعد أن انتهت المعركة أمر الرسول- صلى الله عليه وسلم- بجمع الغنائم والأسلحة كما أمر بالتحقق من مصير فرعون هذه الأمة الطاغية أبي جهل بن هشام، فانتشر الجند في أرجاء أرض المعركة يبحثون عنه، فإذا عبد الله بن مسعود يعثر عليه وبه رمق. فوضع رجله على عنقه ليجتز رأسه قائلاً له: هل أخزاك الله يا عدو الله؟. وأخذ عبد الله ابن مسعود يقطع رأسه بسيف أبي جهل، جرَّ ابن مسعود رأس أبي جهل ووضعها بين يدي الرسول- صلى الله عليه وسلم- قائلاً: هذه رأس عدو الله أبي جهل بن هشام. فقال- صلى الله عليه وسلم-:"الله أكبر، الحمدُ لله الذي صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده" (رواية أبو داود والنسائي) فخرج الرسول- صلى الله عليه وسلم- حتى وقف على رأس الطاغية وقال: "الحمد لله الذي أعزَّ الإسلام وأهله- ثلاث مرات-أخزاك الله يا عدو الله، وإن لكل أمةٍ فرعون، وإن فرعون هذه الأمة أبو جهل".
حكم حمل الرءوس إلى الولاة؟
ما فعله عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- حينما حمل رأس الطاغية أبي جهل إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- جعل العلماء يختلفون في هذه المسألة بين الجواز والمنع. فمَن أجاز ذلك استدل بما ورد في السير من أخبار كحمل محمد بن مسلمة- رضي الله عنه- رأس كعب الأشرف بعد قتله إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وما فعله عبد الله بن أنيس مع سفيان بن عبد الله حيث قتله، أخذ رأسه وصعد إلى الجبل واختبأ فيه حتى إذا رجع الطلب- مَن يطلبونه لقتله- جاء بالرأس إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، وقد ورد عن محمد بن الحسن الشيباني (أنه إذا كان في ذلك كبت وغيظ للمشركين أو إفراغ قلب للمسلمين بأن كان المقتول من قواد المشركين أو عظماء المبارزين فلا بأس بذلك).
أما من منع ذلك ونهى عنه فقد اعتبر ذلك من ضروب المثلة المنهي عنها واستدلوا بقول الرسول: "اغزوا في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تقتلوا وليدًا" (رواه مسلم والترمذي)، قال الشوكاني: في الحديث دلالة على تحريم المثلة، كما استدلوا بما رواه البيهقي عن سمرة بن جندب- رضي الله عنه- قال: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يحثنا على الصدقة وينهانا عن المثلة، وأيضًا عن عبد الله بن عامر أنه قدم على أبي بكر- رضي الله عنه- برأس البطريق فأنكر ذلك فقال: يا خليفة رسول الله إنهم يفعلون ذلك بنا. قال أبو بكر: لا يُحمل إليَّ رأس فإنه يكفي الكتاب والخبر.
وقد ورد عن الشافعى قوله: "وإذا أسر المسلمون المشركين فأرادوا قتلهم قتلوهم بضرب الأعناق، ولم يجاوزوا ذلك إلى أن يمثلوا بقطع يد ولا رجل ولا عضو ولا مفصل ولا بقر بطن ولا تحريق ولا تفريق ولا شيء يعدو ما وصفت؛ لأن الرسول- صلى الله عليه وسلم- نهى عن المثلة وقتل مَن قتل كما وصفت".
والذي نخلص إليه- والله أعلم- أن الأصل فيه عدم الجواز إلا إذا كان في ذلك مصلحة عامة كتثبيت قلوب المسلمين عند اشتداد خوفهم من قائدٍ معينٍ أو عدو له أثر في ذلك هزًّا لثقة العدو المتكالب بنفسه.
تكريم قتلى المشركين
25- أمر الرسول- صلى الله عليه وسلم- بنقل جثث المشركين وطرحها في قليب مهجور بالقرب من ساحة المعركة.. فقام بعض أفراد الجيش بسحب تلك الجثث وإلقائها في القليب ووقف الباقي يشاهد تلك الجثث.
* الرسول- صلى الله عليه وسلم- أصدر أوامره بدفن قتلى المشركين إعلانًا منه أن حرب الإسلام هي حرب الفضيلة، لا يُستباح فيها إلا الدماء ولا تُباح فيها المثلة تكريمًا للإنسان إلا إذا كان قصاصًا بأن مثَّل العدو بواحدٍ من المسلمين لعموم قوله تعالى﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (النحل: منم الآية 126)، وعموم قوله تعالى:﴿فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (البقرة: من الآية 194)؛ لذلك كان الرسول- صلى الله عليه وسلم- يقول لجنوده فيما رواه أحمد وابن ماجة عن صفوان بن عسال قال: بعثنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في سريةٍ فقال: "سيروا بسم الله وفي سبيل الله، قاتلوا مَن كفر بالله ولا تُمثلوا ولا تغدروا ولا تقتلوا وليدًا".
كما أن الرسول- صلى الله عليه وسلم- يزداد في تكريم الإنسان فلم يترك تلك الجثث الكافرة النجسة تنهشها الذئاب والغربان بل أمر بدفنها لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً (70)﴾ (الإسراء).
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق